لا تتوقف جولة الاحتلال لتنظيم الدولة الإسلامية، وحسب التقديرات المستجدَّة من الميدان فإن المساحة التي سيطر التنظيم عليها حتى الآن تعادل جزيرة بريطانيا. ما زال التنظيم مستمرًا في إطلاق مواد دعائية للعالم الغربي ويبدو أن قوته وهمة مقاتليه تزداد يومًا بعد يوم.

لدى التنظيم ما بين 10,000 إلى 20,000 مقاتل، وما بين 80,000 إلى 100,000 عضو بدرجات مختلفة، وهم مجهزون جيّدًا جدًا. تثير هذه المعلومات التساؤل المطلوب: من أين للتنظيم كل هذه الأموال ليستمر في نشاطاته؟

الإجابة عن سؤال التمويل مركّبة، لكنها مركّبة من عدة عوامل: أعمال سلب على نطاق واسع، تبرعات في الخفاء، سيطرة على حقول النفط، وفي النهاية، كما يبدو، أيضًا غض للطرف، ومستوى معيّن من التعاون من جانب النظام التركي.

تركيا، أسد والنفط

يبدأ تدخل تركيا بعد مدة لم تطُل من اندلاع الحرب الأهلية السورية. أعلن القائد التركي، رجب طيب أردوغان، أن سوريا ترتكب جرائم فظيعة غير إنسانية، ولقد انخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية حتى انقطعت العلاقات بينهما وبدأت تركيا بمساعدة القوات المحاربة ضدّ سوريا.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (AFP)

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (AFP)

تقدم تركيا المساعدة للجيش السوري الحر ليس فحسب، بل أيضًا للقوات الأكثر تطرفًا التي تقاتل الأسد، مثل جبهة النصرة وداعش. عدا عن الدعم الذي منحته تركيا لهذه المنظمات، يبدو أن التعاون مع داعش متفرع أكثر مما يمكن تخمينه، خاصة بسبب "غض الطرف" من جانب السلطات التركية، لكن ليس هذا فحسب.

حسب ما نُشر في الموقع الإسرائيلي "كلكليست" لدورون بيسكين، مدير فرع الأبحاث في شركة إنفو برود ريسرتش (الشرق الأوسط) المحدودة، فقد سيطر داعش على حقول النفط في المناطق التي احتلها على نطاق واسع. يمكن لحقول النفط التي سيطر عليها في شرق سوريا أن تنتج 50,000 برميل من النفط يوميًّا، أما حقول النفط في العراق فيمكنها أن تنتج 70,000 برميل يوميًّا.

يبيع داعش نفطه بثمن "منخفض" لكل مشتر: على عكس البراميل التي تكلف أكثر من 30 دولارًا للبرميل في السوق العالمية، يبيع داعش براميل بسعر 30 دولارًا. وحين يكون الثمن رخيصًا، فهنالك من يشتري.

حسب التقارير، يُباع النفط بواسطة بائعين لزبائن مختلفين في تركيا. تغض السلطات التركية الطرف عن دخول البراميل، التي يصدّر قسم منها للشرق الأقصى بأسعار أعلى. تدعم السلطات التركية بذلك الاقتصاد التركي ويتعاظم داعش اقتصاديًّا أيضًا.

نفط (thingstock)

نفط (thingstock)

حسب تقارير أخرى، فيها غير قليل من المفاجآت، أحد الزبائن الكبار للتنظيم ما هو إلا نظام الأسد، الذي يحاربه داعش، والذي يشتري براميل عن طريق وسطاء. زد على ذلك، حسب التقارير، فالنفط الذي يبيعه داعش للأسد يصل في قسطه الأكبر من مناطق كانت منذ مدة غير بعيدة تحت سيطرة النظام، لكنها احتُلت في السنوات الثلاث الأخيرة. إن تقديرات خبراء النفط هي أن التنظيم سيجني حتى آخر السنة حوالي 100-150 مليون دولار من صفقات النفط المختلفة.

لا يقف الدعم التركي عند النفط فحسب. هناك لداعش مستشفيات متنقلة ميدانية في المناطق التركية التي يُعالج بها مصابون من داعش، تقارب تكلفة إدارتها اليومية مليون دولار. يُقدّر الشيخ نبيل نعيم، الذي كان قائد الجهاد الإسلامي في مصر ويعتبر اليوم "خبيرًا" في حركات الجهاد في الغرب، أن قسمًا من تمويل هذه المستشفيات يصل من الدولة التي تستمر في تقوية تدخلها في الشرق الأوسط- قطر.

كذلك، نشرت قناة تلفزيونية ألمانية مؤخرًا أنه يعمل في إسطنبول مكتب تجنيد غير رسميّ لداعش. حسب ما نشر، يستخدم المكتب كمحطة عبور للأوروبيين المعنيّين بالانضمام في صفوف القتال إلى جانب داعش، ويتوقفون في طريقهم عند المكتب ويأخذون فيه 400 دولار.

لاجئون سوريون في الحدود السوري التركي (AFP)

لاجئون سوريون في الحدود السوري التركي (AFP)

في حال أن التقارير عن المستشفى والمكتب صحيحة، فمن الصعب التصديق أن تكون حكومة تركيا ليست على علم بذلك، ولذلك يمكن التخمين أنها أيضًا تدعم هذه النشاطات. قدّم رئيس بلدية ماردين التركية، من أصل كردي، إلى سفارة الاتحاد الأوروبي في تركيا تقريرًا مثيرًا قبل ثلاثة أشهر. هناك في التقرير دلائل على إعانة الحكومة التركية لداعش، بل وزُعم أن مندوبًا من حزب أردوغان التقى سابقًا مع مندوبي داعش في خيمة أقيمت على الحدود التركية السورية.

مصارف، خطف، وتبرعات

بالإضافة إلى حقول النفط، لداعش هناك أيضًا وسائل تمويل أخرى. تشمل جولة السيطرة للتنظيم فيما تشمل السيطرة على المصادر الاقتصادية في المدن التي يسيطر عليها، بعد أن يسلب الأموال أولا من هذه المدن.

صورة عن موقع ولاية الرقة الجهادي في 30 حزيران/يونيو يظهر فيها ما يبدو انهم مقاتلون من تنظيم الدولة الاسلامية في مدينة الرقة في شمال العراق (AFP)

صورة عن موقع ولاية الرقة الجهادي في 30 حزيران/يونيو يظهر فيها ما يبدو انهم مقاتلون من تنظيم الدولة الاسلامية في مدينة الرقة في شمال العراق (AFP)

يقتحم أعضاء التنظيم المصارف فورًا ويسرقون كل الأموال، يقتحمون كل الخزائن، ومنها الخاصة، ويأخذون الكل لصالح التنظيم. هذا ما فعلوه بمصرف الموصل الرئيسي، الذي سيطروا عليه من مدة غير بعيدة. عدا عن ذلك، يقتحمون بيوت الأغنياء ويسلبون كل شيء.

ومن وسائل التمويل الأخرى خطف أشخاص معروفين في العالم العربي أو الغربي (مثل الصحفيين)، وطلب فدية مقابلهم. من الطرق الأخرى لثراء داعش، حسب التقارير، هي التبرعات السخية من أصحاب رؤوس أموال كثيرين.

حسب نشرات عديدة، إحدى نقاط التحوّل في البحث حول تمويل داعش وصلت قبل نحو يومين من احتلال التنظيم للموصل. نجح الجيش العراقي في استخراج معلومات من أحد الأسرى الكبار في داعش والتي كانت في حوزته. لقد روى الأسير تفاصيل كثيرة عن المصادر التي يمتلكها التنظيم في حكومات غربية، حسابات مصرفية، طرق عملياته وغيرها. لقد صاغت تفاصيل كثيرة التصور أن التنظيم هو التنظيم الإرهابي الأكثر ثراء في العالم، وبحوزته ممتلكات ونقود تفوق 2 مليار دولار، بالإضافة لحقول النفط الضخمة التي تحت سيطرته.

داعش يعدم الصحافي الأمريكي ستيفن سوتلوف (لقطة شاشة YouTube)

داعش يعدم الصحافي الأمريكي ستيفن سوتلوف (لقطة شاشة YouTube)