لست متأكدا إذا كان نتنياهو تصرف بحكمة عندما أثار مرة أخرى موضوع اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية، وربما كانوا على حق أولئك الذين يقولون إن الغرض من هذا الاشتراط هو زيادة تعقيد المفاوضات السياسية. ولكن علينا ان نتذكر أن من أثارت هذه المسألة في النقاش العام للمرة الأولى كانت في الواقع تسيبي ليفني، اثناء خطاب في الكنيست بتاريخ 20 نوفمبر 2000.

بالإضافة إلى ذلك، قبل مؤتمر أنابوليس في عام 2007 تم عرض هذه المطالبة بصورة قاطعة، من قبل إيهود أولمرت، الذي كان رئيس الوزراء، ومن قبل ليفني التي كانت وزيرة الخارجية. وقد كتب تال بيكر، وهو المستشار السياسي لليفني حينئذ واليوم، ورقة موقف شاملة ومثيرة للإعجاب حول الموضوع، تم اصدارها من قبل دار النشر "ماتسيلا"، وفيها فصّل كل المبررات لهذه المطالبة وكل الاعتراضات الحازمة تجاهها في العالم العربي بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص.

لذا لا توجد لنتنياهو براءة اختراع على هذه المطالبة، وبعض الانتقادات ضده حاليا تأتي لان خصومه السياسيين ينتقدون كل تحركاته، أيا كانت، في حين عندما اقترح الفكرة كل من أولمرت وليفني لم نسمع صوتهم. صحيح، ليفني لا تعتبر هذه المطالبة كشرط مسبق للمفاوضات، ولكن من الواضح أنها تعتبرها عنصرا أساسيا في أي اتفاق مستقبلي.

في ذلك الوقت لم أكن مقتنعا بالطريقة التي تم طرح المطالبة فيها، وأنا ما زلت أعتقد أنها خاطئة، في المقام الأول لأن ثمة سوء فهم أساسي لمسألة الاعتراف. إن موضوع الاعتراف السياسي أو الدبلوماسية هو بيد البلدان، وليس المنظمات، أي أنه فقط دولة قادرة على الاعتراف او عدم الاعتراف - في بلد آخر. ولذلك الحق مع الذين يقولون إن منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية – وهي ليست دولة - لا يحق لهما حسب القانون الدولي منح الاعتراف في هذا شكل او آخر لدولة إسرائيل، وكذلك الحق مع من يقولون إننا "لن نعيش من اعترافهم". وعلاوة على ذلك، حتى عندما تعترف دولة بدولة أخرى، فهي لا تتطرق إلى هيكلها السياسي: عندما قررت الولايات المتحدة في عام 1933 الاعتراف بالاتحاد السوفيتي - بعد سنوات طويلة من عدم الاعتراف - أنها اعترفت بها كدولة وليس كدولة شيوعية أو ماركسية، وعندما اعترفت معظم البلدان الديمقراطية بإسرائيل بعد إنشائها، هي اعترفت بها كدولة ولا أكثر - وكان هذا بلا شك كافٍ.

ولكن المسألة أكثر تعقيدا. حتى أولئك الذين يعتقدون أن طرح الموضوع من قبل إسرائيل لا لزوم له، وربما سيعود عليها بالضرر، جاء الرد الفلسطيني السلبي ليوضح لهم أننا نواجه مشكلة أعمق بكثير من مسألة الاعتراف الرسمي. وقد رفض قادة السلطة الفلسطينية - من أبي مازن والى صائب عريقات - المطالبة الإسرائيلية بشراسة. الرفض في الواقع متعلق بجذر الصراع، الذي يفضل الفلسطينيون عرضه كمرتبط فقط بالسيطرة الإسرائيلية على الاراضي منذ عام 1967، وليسوا على الاستعداد للتعامل مع أبعاده العميقة.

هل سيعترف الرئيس الفلسطيني محمود عباس بيهودية دولة إسرائيل؟

هل سيعترف الرئيس الفلسطيني محمود عباس بيهودية دولة إسرائيل؟

وأقولها على هذا النحو الآتي: إنها حقيقة بأن الفلسطينيين رفضوا في 1947-1948 خطة التقسيم للأمم المتحدة وذهبوا إلى الحرب. ذهبوا إلى الحرب ضد من ؟ ضد باتاغونيا ؟ ضد القارة القطبية الجنوبية ؟ فقد رفضوا القرار الذي أعطى الشرعية الدولية لإقامة دولة يهودية في جزء من إسرائيل، و خرجوا للحرب ضد الدولة اليهودية وضد إنشائها. وحتى اليوم لم نسمع من الوسط الفلسطيني أي شكل من اشكال الانتقاد الداخلي ازاء قرار خوض الحرب في 1948. أهي مبالغة من قبل الإسرائيليين أن يتوقعوا من الفلسطينيين، الذين ذهبوا إلى الحرب ضد إقامة دولة يهودية، أن يوضحوا أنه كجزء من عملية السلام وإنهاء النزاع هم يقبلون في الحاضر الدولة القومية اليهودية التي حاربوها عام 1948؟

كما ذكرت، وأنا لا أعتقد أن هناك مجالا لتضمين هذا الطلب في اتفاق سياسي مستقبلي بين إسرائيل والفلسطينيين، ولكن يمكن أيضا التفكير بسيناريو آخر: ينبغي أن تكون القيادة الفلسطينية على علم بأن معارضتها الكاسحة للاعتراف بإسرائيل كدولة وطنية يهودية تثير وسط قطاعات واسعة في الجمهور الإسرائيلي - وسوف أجرؤ على القول إنه في معظم الجمهور اليهودي بإسرائيل – شكوكا مشروعة حول ما إذا كانت الحركة الفلسطينية على استعداد لإنهاء الصراع، وما يعزز هذه الشكوك هو أنه في الخطاب الفلسطيني لا يعتبر اليهود أمة وإنما جماعة دينية فقط. وعندما يقول ابو مازن خلال مؤتمر في رام الله إنه والقيادة الفلسطينية لا يقدرون على التخلي عن حق العودة لأن هذا "قرار فردي" ، فهذا يعمق فقط الشكوك الإسرائيلية حول ما إذا كان توجه القيادة الفلسطينية فعلا لإنهاء الصراع. إذا كانت رغبة أبو مازن هي التغلب على هذه الشكوك وتعزيز الثقة لدى الإسرائيليين الذين هم على استعداد للذهاب تجاه الفلسطينيين، فلديه الفرصة لإنجاز ذلك.

دعونا نتخيل ماذا سيحدث إذا قرر ابو مازن إجراء مقابلة مع مراسل التلفزيون الإسرائيلي، يقول فيها هذه الكلمات البسيطة: "لدينا خلافات عميقة ، ولكن أود أن أقول للجمهور الإسرائيلي أنه بعد عقود لم نكن على استعداد لقبولكم، نحن نقبلكم ونقبل بلادكم ". لقد صرح أنور السادات بعبارات مماثلة اثناء خطابه التاريخي في الكنيست، وبعد هذا الخطاب ( على الرغم من أن شمل المطالبة القاطعة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي ، بما في ذلك ما أسماه " القدس العربي")، وثق الإسرائيليون له، ودخل إلى قلوبهم لانهم فهموا معنى كلماته.

لا حاجة الى الاعتراف الدبلوماسي (الذي لا مكان له في رأيي)، ولكن ثمة حاجة للتوجّه إلى الشعب الإسرائيلي، خاصة من أولئك الذين رفضونا والآن على استعداد لقبولنا: من دون صيغ ديبلوماسية أو مراوغات لغوية متطورة، إنما كلمات بسيطة وواضحة. لو كان أبو مازن مستعدا إلى أن يأتي إلى الكنيست ويخاطب ، مثل السادات، هيئة تمثل السيادة الإسرائيلية – فهذا أفضل حل، ولكن لا أريد إيهام نفسي. إذا وصل عبر شاشات التلفزيون إلى كل بيت في إسرائيل - سيكون هذا كافيا.

عباس ونتانياهو (MOSHE MILNER, GPO)

عباس ونتانياهو (MOSHE MILNER, GPO)

ليس هناك شك في أن مثل هذا التوجّه سوف يغيّر الخطاب السياسي الإسرائيلي الداخلي. من الواضح أنه لن يقنع أولئك الذين يؤمنون في إسرائيل الكبرى أو أولئك الذين يهدفون إلى الاستيطان اليهودي على كل تلة وتحت كل شجرة في الضفة الغربية، ولكن سيكون له تأثير بعيد المدى على جمهور الوسط السياسي الإسرائيلي، الذي وافق على حل الدولتين للشعبين وفق استطلاعات رأي عام كثيرة، ولكن كان لديه شكوك (مبررة) إذا كان الفلسطينيون على استعداد لهذه التسوية.

إن مقاومة اليسار الإسرائيلي الصادقة لمواصلة المشروع الاستيطاني السريالي في الأراضي يجب أن لا تبهر عيون أبو مازن من رؤية الحقيقة أن قسطا كبيرا من تعثر المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين يعود إلى عدم استعداد الفلسطينيين القول بوضوح إن السبب للحرب في 1947-1948 لم يعد قائما : لا ينبغي عليهم القبول " بالرواية الصهيونية " من اجل القول بذلك. وأنا أدرك أن هذا هو التحدي الأكبر للحركة الوطنية الفلسطينية، ولكن كما أن الغالبية بالحركة الصهيونية والمجتمع وافقت على تقسيم البلاد في 1948 ، والآن نتنياهو ايضا على استعداد لقبول حل الدولتين - ليس بسهولة، لأنه متناقض مع تراثه التصحيحي - لقد حان الوقت ان يعثر الفلسطينيون على وسيلة لتعبير عن قبول مماثل وواضح للجمهور الإسرائيلي.

كما هو الحال في 1947-1948 ، وكذلك اليوم، المفتاح في يد الفلسطينيين. في السابق ذهبوا إلى الحرب التي انتهت بالنكبة، واليوم بيدهم اختيار المصالحة الحقيقية بين حركتين قوميتين متمسكتين بالبلاد. يجب أن لا تحجب سياسة الاستيطان الخاطئة لحكومة نتنياهو هذه الحقيقة الأساسية.

- شغل الكاتب البروفيسور شلومو أفنيري منصب المدير العام لوزارة الخارجية في عهد حكومة اسحق رابين الأولى

*نُشرت المقالة الأصلية بالعبرية في موقع هآرتس (31.01.2014)