هناك توقعات كبيرة في العالم، بحسبها ستكون للسلام المستقر بين إسرائيل والفلسطينيين ثمار اقتصادية كبيرة لكلا الطرفين مقارنة بحالات النزاع أو حتى استمرار الوضع الراهن. الافتراض هو أنّ الاستقرار الأمني سيؤدي إلى زيادة الاستثمارات والتجارة.

حاول معهد راند الأمريكي دراسة الأرقام التي تقف خلف هذه الافتراضات بمساعدة خبراء واقتصاديين من الولايات المتحدة، أوروبا، إسرائيل والسلطة الفلسطينية. استندت الدراسة التي أجريتْ على إصدارات سابقة، مقابلات مع خبراء وسوابق تاريخية.

فحص الباحثون تكاليف خمسة سيناريوهات: دولتَان لشعبَين، انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية، انسحاب إسرائيلي بالتنسيق، مقاومة فلسطينية غير عنيفة وتجديد الصراع العنيف: الانتفاضة.

السيناريو المتفائل

صورة معبرة عن اتفاقية أوسلو (Wikipedia)

صورة معبرة عن اتفاقية أوسلو (Wikipedia)

أثبتت النتائج أنّ الإنجاز الاقتصادي الذي تتوقع إسرائيل الحصول عليه يتلخص بنحو 123 مليار دولار في العقد القادم، حتى عام 2024. تستند هذه الزيادة على الزيادة في الاستثمارات، التجارة، السياحة والإنتاجية، والانخفاض بالاستثمار في الأراضي المحتلة مع توجيه الأموال للنموّ داخل الخطّ الأخضر.

وفقا لنتائج الدراسة، إذا استمرّ الوضع الراهن، أي الجمود السياسي، فإنّ الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل في عام 2024 سيكون 439 مليار دولار مقابل 295 مليار دولار عام 2014. في حالة السلام الذي يستند إلى دولتين، فإنّ الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي في عام 2024 سيكون 462 مليار دولار، وهو ارتفاع بقيمة 23 مليار دولار في نفس العام بالمقارنة مع استمرار الوضع القائم.

ستستمتع السلطة الفلسطينية أيضًا من زيادة بقيمة 8.8 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024، وبالمجمل من زيادة متراكمة بقيمة 50 مليار دولار في ناتجها المحلي الإجمالي. كان الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني لعام 2014 هو 13.9 مليار دولار. في وضع تستمر فيه التوجهات الحالية، فمن المتوقع في عام 2024 أن يكون الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني 19.9 مليار دولار. في وضع وجود دولتين لشعبين فمن المتوقع أن يكون 28.7 مليار دولار في عام 2024.

الانتفاضة الثالثة ؟ صدامات اشتباكات القدس (Flash90)

الانتفاضة الثالثة ؟ صدامات اشتباكات القدس (Flash90)

بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يحدث نموّ بنسبة 20% داخل إسرائيل، ارتفاع بنسبة 150% في التجارة مع الفلسطينيين، وارتفاع بنسبة 200% في التجارة مع الدول العربيّة والإسلامية. سيرتفع عدد العمال الفلسطينيين في إسرائيل من 50 ألف إلى 110 آلاف. سيحصل الفلسطينيون على السيطرة على مصادر المياه والمعادن، بما في ذلك الغاز مقابل قطاع غزة. ستُزال التقييدات على التنقل والتجارة. سيتضاعف حجم الاستثمارات العامة والخاصة في الأراضي الفلسطينية.

السيناريو المتفائل: دولتَان لشعبَين - يستند إلى نموذج تمت صياغته من قبل الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، وجوهره اتفاق سلام وعلاقات خالية من العمليات الإرهابية والحروب. لا يتطرق هذا السيناريو إلى إمكانية عملية إرهابية استعراضية لجهات إرهابية من أراضي السلطة. أكّد أحد معدّي الدراسة، أنّ سيناريو كهذا سيكون بمثابة ضربة قاسية بشكل خاصّ للاقتصاد الإسرائيلي.

السيناريو المتشائم

تجديد العنف في قطاع غزة وتوسّعه إلى الضفة وإلى جهات إرهابية خارجية. تتضمن الخيارات انتفاضة ثالثة وعمليات إرهابية مع مشاركة جهات إرهابية خارجية مثل حزب الله. من المتوقع في هذا السيناريو أن يتضاءل الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل بنسبة 10% عام 2024 بالمقارنة مع السيناريو الأساسي، إلى 395 مليار دولار. ومع ذلك، يُتوقع لمجموع العقد كله خسارة إجمالي كبير بقيمة 250 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن المتوقع أن يتدهور الاقتصاد الفلسطيني في سيناريو كهذا، حيث سيكون الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 بقيمة 12.6 مليار دولار، أقل بنحو 7.3 مليار دولار ويمثّل هذا انخفاضا بنسبة نحو 37% بالمقارنة مع استمرار الوضع الراهن. وفقا للدراسة، ففي هذا السيناريو سترتفع نفقات الأمن في إسرائيل بنسبة 9% في ثلاث سنوات من الصراع (3% للعام)، وستتقلّص التجارة مع الفلسطينيين بنسبة 15% وسيتوقّف تشغيل الفلسطينيين في إسرائيل. ستنخفض الاستثمارات في إسرائيل بنسبة 20%، وستتقلّص السياحة بنسبة 25%، ستنخفض الإنتاجية وسيتضاءل النموّ في سوق العمل بنسبة 50%. ستتضرّر أسواق رأس المال في السلطة الفلسطينية بقيمة 1.5 مليار دولار، وستتضرّر أسعار الخدمات في الأراضي المحتلة، بما في ذلك الخدمات المصرفية والمستشفيات بنحو 50%.

سيناريو توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتحدث من على منبر الجمعية العامة للامم المتحدة  (AFP)

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتحدث من على منبر الجمعية العامة للامم المتحدة (AFP)

سيناريو آخر تمّت دراسته وهو المقاومة الفلسطينية غير العنيفة في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى، يرافقها نشاطات لمقاطعة إسرائيل في الخارج. في هذا السيناريو من المتوقع أن يصبح الناتج الإجمالي المحلي الإسرائيلي 424 مليار دولار في عام 2024، أي أقل بنحو 3.4% من احتمال استمرار التوجهات الحالية. ومن المتوقع أن يصبح الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني 17.7 مليار دولار، أي أقل بنسبة 2 مليار دولار (10.8%) من السيناريو الأساسي. وسيتمثّل الإضرار بإسرائيل، بحسب الدراسة، بانخفاض بنسبة 10% في الاستثمارات وانخفاض بنسبة 2% في الناتج المحلي الإجمالي بسبب المقاطعة التجارية لإسرائيل. بحسب هذا السيناريو، سيتضاءل عدد العمال الفلسطينيين في إسرائيل بـ 30 ألفًا.

انسحاب إسرائيلي بالتنسيق مع السلطة

انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005 (Flash90/Yossi Zamir)

انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005 (Flash90/Yossi Zamir)

هناك سيناريوهان اثنان للانسحاب الإسرائيلي الطوعي من الضفة الغربية: أحدهما بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية والآخر دون التنسيق. من المتوقع في هذا السيناريو أن يعود 60 ألف مستوطن إلى حدود الخطّ الأخضر وستبقى في الضفة كتل الاستيطان الكبرى القريبة من الخطّ الأخضر. في سيناريو الانسحاب مع التنسيق، من المتوقع أن يصبح الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي 439 مليار دولار في عام 2024، بشكل مماثل لاستمرار الوضع الراهن. ومن المتوقع أن يصبح الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني 21.5 مليار دولار، أي أكثر بـ 1.6 مليار دولار (8.1%) من استمرار الوضع الراهن.

بالإضافة إلى ذلك، سيتضاءل الإنفاق الحكومي الإسرائيلي على المستوطنات تبعا لذلك بنسبة 10% في العام. سيتم تمويل 75% من تكاليف الانتقال من قبل المجتمع الدولي. سترتفع نسبة السياح القادمين إلى إسرائيل بنسبة 5%، وستزداد التجارة مع الفلسطينيين بنسبة 5%. ستُوسّع السلطة الفلسطينية من سيطرتها على الأراضي التي سيتم إخلاؤها. سيتم فتح المعابر في الضفة وستختفي تكاليف العبور. سيتم تخفيض تكاليف الحواجز التجارية بنسبة 10% وسيتوسّع تدفّق الاستثمارات إلى البنى التحتية الحكومية والخاصة.

الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب

من المتوقع أن يصبح الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي 436 مليار دولار في عام 2014، أي أقل بـ 3.5 مليار دولار (0.8%) من الناتج المحلي مع استمرار الوضع الراهن. ومن المتوقع أن يصبح الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني 19.9 مليار دولار، بشكل مماثل لاستمرار الوضع الراهن. سيتم في هذا السيناريو إخلاء 30 ألف مستوطن. سترتفع تكاليف الأمن بنسبة 2%. ستنخفض نفقات الحكومة على المستوطنات تبعا لذلك بنسبة 5% في العام. ستتضاءل الاستثمارات بنسبة 5% وستتقلّص السياحة بنسبة مماثلة. لن تحصل إسرائيل على تمويل دولي لإسكان المستوطنين داخل الخطّ الأخضر. بحسب هذا السيناريو، ستُسيّطر السلطة الفلسطينية على نصف المساحة التي ستخليها إسرائيل وستحصل على تمويل لنصف الاستثمارات المطلوبة.

يستند هذا المقال إلى البيانات التي نشرها معهد راند ونُشرت في موقع ‏The Marker‏