فوجئ الإسرائيليون الذين استمعوا يوم الثلاثاء الماضي إلى الإذاعة الإسرائيلية الشعبية "جلجلاتس" بالتأكيد من صوت المطربة اللبنانية "فيروز"، بالإضافة إلى أغانٍ عربية وشرقية أخرى. بشكل تقليدي، معظم الأغاني التي تطرحها الإذاعة، هي إما أغان غربية، أو أغان إسرائيلية بإلهام غربي، ونادرا جدا أن نستمع فيها إلى أغان شرقيّة، خاصةً باللغة العربية.

ولكن المسؤولة عن هذه الظاهرة الاستثنائية هي ال"دي جي" (DJ) والمذيعة حين ألمليح. شابة، نسوية، وناشطة شرقية، تحظى ألمليح  في السنة الأخيرة بالازدهار: شاركت في سلسلة وثائقية ناجحة عن احتجاج الشباب و الشبات الشرقيين في إسرائيل، كُتب عنها مقالات طويلة كانت مُعجبة بها للكشف عنها في المجلات الرائدة في إسرائيل، وجدول أعمالها مليء بالعمل في الحفلات في إسرائيل والعالم كله. وقد سجّلت مؤخرا إنجازا آخر عندما اختيرت لتقديم برنامج يستغرق ساعتين أسبوعيا في الإذاعة الأكثر شعبية في إسرائيل.

"كانت جدّتي تستمع إلى الموسيقى العربيّة فقط"

تعرّضت ألمليح للثقافة العربية منذ طفولتها. لقد نشأت في شمال إسرائيل، في أسرة مغربية يهودية. جدّتها هي التي ربّتها، وكانت تستمع إلى الموسيقى العربية فقط وشاهدت القناة الأردنية، وتحدّثت بالمغربية مع صديقاتها وجاراتها. ومثل الكثيرين من سكان إسرائيل، كانت تشاهد ألمليح، في كل يوم جمعة، الفيلم العربي الذي كان يُبثّ وقت الظهيرة في القناة الرسمية.

ولكن مثل الشبيبة الكثيرين في إسرائيل، والذين سعوا إلى الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، هربت ألمليح في سنّ المراهقة من جذورها الشرقية، واستمعت إلى الموسيقى الغربية. "في منزلنا لم يستمعوا إلى الموسيقى العربية، وإنما إلى الموسيقى "الإسرائيلية". وفق أقوال ألمليح في مقابلة خاصة مع موقع "المصدر". "بل في طفولتي كان اسمي "عبرانيا"؛ فقد نادوني "حِن إيليميلخ"، وهو اسم يبدو أكثر إسرائيليا وأقلّ مغربيًّا.

حِين ألمليح

حِين ألمليح

وعندما سافرت إلى الولايات المتحدة فقط، حيث عاشت هناك لخمس سنوات في لوس أنجلوس، اكتشفت الموسيقى الشرقية من جديد. وباعتبارها محبّة للهيب هوب، ربطت في وعيها بين احتجاج السود وبين احتجاج الشرقيين في إسرائيل. وربطت بين  التمييز، العنصرية، الفجوات الاجتماعيّة، والاحتجاج عن طريق الموسيقى، وفجأة كانت هناك علاقة بين كل هذه الأمور.

"هناك تحديدًا، في مكان أكثر حياديّا، اكتشفتُ الموسيقى الشرقية من جديد. اكتشفت أنّها موسيقى معقّدة، ذات إيقاعات، مقامات، مواويل. في إسرائيل هناك تصوّر ما أنّ الموسيقى الشرقية سطحية أو بسيطة وهذا ليس هو الوضع تماما. يمكن أن يؤدي المطرب الشرقي، على سبيل المثال، جميع أنواع الموسيقى، ولكن المطرب الغربي سيجد صعوبة في أداء الموسيقى الشرقية".

"مرتبطون بمنطقة الشرق الأوسط"

تواكب ألمليح اليوم بشكل خاص جميع أنواع الموسيقى العربية والشرقية، ولا تخشى من تقديمها للجمهور الإسرائيلي. تعمل كدي جي في الحفلات والحانات، والتي يزورها جمهور متنوّع جدّا - شباب يهود، فلسطينيون، إسرائيليون، مسلمون ومسيحيون، يرقصون وفقا للإيقاع الذي تمليه ألمليح.

"كيف تواكبين الموسيقى العربية؟ كيف تعرفين أين تبحثين عنها؟ هل تتقنين العربية؟"

"أفهم العربية فهما أوليا، ممّا سمعته في المنزل ومن أصدقائي الفلسطينيين، ولكني أستطيع أن أتحدث فقط ببعض الكلمات ... ولكن لست بحاجة حقّا لمعرفة العربية من أجل أن أكون على معرفة ما هو جديد. أستمع ببساطة إلى الراديو بالعربية طوال الوقت، وإلى قناة روتانا بشكل أساسيّ. وليست هناك حاجة اليوم إلى أكثر من ذلك فبفضل مواقع التواصل الاجتماعي، يمكن الوصول إلى كل المعلومات".

هناك لدى ألمليح أيضًا عشرات الأصدقاء من الدول العربيّة، شمال إفريقيا بشكل أساسيّ، والذين تعرّفوا عليها عن طريق الفيس بوك. في المساحات الافتراضية في الإنترنت، ليست هناك حدود، ولا حاجة إلى جوازات السفر والتصاريح الحكومية من أجل الوصول إلى الناس. تقول ألمليح إنّه بفضل هذا الاتصال غير المباشر فأنت قادر على التواصل مع الناس، والتعرف عليهم. "نحن نعيش في هذا العالم معًا. نحن في النهاية متشابهون جدّا، وليس هناك  سبب ألا نتحدث ونتعرف إلى بعضنا البعض".

حانة "أنا لؤلؤ" في يافا (Ilana Bronstein)

حانة "أنا لؤلؤ" في يافا (Ilana Bronstein)

"نشهد في الآونة الأخيرة، هنا أيضًا في يافا وفي مدن أخرى، ازدهارا ثقافيا يربط بين الشباب اليهود والعرب. مثل ما نشهده في أنا - لولو على سبيل المثال"

"مع كل احترامي لحانة "أنا لولو" (حانة بملكية مشتركة لشبان يهود وعرب في يافا)، والتي أحبّها جدّا، فهذه الحانة موجودة هنا قبل ذلك بكثير. يعيش السكان في أحياء منذ عشرات السنين وأكثر. دائما كانت هنا في يافا حياة مشتركة، الناس الذين يعيشون هنا مرتبطون بهذا المكان أكثر بكثير من الحكومة أو من المنظمات اليسارية التي تحاول ربط اليهود بالعرب بالقوة".

أعربت ألمليح عن غضبها الشديد من السلطات في إسرائيل، لكونها عملت طوال السنين على تشويش الثقافة الشرقية، وحتى اليوم تعمل بسياسة "فرّقْ تسُدْ". "يعلّموننا كراهية العرب، والخوف منهم، ولكننا نشبههم جدّا. ثقاتنا متشابهة، فقد جاء أهلنا من البلدان ذاته. نحن بحاجة إلى النظر للاشتباه بيننا، وليس للاختلاف".

هل كنتِ ذات مرّة في الدول العربيّة؟

"أحلم بالتجوّل بحرية ومن دون خوف، بحيث نستطيع تبادل الزيارات بيننا. أخطط للسفر إلى المغرب في نيسان القادم، بل وتلقّيت بعض العروض للدي جي".

"الناس الذين يعيشون هنا مرتبطون بهذا المكان أكثر بكثير من الحكومةי". السوق في يافا (Liron Almog/FLASH90)

"الناس الذين يعيشون هنا مرتبطون بهذا المكان أكثر بكثير من الحكومةי". السوق في يافا (Liron Almog/FLASH90)

الفهدة السوداء

التقيت بألمليح بهدف الحديث عن الموسيقى، ولكن سريعا جدا أصبحنا نتحدث عن السياسة. ألمليح ناشطة جدا في كل ما يتعلق برفع الوعي حول التمييز ضد الشرقيين في إسرائيل، تعزيز حقوقهم، وإحياء الثقافة الشرقية.

في إحدى المرات التي تم فيها بثّ برنامج ألمليح في الإذاعة الإسرائيلية، كتب أحدهم في صفحة الإذاعة على الفيس بوك: "سيطر المخرّبون على إذاعتكم في آخر ساعة؟ استدعوا القوى الأمنية". شاركت ألمليح هذا التعليق، وكتبت أنّها تعتبره انتصارا شخصيا.

عندما أسألها كيف تشعر عندما شاهدت التعليقات، تقول لي: "هل تعرفين ما هو الغريب؟ أن معظم هذه التعليقات هي لأشخاص من عائلات شرقية. أعلم أنّ هناك الكثير من الناس الذين يفكرون هكذا، ولكن لا يجرؤ جميعهم على كتابة هذه الآراء العنصرية. ولكن كون الشرقيين يتنكّرون لثقافتهم، فهذا يظهر فقط كيف أن الحكومات الإسرائيلية على مدى السنين نجحت في محاولاتها. أرادوا إنشاء "اندماج ثقافي"، ولكنهم في الواقع حاولوا جعلنا جميعًا نشبههم، أي هؤلاء الأشكنازيون الذين قدِموا من أوروبا. تم التغاضي عن الثقافة الشرقية، واحتقروها. اليوم هناك موجة من العودة إلى الثقافة الشرقية، ولكن هناك أشخاص لا يزال يخجلون من ثقافتهم. أنا بشكل أساسيّ أشفق عليهم، وآمل أن يفهموا بأن الموسيقى الشرقية ليست كلمة فظة".

حِين ألمليح (Ben palhov)

حِين ألمليح (Ben palhov)

وفعلا، ما كان يوما ما "اندماجا ثقافيا" أصبح اليوم "تعددا للثقافات". هناك مساحة أكبر لكل واحد للتعبير بشكل أصيل عن اتصاله بثقافته وجذوره، ومع ذلك، فالفجوات لا تزال قائمة، بالإضافة إلى بقايا العنصرية. لا يرغب الكثير من الإسرائيليين  في سماع الموسيقى الشرقية في محطات الإذاعة الرسمية.

"هل تشعرين بأنّ هذا انتصار سياسي كونك تقدّمين في هذه محطة؟"

في الحقيقة، هذا لم يكن يوما مؤكدا أنني كنت سأوافق على ذلك، لأنّ هذا كما يسمّى تعاون مع المؤسسة المسؤولة عن التمييز على مرّ السنين. ولكن لا يسمح لي وضعي الآن بتصفية عروض العمل. في العموم، أنا بشكل أساسيّ راضية عن الفرص التي أملكها لإسماع الموسيقى التي أحبّها. ولا أدّعي أنّني أمثّل جميع المواطنين الشرقيين، أمثّل نفسي فحسب. توجّه إلي بعض وكلاء المطربين الشرقيين كي أُسمع صوتهم في برنامجي، ولكن الأمر لا يسير هكذا. وأنا أيضًا لا أُسمع الموسيقى الشرقية فحسب. لأنّه في برنامجي هناك الكثير من الموسيقى السوداء، السول، الراب. وهي تتمتع بميزة جميلة جدّا في رأيي. يمكنك أن تستمعي في برنامجي إلى كندريك لامار إلى جانب نانسي عجرم".

"أي ردود فعل تتلقّين على الموسيقى التي تُسمعيها؟"

"ردود الفعل بشكل عام جيدة. يعرفني الكثير من الناس، وأحيانا في أماكن لا يكون الأمر فيها مفهومًا ضمنًا".

"نحن نشبه العرب أكثر بكثير ممّا يظنّون"

"هل هناك موسيقى إسرائيلية تنصيحين قرائنا العرب بها، والذين لا يعرفونها؟"

"هناك موسيقى رائعة جدّا بالنسبة لي، بل في الواقع فإن الكثير من الإسرائيليين لا يعرفونها أيضًا، وهي الموسيقى الشرقية التي ينتجها الحاريديون (اليهود المتديّنون). إنهم يأخذون تماما الموسيقى العربيّة الكلاسيكية المعقّدة، ويدمجون فيها كلمات، صلوات، وقصائد، إنها موسيقى جميلة جدّا ومؤثّرة. وينيف بن مشيح على سبيل المثال هو مطرب أحبّه جدّا".

هل هناك طريقة يمكن أن يسمع فيها قرائنا قائمة التشغيل الخاصة بك؟

بالتأكيد، وهذا هو الـ "ميكس كلاود" الخاص بي: khenelmaleh

هل هناك رسالة تودّين نقلها إلى القراء في البلدان العربية؟

"هناك توجّه في العالم العربي نحو مقاطعتنا. ولكن بفضل مواقع التواصل الاجتماعي بدأ يدرك الناس أنّ هناك الكثير جدّا من الإسرائيليين على أنواعهم. ليس الجميع "محتلّين" أو "صهاينة" بالمفهوم الاستعماري. يوجد هنا أيضًا يهود شرقيون وهم أيضًا جزء لا يتجزّأ من هذه المنطقة. إسرائيل تخوض عملية إعادة الاتصال بمنطقة الشرق الأوسط، والتي حاولوا طوال السنين فصلنا عنه، لإنشاء منطقة أوروبية منعزلة، استعمارية. ولكن من يقاطعنا فهو يعمل العمل ذاته، يحاول عزلنا عن هذه المنطقة. إذن أنا أودّ أن أقول لهم - لا تتعاونوا مع هذا التوجه، يجب إعطاؤنا فرصة في هذا "العالم". نحن نشبههم أكثر بكثير ممّا يظنّون".