في مؤتمر إطلاق حزب "الوفاء والإصلاح" والذي عُقد في فندق بالناصرة في بداية الأسبوع تم عرض خمسة مؤسسين: الشيخ حسام أبو ليل، رئيس الحزب وعضو سابق في الشق الشمالي للحركة الإسلامية، والذي تم إخراجه عن القانون، هبة عواودة، حسن صنع الله، إبراهيم أبو جابر، ومحمد صبحي جبارين. قدّم المتحدثون الحزب كسياسي، غير برلماني ومؤسس على القيم الإسلامية، وحدّدوا له عدة أهداف أولية: الحفاظ على المبادئ الوطنية، تعزيز الإصلاح الاجتماعي، إحباط محاولات الترحيل ومصادرة الأراضي، تعزيز أداء لجنة المتابعة، والقضاء على العنف في المجتمع العربي.

حظيت شريحتان من جمهور الهدف بتعامل خاص في كلام المؤسسين: النساء والشباب، وهما مجموعتان تعانيان من الإقصاء والتهميش وقد تجدان في الحزب الجديد إنعاشا جديدا وبديلا جيّدا عن الأحزاب العربية الآخذة بالتآكل.‎ تمثل أزمة الأجيال، الأزمة الأخلاقية - القيمية وأزمة القيادة التي تضرب المجتمع العربي في إسرائيل أرضية مريحة لظهور حزب جديد يدمج بين الخطاب القومي العلماني والديني الإسلامي، وبين الخطاب الاجتماعي والخطاب القومي السياسي. تحدثت هبة عواودة، وهي من مجال التربية وقد وُضعت في منصب نائب رئيس الحزب، عن أهمية مشاركة المرأة كأحد عوامل التغيير الرئيسية على المستوى القيمي، الاجتماعي، والتربوي، وأكّد جبارين على أهمية مشاركة الشباب في العمل الحزبي.

وتدرك قيادة الحزب أنّ هوية الرئيس وبعض الأعضاء قد تربط بينه وبين الشق الشمالي، ولذلك عادت وأكّدت أنه حزب مستقل وعضو في لجنة المتابعة العليا للعرب في إسرائيل وكشريك لجميع الأحزاب العربية في تمثيل مجموع السكان العرب في إسرائيل. كان ينبغي لوجود محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة، في المؤتمر الصحفي في الفندق أن يمنح الحزب مشروعية سياسية وأن يرسل رسالة واضحة إلى السلطات في إسرائيل.

إنّ المواقف التي عبّر عنها مؤسسو الحزب بخصوص مشاركة الحزب في انتخابات الكنيست وشروط القبول للحزب من شأنها أن تسلّط الضوء على توجّهاته السياسية. بخلاف الشقّ الشمالي للحركة الإسلامية، والذي نفى جملةً وتفصيلًا المشاركة في الانتخابات، يحافظ الحزب الجديد على مساحة مناورة سياسية ويصرّح أنّه لا يستبعد المشاركة المستقبلية في انتخابات الكنيست. ويسعى الحزب إلى تمرير رسائله إلى الجمهور خارج الكنيست، ولكن موقفه حول الموضوع سيُدرس من وقت لآخر تبعًا للظروف. ويوضّح التفريق الذي طرحته عواودة بين الحزب "غير البرلماني" و "المعادي للبرلمان" جيّدا بأنّ الحزب لا يستبعد مبدئيا المجال البرلماني الإسرائيلي. ربما تعلّم من كان في الشقّ الشمالي من الحزب شيئا من أخطاء الجيل المؤسس للحركة الإسلامية، وهم يعتمدون قواعد أخرى للخطاب السياسي بحيث لا تثير ضدّهم المؤسسة السياسية (والأمنية) في إسرائيل وربما أيضًا يكونون أكثر فاعلية في العلاقة مع المجتمع العربي.

بخلاف الشق الشمالي للحركة الإسلامية، والذي كان أعضاؤه مسلمون متديّنون، يفتح الحزب الجديد أبوابه أمام كافة السكان العرب- المسلمين والمسيحيين، المتديّنين والعلمانيين - شريطة أن يعلن المنضمون التزامهم بالموقف الوطني الفلسطيني العربي. هنا أيضًا يبدو أنّه توجد عبرة دروس ناتجة عن انعدام شعبية الأحزاب الإسلامية في إسرائيل، في الكنيست وخارجه، منذ الثمانينيات، والذي نبع من أسلوب الحياة الديني الذي فرضه الحزب على أعضائه. وأوضحت عواودة، التي ترتدي حجابا على رأسها، أنّه يمكن للنساء غير المتحجّبات أيضًا الانضمام إلى الحزب، وأبرزت الطابع الوطني والاجتماعي - الأخلاقي له.

وسواء كان سليلا للشق الشمالي أو حزبا جديدا، فمن المهم ملاحظة تطورّ الأيديولوجية والممارسة لدى "الوفاء والإصلاح" على مدى الزمن. يبدو أنّ تجريم الشقّ الشمالي قد حقق أهدافه، وستعمل قيادة الحزب الجديد داخل حدود الخطاب السياسي الإسرائيلي من دون تجاوز الخطوط الحمراء كما فعلت سابقتها. ربّما يتنازل رئيس الحزب، أبو ليل، عن الخطاب الإسلامي لصالح خطاب أكثر تعددية. إنّ نظرة خاطفة إلى الساحة الشرق أوسطية تشهد جيّدا أنّ الإسلام، وأكثر من ذلك الراديكالي منه، غير قادر على أن يكون حلّا للأزمة السياسية، أزمة الأجيال، الأزمة الاجتماعية، الاقتصادية، الطائفية، والجنسانية التي تضرب المجتمعات العربية وخصوصا الشباب العرب.

نشر هذا المقال لأول مرة في موقع منتدى التفكير الإقليمي