بدأت وزيرة العدل تسيبي ليفني مسيرتها السياسية في الليكود، حزب رئيس الحكومة نتنياهو، وهو حزب محسوب على اليمين، يعارض عدد من أعضائه المفاوضات مع الفلسطينيين. وشغلت عددًا من المناصب البارزة كممثلة للّيكود، بينها وزيرة الزراعة، وزيرة استيعاب الهجرة، وزيرة البناء والإسكان، ووزيرة العدل.

نشأت ليفني في عائلة يمينية، وتربت على قِيم الليكود، الذي كان أبوها عضوا فيه أيضًا. في البداية، كانت آراؤها أقرب إلى "الصقور" نسبيًّا. عام 2000، ترأست اللجنة الخاصة التي أعدّت القانون الذي ينصّ على أنّ أيّ نقل للأراضي أو الصلاحيات في القدس يجب أن تقره أكثرية 61 عضو كنيست. كذلك كانت بين المبادرين إلى اقتراح قانون يطلب أكثرية من أكثر من 80 نائبًا لإقرار حقّ العودة، وإلى اقتراح قانون يُلزم بإجراء استفتاء شعبي، مع موافقة أكثر من 50% من أصحاب حق الاقتراع، لكل اتفاق مع السلطة الفلسطينية. اليوم، تعارض ليفني هذه المواقف، وقد عبّرت مؤخرا عن تحفظها على القانون الداعي إلى المصادقة على اتفاق مع الفلسطينيين عبر استفتاء شعبي.

وبدأ التغير في مواقف ليفني يظهر حينما كانت وزيرة العدل في حكومة أريئيل شارون، حيث لعبت دورا أساسيا في إقرار مسار يتيح تنفيذ فك الارتباط بقطاع غزة عام 2005، وشكلت همزة وصل بين رئيس الحكومة شارون ووزراء الليكود في المسألة. وفي نهاية عام 2005، انسحبت من الليكود برفقة شارون، وانضمت إلى حزب "كاديما" الذي أسسه. فوُضعت في المكان الثالث في قائمة الحزب، وعُيّنت وزيرة للخارجية، وبعد ذلك أيضًا قائمة بأعمال رئيس الحكومة في حكومة إيهود أولمرت، وهما المنصبان الأكثر أهمية اللذان شغلتهما حتى الآن.

تسيبي ليفني وبنيامين نتنياهو عام 2009 (Kobi Gideon  FLASH90)

تسيبي ليفني وبنيامين نتنياهو عام 2009 (Kobi Gideon FLASH90)

وفي إطار منصبها كوزيرة للخارجية، عُيّنت ليفني على رأس طاقم المفاوضات مع الفلسطينيين. وخلال ولايتها في الوزارة، التقت مرات عديدة برؤساء الوفد الفلسطيني، وعملت من أجل عقد مؤتمر أنابوليس في تشرين الثاني 2007. وفي المؤتمر، الذي شكّل محاولة لبدء مفاوضات تؤدي إلى اتفاق دائم، تصدّرت ليفني، إلى جانب رئيس الحكومة إيهود أولمرت، الوفد الإسرائيلي.

عام 2007، اختارت مجلة التايم الأمريكية ليفني كواحدة من أكثر مئة شخص تأثيرًا في العالم، وواحدة من القادة والسياسيين العشرين الأكثر تأثيرًا في تلك السنة. عام 2008، انتُخبت رئيسةً لكاديما، وبعد سنة واحدة نافست بنيامين نتنياهو على رئاسة الحكومة. لكن رغم أنّ حزبها حظي بمقاعد أكثر من "الليكود" (28 مقعدًا لكاديما، مقابل 27 للّيكود)، جرى تكليف نتنياهو برئاسة الحكومة، لأنّ مجموع مقاعد الأحزاب اليمينية كان أكبر.

بعد اختيار نتنياهو، شغلت ليفني منصب زعيمة المعارضة، ما أدى إلى توجيه الكثير من النقد الجماهيري لعدم فاعليتها. عام 2012، خسرت ليفني الانتخابات الداخلية في حزبها، وقررت مغادرة السياسة. قبيل انتخابات 2013، أعلنت عن عودتها للسياسة كرئيسة لحزب جديد، "الحركة". خلال حملتها الانتخابية، شدّدت ليفني على أهمية استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، وصرّحت بأنها لن تكون جزءًا من حكومة لا تستأنف المحادثات. بعد الانتخابات، التي حظيت بها "الحركة" بستة مقاعد، انضمت ليفني إلى حكومة نتنياهو كوزيرة للعدل ومسؤولة من الجانب الإسرائيلي عن المفاوضات مع الفلسطينيين.

وزيرة العدل والمسؤولة عن ملف المفاوضات تسيبي ليفني في لقاء مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري (U.S State Department Photo)

وزيرة العدل والمسؤولة عن ملف المفاوضات تسيبي ليفني في لقاء مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري (U.S State Department Photo)

تُعدّ ليفني اليوم واحدة من أشدّ أعضاء الكنيست دعمًا لمعاهدة سلام مع الفلسطينيين، وهي تكثر من الإعراب عن التفاؤل بشأن نتائج استئناف المفاوضات، حيث تُعتبَر ممثلة لموقف اليَسار. وقبيل ابتداء المحادثات هذه الليلة، كتبت ليفني على صفحتها في الفيس بوك: "أسافر بإحساس عالٍ بالمسؤولية، ولكن برجاءٍ أيضًا. إنه الرجاء نفسه الذي يحاول الكثيرون إحباطه وخنقه بالكثير جدًّا من الكلمات والنبوات السوداء. الرجاء الذي هو من حق كل إنسان، وكل شعب من أجل مستقبله".

وسيصل برفقتها لتمثيل إسرائيل في المحادثات المحامي يتسحاق مولخو، المبعوث الخاص لرئيس الحكومة من أجل المفاوضات، والذي يُتوقع أن يكون بمثابة "لسان نتنياهو". وثمة من يقول إنه إلى جانب الهدف الواضح المتمثل بالحفاظ على مصالح رئيس الحكومة في المحادثات، فإن تعيين مولخو يهدف إلى جعل اليمينيين "يتقبلون" الوفد الإسرائيلي، حيث يعتبرون تسيبي ليفني ممثلة لليسار.

يتسحاق مولخو (مصدر الصورة: ويكيبيديا)

يتسحاق مولخو (مصدر الصورة: ويكيبيديا)

المحامي مولخو هو أحد أقرب الأشخاص إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. فمنذ ولاية نتنياهو الأولى (1996- 1999)، عمل مندوبا شخصيا لنتنياهو للشؤون السياسية، وقاد المحادثات مع الفلسطينيين. وكان مولخو ودوري غولد أول ممثلَين لحكومة نتنياهو التقيا بياسر عرفات في قطاع غزة، في حزيران 1996. والتقى مولخو بياسر عرفات أكثر من خمسين مرة، وكان المسؤول عن بلورة اتفاق الخليل، الذي يُعنى بترتيبات السلطة في المدينة.

عام 2009، وإثر عودة نتنياهو رئيسا للحكومة، عيَّن رئيسُ الحكومة مولخو لإدارة محادثات التقارب مع الفلسطينيين بوساطة المبعوث الأمريكي الخاص جورج ميتشل. في آب 2010، عُيّن رئيسًا لطاقم المفاوضات الإسرائيلي الذي أعدّ للمحادثات المباشرة مع الجانب الفلسطيني برئاسة صائب عريقات، وقام بإدارتها. وأدت تلك المحادثات إلى استئناف المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين في أيلول 2010. لكن كما هو معلوم، فإنّ جولة المحادثات باءت بالفشل بعد أن رفضت إسرائيل تمديد فترة تجميد البناء في المستوطنات. في أيار 2011، جرى تعيين يتسحاق مولخو مع دافيد ميدن، المكلف بالاتصالات لإطلاق سراح جلعاد شاليط، ليترأسا الوفد الإسرائيلي الذي أُرسل للحديث مع القادة المصريين لفحص خطة لتجديد المفاوضات مع حماس.

يُذكَر أنّ مولخو يعمل مندوبًا لرئيس الحكومة طوعًا. وتتلخص مجالات مسؤوليته في اتفاق تعيينه بما يلي: "مساعدة رئيس الحكومة في الاتصالات السياسية مع حكومة الولايات المتحدة، حكومات أخرى، والسلطة الفلسطينية، في قضايا تتعلق بعلاقات إسرائيل والسلطة، وقضايا سياسية أخرى، كما يرى رئيس الحكومة مناسبًا". في أيار 2013، شارك مولخو، برفقة تسيبي ليفني، في عدد من اللقاءات السرية مع وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، في محاولة لاستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. ومع الإعلان عن إعادة إحياء المفاوضات، عُلم أنه سيمثّل إسرائيل إلى جانب ليفني في المحادثات في واشنطن.

يتسحاق مولخو (عن اليسار) في لقاء مع بنيامين نتنياهو وصائب عؤيقات (Amos Ben Gershom, GPO)

يتسحاق مولخو (عن اليسار) في لقاء مع بنيامين نتنياهو وصائب عؤيقات (Amos Ben Gershom, GPO)

وفي مقابلة نشرتها صحيفة "معاريف" هذا الصباح، يُعرب أحد المقربين من مولخو عن تفاؤله بشأن أدائه في جولة المحادثات، قائلًأ: "خبرة مولخو هامة جدا في مسار المفاوضات. لدى الفلسطينيين هناك عريقات، الذي يعمل في المفاوضات منذ اتفاقيات أوسلو، ويعرف كل كلمة في المعاهدات، أما لدينا فكل حكومة تغيّر المفاوِض. لدى مولخو تجربة كبيرة، وهو يتذكر كل السوابق والفوارق الدقيقة في المواقف الفلسطينية... في معظم جولات المفاوضات، يجري تبذير شهور طويلة حول المشاعر الداخلية، الغضب الوطني، والقصص الشخصية. نحن نعلم اليوم ماذا يؤلم الطرف الآخر، ندرك كل المشاعر والاستياء، وهذا يوفّر الكثير من الوقت... أظنّ أنّ مولخو وعريقات سيتجاوزان الأمور التي لا قيمة لها، ويبدآن فورًا بما هو هامّ".

واقتبست الصحيفة أيضًا أقوال الوزير السابق داني نافيه عن مولخو: "لم يعمل يومًا مدفوعًا بأيديولوجية. لا أدري ما هي آراؤه السياسية. أظنّ أنّ وجهة نظره مقاربة لتلك التي لنتنياهو. ربما كان أكثر اعتدالَا من الخط السياسي الذي يميّز عددًا كبيرًا من رجال الليكود، لكنه قريب من مواقف نتنياهو. تعامل معه الفلسطينيون باحترام، حتى دون أن يكشف عن مواقفه السياسية، لأنهم يعرفون أنه يتكلم بقوة الصلاحية التي منحها إياه رئيس الحكومة".

وكما ورد آنفا، سيلتقي كل من ليفني ومولخو بصائب عريقات في واشنطن هذه الليلة، على وجبة إفطار احتفالية ستستهلّ جولة محادثات السلام الحاليّة. ويصل المندوبان الإسرائيليان مع كثير من الخبرة، ومع رجاء حقيقي بالتوصل في نهاية المطاف إلى معاهدة سلام، تتضمن إقامة دولة فلسطينية. لكن هل تكون النتائج هذه المرة مختلفة عن الماضي؟ وحدها الأيام كفيلة بالإجابة.