وتيرة الأحداث على الجبهة الشمالية في الأيام الأخيرة مذهلة جدّا. قُصفت من الجوّ يوم السبت بعد منتصف الليل مخازن أسلحة تابعة للجيش السوري قرب الحدود مع لبنان، في هجمة ينسبها الإعلام العربي إلى إسرائيل. أمس مساء (الأحد) قتل سلاح الجو أربعة إرهابيين عندما وضعوا قنبلة في الأراضي الإسرائيلية، بالقرب من الحدود مع سوريا في الجولان. بينما اليوم (الإثنين) بعد منتصف الليل، نُشر تقرير آخر حول هجوم جوّي جديد لإسرائيل في نفس المنطقة التي قُصفت يوم السبت في جبال القلمون، ولا تزال مصداقيّة التقرير مشكوكًا بها.

على مدى كل السنوات الأخيرة، رأت الحكمة التقليدية في المنظومة الأمنية الإسرائيلية أنّ ثلاث أو أربع ضربات متبادلة هو أمر أكثر من اللازم. وفقا لهذا النهج، فإنّ جولة طويلة جدا من الهجمات (التي لم تحمل إسرائيل مسؤوليّتها مباشرة أبدا) وعمليات الردّ قد تُدهور الطرفين إلى نزاع شامل.

حافظت إسرائيل بنجاح على سياسة موحّدة، إلى حدّ ما، على مدى أكثر من أربع سنوات، استعرت فيها الحرب الأهلية السورية المروّعة وانزلقت إلى أراضي معظم دول الجوار: الإشارة العلنية للخطوط الحمراء التي لن تسمح إسرائيل بتجاوزها (وعلى رأسها توفير الأسلحة المتقدّمة من قبل سوريا لحزب الله)، الحفاظ على "فضاء من الغموض" بخصوص القصف المنسوب لها بالإضافة إلى الجهد الكبير في عدم إعطاء تبادل الضربات إمكانية الانزلاق إلى حرب واسعة.

على مدى كل تلك السنين، أوضح مسؤولو الاستخبارات الإسرائيليون أيضًا بأنّهم لا يرون مصلحة لأي من الطرفين في بدء حرب شاملة. ولكن، من المفضل اتخاذ هذه المقولة بضمان محدود. صدرت تقديرات مشابهة أيضًا في الصيف الذي سبق جولة التصعيد في قطاع غزة، ومع ذلك تدهورت إسرائيل وحماس إلى حرب استمرت 51 يوما.

كلما مرّ الوقت، يتشكّل التقدير الإسرائيلي بأنّ الهجوم هذه الليلة في جبال القلمون قد تمّ من قبل التنظيم السنّي المتطرّف وهو جبهة النصرة، الذي ينتمي إلى القاعدة. في الأيام الأخيرة تندلع في منطقة القلمون معارك بين تنظيمات الثوار السنّة وبين حزب الله وجيش الأسد. وربما أُطلقت في المنطقة قذائف على معسكر للجيش السوري، أو تم تشغيل سيارة مفخّخة.
ولكن الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع ستكون كما يبدو لحسن نصر الله. إذا خرج الأمين العام لحزب الله موجّها الاتهام العلني لإسرائيل، فقد يكون الأمر إشارة على نيّته ببدء عملية انتقامية. وقد اعتادت أوساط الاستخبارات الإسرائيلية، على مر السنين، على أخذ خطابات نصر الله على محمل الجدّ. رغم أنّ الزعيم الشيعي يميل أحيانا للإبحار في نظريّات المؤامرة والتهديدات المبالغ بها. ولكنّه، في معظم الحالات، ينفّذ ما يعلن عنه. فقد سبقت جميع العمليات الرئيسية لحزب الله في السنوات الماضية، والتي كانت في الأساس محاولة لتحقيق الاستقرار في ميزان الردع ممّا يمنع إسرائيل من مهاجمة الأراضي السورية ولبنان دون قيود، تصريحات واضحة جدّا من قبل نصر الله.

من الزاوية الإسرائيلية، يبدو أنّ أساس القلق يرتكز حول محاولة حزب الله التزوّد بصواريخ أكثر دقّة، تمكّنه من تحسين قدراته على ضرب مواقع البنى التحتية وقواعد سلاح الجو في الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

ويبرز الانشغال المتزايد في هذه المخاطرة في التصريحات الإسرائيلية العلنية طوال الأسابيع الأخيرة، وخصوصا منذ الإعلان عن تشكيل الاتفاق الإطاري في محادثات لوزان بخصوص البرنامج النووي الإيراني. لا شكّ أنّ حزب الله هو الآن القوة العسكرية الأكثر إزعاجا، ليس فقط من حيث القوة والمهارات التي اكتسبها في السنوات الماضية، وإنما أيضًا في قدرته على التأثير على ما يحدث في دول الجوار. ينشط عناصر التنظيم بشكل كبير فيما وراء الأراضي اللبنانية والسورية؛ حيث تم إرسال وحدات صغيرة منها مؤخرا أيضًا لمساعدة الشيعة في العراق وكما يبدو أيضًا إلى اليمن لمحاربة المتمرّدين الحوثيين المدعومين من قبل إيران.

نُشر هذا المقال في صحيفة "هآرتس"