لندن (رويترز) - أخفق رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بفارق 13 صوتا لا غير في كسب موافقة البرلمان على شن حملة عسكرية على سوريا ما قد يثير تساؤلات بشأن دور بريطانيا العالمي ومستقبله هو شخصيا.

ويسبب عجز كاميرون عن صياغة السياسة الخارجية لبريطانيا والانضمام إلى واشنطن وفرنسا في توجيه ضربة لسوريا توترا في "العلاقة الخاصة" مع الولايات المتحدة وهي ركيزة للدور العالمي لبريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية.

ويمثل ذلك انقلابا مذهلا على الساحة الدولية بعد عقد كانت فيه بريطانيا القوة الكبرى الوحيدة التي انضمت للولايات المتحدة في الحرب على العراق كما كانت أهم رفيق سلاح في أفغانستان.

ولقى أكثر من 600 جندي بريطاني حتفهم تحت قيادة الولايات المتحدة في الحربين عقب اعلان رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير مساندته الولايات المتحدة إثر هجمات 11 سبتمبر أيلول.

وبعد أن خسر كاميرون اقتراعا يدعم من حيث المبدأ عملا عسكريا يستهدف ردع الرئيس السوري بشار الأسد عن استخدام الأسلحة الكيماوية لم يعد يسع واشنطن ان تعتمد على بريطانيا لتقديم دعم عسكري تلقائي.

وقال جورج اوزبورن وزير المالية في حكومة كاميرون وحليفه الوثيق "اعتقد اننا سوف نمعن التفكير في دورنا العالمي وما إذا كانت بريطانيا تريد الاضطلاع بدور مهم في الحفاظ على النظام العالمي. من الواضح ان المشاركة في اي عمل عسكري كان سيصبح له وقع أفضل على العلاقات الخاصة" مع الولايات المتحدة.

وشهدت قاعة البرلمان جلبة عقب الاقتراع وشوهد وزير يصيح فيمن صوتوا ضد كاميرون قائلا "عار عليكم" مضيفا انهم انقذوا الأسد.

ودوت صيحات "استقل..استقل" من المعارضة العمالية قبل أن يعلن كاميرون الذي بدا مهزوزا انه سينصاع لإرادة البرلمان قائلا "لقد فهمت".

وازاح المؤرخون الغبار عن كتبهم القديمة بحثا عن سابقة فهذه هي المرة الأولي التي يخسر فيها رئيس وزراء اقتراعا لشن حرب منذ عام 1782 حين سلم البرلمان باستقلال امريكا برفضه ضد مواصلة الحرب لسحق التمرد هناك.

وقال زعيم حزب العمال اد ميليباند الذي قاد تمرد البرلمان على رئيس الوزراء انه لا يعارض القوة من حيث المبدأ لكنه لم يقتنع بطرح كاميرون. وهو أول زعيم معارض يرفض خطط الحكومة لنشر قوات في الخارج منذ أزمة قناة السويس في عام 1956.

وفي ذلك الحين حاولت فرنسا وبريطانيا التدخل في مصر بدون موافقة الولايات المتحدة واعتبر اخفاقهما دليلا عل انه لم يعد بوسع بريطانيا -التي فقدت معظم امبراطوريتها العالمية بعد الحرب العالمية - تشكيل الاحداث العالمية في غياب حليف من القوى العظمى.

وعبر بادي اشداون المبعوث الدولي السابق في البوسنة وعضو مجلس اللوردات حاليا عما يبديه كثيرون من أسى لانحسار نفوذ بريطانيا على الساحة العالمية.

وقال "على مدار 50 عاما حاولت خلالها خدمة بلادي لم اشعر بمثل هذا الحزن/الخزي. رد بريطانيا على الفظائع في سوريا ؟ لا شأن لنا. تضاءلنا كثيرا كدولة."

غير أن آخرين يرون انه قد آن الآوان كي تتخلى عن احلام القوى الكبرى وتقبل بدورها المحدود على الساحة العالمية.

وكتب سايمون جنكينز في صحيفة جارديان "في بعض الأحيان ينبغي ان يتحلى المرء بالشجاعة ليخلص إلى ان التدخل في منازعات خارجية ضرره أكبر من نفعه."

وابدى كاميرون أمله في ان يدرك الرئيس الامريكي باراك اوباما انه ليس عليه الاعتذار.

وقال "الحكومة والبرلمان يهتمان بالشؤون العالمية إلى حد بعيد. نحن رابع أكبر جيش في العالم ولدينا أفضل مؤسسة دبلوماسية في العالم ولدينا نقاط قوة هائلة كدولة وسنبقى كذلك."

وعلى الصعيد الداخلي كانت هذه أقسى هزيمة يمنى بها كاميرون في السنوات الثلاث التي امضاها في السلطة وهي تبرز فشله في تهدئة حالة الاستياء داخل حزب المحافظين الذي يشكو اعضاؤه من انه لا ينصت إليهم.

وكان قد بدأ مؤخرا يتعافى من تمرد حزبه فيما يخص زيجات المثليين وعضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي ونجح في تقليص تقدم حزب العمال في استطلاعات الرأي ومع ظهور بوادر تعافي اقتصادي بدا متفائلا ازاء امكانية إعادة انتخابه في 2015.

وتوجة الانتقادات لكاميرون وابرزها انه ليس سياسيا مقنعا وفشله في تهيئة الاجواء لسياساته.

ولم تنصفه استطلاعات الراي واظهر استطلاع مؤسسة يوجوف يوم الخميس الماضي معارضة الراي العام البريطاني للضربة العسكرية بنسبة 51 بالمئة مقابل موافقة 22 بالمئة فقط.

وقطع كاميرون اجازته ليدعو البرلمان لما اعتقد انها ستكون ضربة عسكرية مشتركة سريعة وحاول اقناع اعضاء حزبه في البرلمان قبل التصويت.

بدأت ابعاد خطته تتكشف يوم الاربعاء حين قال ميليباند ان يريد تنازلات اكثر قبل أن يساند عملا عسكريا.

ووافق كاميرون على التريث لحين صدور تقرير مفتشي الأمم المتحدة بشأن مزاعم هجوم باسلحة كيماوية في سوريا قبل توجيه اي ضربة وعلى اجراء البرلمان اقتراعين وليس اقتراعا واحدا.

ولكن ميليباند الذي يسعى لترسيخ زعامته لحزب العمال اعلن انه لن يدعم كاميرون تاركا رئيس الوزراء معتمدا على حزبه وشريكه الاصغر في الحكم حزب الديمقراطيين الاحرار فحسب.

وانضم تسعة من أعضاء حزب الديمقراطيين الاحرار إلى ثلاثين من اعضاء حزب المحافظين في التمرد على كاميرون ليخسر نتيجة اعتراض 285 عضوا مقابل موافقة 272.