تتغير في ساعات المساء النغمات في سوق محانيه يهودا بسبب صرخات البائعين وضجيج الجمهور لأنغام العود، الصاج، والطار، وبقية الآلات الشرقية التي ليست بشكل عام منتشرة إلى ذاك الحد في الموسيقى الإسرائيلية. تخرج الأنغام من داخل "تحرير" - حانة ثقافية شرقية حديثة متواجدة في قلب السوق، التي أقيمت لتشكل بيتا للموسيقى والثقافة من جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتمكين وصولها إلى الجمهور الإسرائيلي.

ينجذب الكثير من الأشخاص الذين يمرون بالشارع إلى النغمات المثيرة للاهتمام، ويدخلون لرؤية ما الذي يجري. يرتبك بعضهم، ويستمر في المشي، ويمشي البعض الآخر على وتيرة الموسيقى وحتى أن البعض يشاركون، إذا أصبح هناك كرسي فارغ صدفة. وإن لم يكن الأمر كذلك، يبقون واقفين جانبا ويتمتعون من الجو الرائع في المكان.

الحانة مصممة بشكل بسيط، لا تبذل جهدا ولا تتعالى، وجذابة جدا. الطاولات والكراسي الخشبية موزعة على طول الطريق، الأواني الخزفية التي يتم فيها تقديم الطعام هي على النمط التركي والأرمني، والنادلة تحمل صينية نحاسية من البلدة القديمة. إن أسعار الطعام والشراب رخيصة جدا نسبيا، ومغرية هي الأخرى. تشمل التضييفات رغيفا سوريا مع مغمّسات، الكبة النابلسية، ورق عنب محشي، ومأكولات شهية أخرى من أنحاء الشرق الأوسط.

إن العازفين أنفسهم يسهمون هم أيضا بالجو. إنهم يجلسون قريبا جدا من الضيوف، يجرون محادثة معهم، وكذلك فإن العزف له طابع انفرادي، تقريبا كأنهم دعونا إلى داخل بيتهم. في أوقات متأخرة أكثر من المساء، تتحول الأنغام التركية اللطيفة التي يعتريها قليل من الحزن إلى حفلة شرقية مرحة، يتم إخراج الطبلة ويرقص الضيوف  على الكراسي.

"تحرير - حانة ثقافة شرقية"

"تحرير - حانة ثقافة شرقية"

الحالة النفسية جيدة لدرجة أن شحاذة السوق الدائمة، امرأة طاعنة في السن من أصل مغربي، التي يتم طردها بشكل عام من قبل أصحاب المحلات لكي لا تزعج الزبائن، حتى هي تتنقل بين الطاولات وتهز برأسها كأنها تطرب للموسيقى، فيفتح الزبائن محفظاتهم ويتصدقون ببعض من المال، ويحظون مقابل ذلك بالشكر الجزيل والابتسامة. في النهاية هي ليست بارزة كثيرا في غرابتها، وإنما تندمج وتضيف للجو الحقيقي.

لكن أهمية المكان الكبرى ليست فقط في الجو الجيد الذي يخلقه، وإنما بإحضار الثقافة الشرقية، التي كانت لمدة سنوات مرفوضة وعلى الهامش، إلى المركز، إلى الجمهور الإسرائيلي على جميع أطيافه، وبالطبع، بالربط والتقريب ما بين "الأقسام" المختلفة في المجتمع الإسرائيلي.

قالت إحدى المغنيات (التي غنت بلغة تركية سلسة) للجمهور (بالعبرية): "تحرير هي بشرى للجانر. وأخيرا هنالك بيت للموسيقى الشرقية المستقلة، وقد نجح المكان في إرجاع المجد إلى ما كان عليه". صعد بعدها حاخام يهودي ليغني، فأنشد شعرا باللغة العربية مزينة بالقليل من العبرية، كما تعلم في سنوات طفولته في الكنيس الخاص بوالده في حلب.

"لعبة الطاولة" في حانة تحرير

"لعبة الطاولة" في حانة تحرير

يبدو أن الموسيقى والثقافة تتمكنان من التغلب حتى على التوتر السياسي ودحضه جانبا. على الطاولة المحاذية لي جلس زوجان مسلمان، المرأة ترتدي الحجاب، وتسعد حتى من الموسيقى اليهودية. على الطاولة التي بجانبهما يجلس شباب يعتمرون القلنسوة، ويشربون العرق الزحلاوي (الكحول مسموح باليهودية). على الجانب الآخر منهما يجلس عجوزان يهوديان، ذوا مظهر شكنازي (أصلهما من أوروبا)، يدخنان الشيشة ويحتسيان القهوة السوداء.

ليس هناك من أماكن كثيرة، إن وجدت أصلا، يمكنها خلق عالم مصغّر من الوجود المشترك، دون جهد ودون فرض أي تنازل على أي شخص. ببساطة، القدوم والاستماع إلى الموسيقى الجيدة، والاستمتاع معا، الواحد بجانب الآخر.

تجري الحانة، في أيام الثلاثاء، أيضا دروسا مبسطة في اللغة العربية. إن حنين مجادلة (التي افتتحت صفحة الفيس بوك "كلمة"، التي تعلم الإسرائيليين كلمة عربية كل يوم)، تذهب إلى الحانة، تتحدث مع الزبائن (بالعبرية بشكل أساسي مع قليل من العربية) وتعلمهم كلمات في العربية، وتمكنهم أيضًا من التعرف قليلا على حقيقة أن يكون المرء عربيا يعيش في إسرائيل.

لا شك في أن المكان يشكل لؤلؤة صغيرة من تعدد الثقافات، من حرية الإبداع والتعبير، وكذلك من التواجد المشترك والانسجام، ويعطي أملا أيضا للثقافة الشرقية، وكذلك، ربما، للحياة المشتركة الخاصة بنا جميعا. أتمنى ذلك.