عند كتابة هذه السطور، تتجه أفكاري إلى أقارب الضحايا والمصابين من كلا الجانبين في موجة العُنف الأخيرة. هناك الكثير من الأسباب التي أدت إلى الوضع الحالي، ولكن غياب الأفق السياسي أيّا كان هو بالتأكيد السبب الأهمّ.

أولئك الذين أقنعوا أنفسهم - وحاولوا إقناع الآخرين - أنّه يمكن إدارة الوضع الدبلوماسي الراهن، قد فشلوا في فهم الصورة والاتجاه السلبي الذي تنتجه لإسرائيل على مرّ الوقت. إنّ الانفجار الأخير هو البيان المأساوي لهذا الاتجاه.

على مدى شهرين، حذّرت فرنسا ودول أخرى بخصوص خطر التصعيد المتجدد. أتمنى لو كنّا مخطئين. لا شكّ أن الشباب الفلسطيني والشباب الإسرائيلي يستحقون مستقبلا أفضل، مستقبلا يمكنهم فيه العيش بأمان، بكرامة وبازدهار إلى جانب جيرانهم.

وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في مجلس النواب في 17 اذار/مارس 2015 (اف ب/ارشيف فرنسوا غيو)

وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في مجلس النواب في 17 اذار/مارس 2015 (اف ب/ارشيف فرنسوا غيو)

ولأجل ذلك تحديدا، فأنا أشعر بالقلق إزاء واقع الدولة الواحدة الذي يهدّد طبيعة إسرائيل، ومقتنع بأنّ الطريق الوحيد والقابل للحياة بسلام هو حلّ الدولتَين - مفاوضات تستند إلى المعايير التي نعرفها. وليس من أجل الأيديولوجيا، ولكن لأنه الطريق الوحيد لإحلال السلام الدائم، الذي يستحقه الشعب الإسرائيلي والمنطقة بأسرها.

يعلم الجميع أنّ الاتفاق الدائم يتطلب تنازلات مؤلمة. ويعلم الجميع أنّ العديد - من الإسرائيليين والفلسطينيين - ينظرون إلى الحقائق على الأرض ويظنون أنّ حل الدولتَين لم يعد واقعيا. ويعلم أيضا أنّ تجديد المحادثات يتطلب حدّا أدنى من الثقة المتبادلة، والتي هي غير موجودة في هذه اللحظات. ومع ذلك، فإنّ الشعب الفلسطيني لن يختفي، وكذلك الشعب الإسرائيلي. يجب على الشعبين أن يجدا طريقا للعيش بجانب بعضهما البعض. إذا كان الأمر كذلك، فسيكون الحلّ الأسوأ، ببساطة، هو الاستسلام والسماح للوضع بالتدهور أكثر فأكثر حتى يأخذنا البناء في المستوطنات والعنف إلى ما وراء نقطة اللاعودة.

كل يوم نواصل فيه تقاعسنا يُضعف شركاءنا المحتَملين للسلام، ويمهّد الطريق أمام داعش وبقية المتطرّفين لاختطاف القضية الفلسطينية إلى ملعبهم. ولذلك، تعتقد فرنسا أنّه يجب المبادرة وهي تعمل من أجل ذلك. في شهر أيلول، خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بادرنا إلى لقاء غير مسبوق تضمّن اللجنة الرباعية وجهات معنية أخرى ذات صلة من أوروبا والعالم العربي.

نحن عازمون على مواصلة المبادرة إلى مثل هذه التفاعلات واللقاءات، من أجل الالتزام بطريق السلام. معًا، بمساعدة التأثير الخاص للولايات المتحدة، المبادرة العربية للسلام والاقتراح الأوروبي، أنا واثق من أنه يمكننا تعزيز خطوات بانية للثقة. وبالطبع فنحن لا ننوي أخذ مكان الأطراف المعنية بالأمر، وإنما نريد أن نساعدها على استئناف المحادثات والتوصل، كما نأمل، إلى اتفاق تدعمه ضمانات دولية.

وأنا أعرف الصعوبات التي يمرّ بها معسكر السلام، وخصوصا في فترة الأحداث الصعبة هذه والتي تبعد المجتمع الإسرائيلي والمجتمع الفلسطيني عن بعضهما البعض. ولكن لا أحد يرغب بالسلام أكثر من الإسرائيليين والفلسطينيين أنفسهم. يجب إعطاء الأولوية لإعادة الهدوء وليس لتبادل الاتهامات. التحلّي بضبط النفس من الجانبين، والامتناع عن التعبير بكلام يحرّض على العنف ويُشعل الكراهية.

إنّ رسالة فرنسا لكلا الجانبين لم تتغيّر: تجرأوا على القيام بالخطوة الأولى نحو استئناف مفاوضات حقيقية تؤدي إلى اتفاق دائم. والمجتمع الدولي مستعد للوقوف بجانبكم. هذا ضروري، وممكن، وليس متأخّرا جدّا.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في صحيفة "هآرتس"