تُفيد وسائل الإعلام الإسرائيلية أنه يُتوقَّع يوم الأحد القادم أن يُوقَّع في نهاية المطاف اتّفاق المصالحة المُنتظَر بين تركيا وإسرائيل، بعد 5 سنوات من قطع العلاقات، ونحو 3 سنوات من محاولات التسوية والمصالحة.

وفق التقارير، تلّقت إسرائيل وعدًا بأنّ تركيا ستُغلِق مكتب حماس في إسطنبول. وبما أنّ الأتراك معنيّون بالحفاظ على علاقتهم بحماس في قطاع غزّة، وإسرائيل لا تعارض هذه العلاقة السياسية،  اتُّفق أن تعِد تركيا بعدم انطلاق تفجيرات من قِبل حماس ضدّ إسرائيل أو ضدّ إسرائيليين أو التخطيط لها من تركيا.

رغم إصرار تركيا السابق، لن يشمل الاتفاق رفع الحصار عن قطاع غزّة، لكنه سيشمل تسهيلات في الموضوع. ووفق تقارير مختلفة، يُحتمَل أن تتساهل إسرائيل في موضوع إبقاء مكتب حماس في تركيا مقابل الإبقاء على الحصار على غزة.

الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريس مع أردوغان (GPO)

الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريس مع أردوغان (GPO)

يُروى أيضًا أنّ اتصالات في اللحظات الأخيرة تجري حاليًّا في محاولة ليشمل الاتفاق إعادة جُثتَّي الجنديَّين الإسرائيليَّين اللذَين تحتفظ بهما حماس، هدار غولدين وأورون شاؤول، والمواطن الإسرائيلي الأسير في غزّة، أبرا منغيستو، كبادرة حُسن نيّة.

لكن قبل التوقيع على الاتفاق، ما هي جذور الخلاف بين الدولتَين، وكيف وصلتا إلى قطع العلاقات؟ أعددنا لكم موجزًا حول تاريخ العلاقات بين البلدَين.

بدايات العلاقات

عام 1947، كانت تركيا بين الدول التي اعترضت على خطّة الأمم المتحدة للتقسيم، التي شملت إقامة دولة يهودية ودولة فلسطينية في فلسطين. على الرغم من ذلك، ففي آذار 1949، وبعد أن وقّعت مصر ولبنان على اتّفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، اعترفت تركيا رسميًّا بدولة إسرائيل. وفي بداية 1950، أقامت الدولتان علاقات دبلوماسية، وتبادلتا الممثّلين برتبة مفوَّض. وهكذا أضحت تركيا أول بلد مسلم يعترف بقيام دولة إسرائيل.

المندوب التركي الأول في إسرائيل مع الرئيس حاييم فايتسمان، عام 1950

المندوب التركي الأول في إسرائيل مع الرئيس حاييم فايتسمان، عام 1950

في أواخر الستينات، بدأت أزمة في العلاقات بين الدولتَين، إثر حرب 1967 ونتائجها. وعام 1980، إثر إعلان القدس عاصمة لإسرائيل في قانون أساسي، تفاقمت الأزمة من جديد، إلى درجة إغلاق القنصليّتَين وإعادة الممثّلين الدبلوماسيين.

الازدهار والنموّ

بدءًا من أواسط الثمانينات، مرورًا بالتسعينات، بدأ ازدهار في العلاقات بين الدولتَين. عام 1992، ارتفع مستوى العلاقات، حتّى إنّ زيارة أولى من نوعها لرئيس تركي إلى إسرائيل جرت عام 1996 مع زيارة الرئيس دِميرِل، وجرى التوقيع على اتّفاق تجارة حرة أدى إلى تعاون وازدهار اقتصادي بين الدولتَين.

حتى إنّ إسرائيل وتركيا أقامتا علاقات عسكرية وثيقة تجلّت بمناورات بحرية مشترَكة لسلاح البحريّة في إسرائيل وتركيا وتدريبات جويّة مشترَكة لسلاحَي الجو الإسرائيلي والتركي. فضلًا عن ذلك، صدّرت صناعة السلاح الإسرائيلية وسائل قتالية مختلفة إلى تركيا وحسنّت وسائل تركيا القتالية.

من الناحية السياحية أيضًا ازدهرت علاقات الدولتَين. فقد اعتُبرت تركيا هدفًا شعبيًّا جدًّا لدى السيّاح الإسرائيليين، وكانت تنطلق كلّ أسبوع عشرات الرحلات الجويّة من مطار بن غوريون إلى المدُن التركية. في فترة الصيف والأعياد، كان يمكن أن يصل عدد الرحلات الجوية إلى العشرات يوميًّا. بلغ عدد السيّاح الإسرائيليين الذين سافروا إلى تركيا عام 2007 نحو 400 ألف، شكّلوا نحو 2% من مجموع السيّاح القادمين إلى الدولة.

سياحيون إسرائيليون في تركيا (Flash90/Nati Shohat)

سياحيون إسرائيليون في تركيا (Flash90/Nati Shohat)

سنوات التدهوُر

بدأ تدهوُر معيّن في العلاقات التركية - الإسرائيلية مع تولّي رجب طيب أردوغان السلطة عام 2002، وانتهاج خطّ واضح مُضادّ لإسرائيل. كانت تلك سنوات انتفاضة الأقصى، وقد عبّر أردوغان مرارًا خلالها عن انتقاده الشديد والقاسي لإسرائيل.

طرأ تحسّن ما عام 2005، حين تبيّن أنّ هناك إمكانية لتنفيذ الانسحاب من غزّة وشمال الضفة الغربية. وخلال شهر آذار 2005، زار وزير الخارجية عبد الله غول إسرائيل للمرة الأولى، وفي بداية أيار زارها للمرة الأولى رئيس الحكومة أردوغان. عاد توقّف عملية فكّ الارتباط إثر حرب لبنان الثانية، صيف عام 2006، ليثير همسًا سلبيًّا لدى القيادة السياسية التركية.

أردوغان مع شارون في إسرائيل عام 2005 (AFP)

أردوغان مع شارون في إسرائيل عام 2005 (AFP)

أدّت عملية "الرصاص المسكوب" العسكرية على غزّة نهاية 2008 إلى تباعُد إضافيّ بين الدولتَين. وخلال عام 2009، تقلقلت كذلك العلاقات العسكرية بين تركيا وإسرائيل حين ألغت تركيا التدريب المشترَك مع سلاح الجوّ الإسرائيلي.

نشبت أزمة دبلوماسية في كانون الثاني 2010، حين استُدعي السفير التركي إلى جلسة توبيخ في مكتب نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، إثر بثّ مسلسل لاساميّ ومعادٍ لإسرائيل في تركيا، يصوّر عملاء الموساد الإسرائيلي على أنهم يخطفون الأطفال ويرتكبون جرائم حرب. خلال المحادثة، أُجلس السفير على كنبة منخفضة، فيما جلس ممثّلو وزارة الخارجية الإسرائيلية مقابله على مقاعد مرتفعة. كما وُضع على الطاولة بينهما العلم الإسرائيلي، دون علم تركيا. وقد حظيت حادثة "الإذلال" هذه بتغطية إعلامية واسعة في العالم، مع انتقاد شديد اللهجة لتصرُّف وزارة الخارجية الإسرائيلية.

لكنّ ذروة الأزمة في العلاقات بين الجانبَين كانت عام 2010. فقد انطلق أسطول "مرمرة" من السواحل التركية باتجاه غزة بهدف كسر الحصار على القطاع ونقل معدّات إنسانية إليه، وفق ادّعاء الأتراك. رفضت إسرائيل أن تسمح بإفراغ حمولة السُّفُن في ميناء غزّة، وعرضت على منظّمي الأسطول بدل ذلك أن ينقلوا المعدّات التي في السفن إلى إسرائيل، ومنها إلى غزة، بعد أن يفحصها ممثّلو الأمم المتحدة والصليب الأحمر. رفض المشاركون في الأسطول ذلك، وتابعوا الإبحار نحو القطاع.

السفينة "مافي مرمرة" (Free Gaza movement)

السفينة "مافي مرمرة" (Free Gaza movement)

إثر ذلك، صعد مقاتِلو "السرية 13" إلى السُّفن، وسيطروا عليها خارج المياه الإقليمية الإسرائيلية. في خمسٍ من السفن، واجهت السيطرة على السفن مقاومة سلبية، وكان هناك بعض الإصابات، لكن مواجهة عنيفة اندلعت أثناء اقتحام السفينة الأكبر "مافي مرمرة". هاجم بعض المسافرين الجنودَ بالهراوى، القضبان الحديدية، السكاكين، وكذلك القنابل اليدوية، الزجاجات الحارقة، وإطلاق النار من مسدّسات خُطفت من الجنود، وفق ادّعاء الجيش الإسرائيلي. حتّى إنّ المسافرين اختطفوا بعض الجنود. أطلق الجنودُ النارَ على المهاجِمين، قاتلين تسعة من راكبي السفينة وجارحين عشرين. وأُصيب في الأحداث عشرة جنود إسرائيليين.

في 2 أيلول 2011، إثر نشر استنتاجات تقرير بالمر الصادر عن لجنة الأمم المتحدة للاستقصاء حول أحداث الأسطول، قطعت تركيا نهائيًّا علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل. وفي مؤتمر صحفي دعا إليه، أعلن وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو عن طرد السفير الإسرائيلي وتجميد جميع الاتفاقات الأمنية بين البلدَين.

بداية عودة المياه إلى مجاريها

في آذار 2013، بوساطة من الرئيس الأمريكي باراك أوباما، اعتذرت إسرائيل من تركيا خلال محادثة هاتفية أجراها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع نظيره التركي رجب طيّب أردوغان، اعتذر فيها عن حادثة مرمرة، موضحًا أنّ النتائج المأساوية لم تكن مقصودة، ومعبّرًا باسم إسرائيل عن الأسف على الأضرار والوفيات. في ذلك الاتصال، قرّر الرجُلان تطبيع العلاقات وإعادة نشاط السفيرَين.

ومذّاك، تُجرى اتصالات بين البلدَين، وتُقام مفاوضات حول شروط المصالحة. طوال السنين، شكّل قطاع غزّة عقبة أساسية أمام المصالحة، إذ أصرّت تركيا على رفعٍ كاملٍ للحصار عن القطاع كشرطٍ لإعادة السفير. أمّا في الأشهُر الأخيرة، فقد وصل عدد من التقارير حول تقدّم ملحوظ في المحادثات، مع ترقّب توقيع الاتفاق المنتظَر يوم الأحد القادم في نهاية المطاف.