تعيش الأوساط السياسية في السلطة الفلسطينية حالة من الترقب في ظل التغييرات التي طرأت على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، والإطاحة بياسر عبد ربه من منصبه كأمين سر اللجنة. فلا اختلاف بين هذه الأوساط أن الإطاحة بعبد ربه جاءت نتيجة خلافات حادة داخل القيادة الفلسطينية، لكن ثمة نقاش واختلاف في وجهات النظر والمعلومات حول ماهية هذا الخلاف.

المعارضون للرئيس الفلسطيني يسخرون من الأنباء التي يُسربها للإعلام مقربو عباس عن محاولة انقلاب. فحسب رأي مسؤول فلسطيني هناك شخص (محمد دحلان) لديه طموحات مشروعة بأن يكون رئيسا، وأنه نجح بأن يجمع حوله شخصيات تعتبر أن "ابو مازن" فشل في إدارة كافة الملفات: المفاوضات مع إسرائيل، المصالحة مع حماس وملف إدارة السلطة فيما يتعلق بالحياة اليومية للفلسطينيين.

ويرى مسؤول فلسطيني قريب من محمد دحلان أن "كون بعض الشخصيات مثل رئيس الوزراء السابق سلام فياض، وأمين سر اللجنة التنفيذية السابق ياسر عبد ربه، يفكرون أو لا يفكرون، بالتعاون مع دحلان، وبتشكيل تكتل لطرح رؤية وقيادة بديلة فهذا لا يعني أنهم يُخططون لانقلاب. ليس كل من لديه طموح سياسي، وليس كل من يختلف مع الرئيس حتى وإن تجمّعوا، يخططون لانقلاب. هناك ثمة فرق بين طرح رؤية وقيادة بديلة وبين الانقلاب. حالة الهستيريا التي يحاول بثها أنصار الرئيس، والحديث عن مؤامرات تشارك فيها إسرائيل وحتى حماس بالتعاون مع قيادات داخل فتح، وداخل المنظمة، هو حديث لم يعد يُقنع الشارع الفلسطيني. لا يُمكن في كل مرة تقودنا القيادة إلى فشل جديد الحديث عن مؤامرة وعن محاولة انقلاب".

أنصار الرئيس الفلسطيني أبو مازن يتحدثون عن معلومات مؤكدة عن نية هذه "المجموعة" المطالبة باستحقاق رئاسي وجدولة الاستعدادات لهذا الاستحقاق بهدف تغيير الرئيس. أحد القيادات الفتحاوية يقول "هناك جهاز مخابرات عربي أوصل إلينا قائمة بأسماء الشخصيات التي تخطط للإطاحة بالرئيس بانتخابات أو عبر خلق حالة من الحراك الجماهيري يهدف إلى تصوير الرئيس على أنه فشل في كل الملفات المهمة بالنسبة للشارع الفلسطيني وأنه كرس حالة الانقسام ليس فقط مع حماس والقطاع، وإنما داخل فتح وحتى داخل المنظمة، وأن الرئيس فشل في معركته السياسية مع إسرائيل وأنه المسؤول الأول والأخير عن تردي حالة الفلسطينيين اليومية والحياتية. الانتخابات شيء، وحشد الشارع بواسطة مال عربي وبمساعدة وسائل إعلام وبالتناغم مع حملات التحريض التي تقودها حماس وإسرائيل على الرئيس شيء آخر، فهذا انقلاب حتى وإن لم يحتو على عنف".

بحسب هذا المسؤول الحديث بين معارضي الرئيس عن حالة من الهستيريا غير المبررة هو حديث سخيف "فحينما ترى تقارب حماس مع إسرائيل، وحينما ترى حالة من التقارب بين حماس ودحلان، وبينما علاقات دحلان الطيبة مع القيادة الإسرائيلية أمر تاريخي ومعروف للجميع، وفي ظل استمرار محاولة كافة هذه الأطراف إضعاف الرئيس، لا يمكن الاستخفاف بمخاوف الشارع والقاعدة الفتحاوية من أن هناك محاولة لإضعاف الرئيس في إطار السعي إلى تنصيب دحلان على السلطة، وإبقاء حماس في غزة وإبقاء الاحتلال على ما هو عليه أو الشروع في حلول مؤقتة بين الثلاثي دحلان - فياض - عبد ربه، بحجة التركيز على إعادة البناء الداخلي للمؤسسات الفلسطينية وللاقتصاد الفلسطيني".

ويرى المراقبون أن التحدي الذي يواجهه أبو مازن هذه المرة هو الأكبر. فهناك حالة تتصاعد داخل فتح، ترى أن محمد دحلان، وبالرغم من محاولات طرده من الحركة ورغم محاولات مقاضاته وإبعاده عن مراكز اتخاذ القرار، هو المخلص الوحيد للحركة من حالة الشلل التي أصابت فتح وأنه يملك الوسائل السياسية، والغطاء العربي والدولي، لمخاطبة ومحاورة أو لمواجهة كل من حماس وإسرائيل".

في هذا السياق يرى البعض أن الفريق الذي يحيط بالرئيس الفلسطيني يُعزز فكرة خصومه أنه أصبح غير ذي صلة بالنسبة للشارع الفلسطيني ولاحتياجات هذا الشارع سواء على المستوى السياسي أو على المستوى اليومي، وأن الرصيد الذي منحه الشارع الفلسطيني له في حملته الدولية ضد إسرائيل بدأ يتلاشى وأن أعضاء هذا الفريق غير قادرين على تعزيز وضع الرئيس في ظل الهجمة التي يتعرض لها، وخاصة في ظل عدم الحماس والتراجع الذي تبديه فرنسا والقوى العظمى فيما يتعلق بطرح مبادرة سياسية في مجلس الأمن، تقضي بجدولة انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية وإقامة دولة فلسطينية".

وبطبيعة الحال، معارضو الرئيس يستفيدون من سنه المتقدم ويُذكرون المرة تلو الأخرى أنه مهندس أوسلو من الطرف الفلسطيني، أوسلو الذي أصبح بالنسبة لرموز في فتح والمنظمة، خير دليل على فشل الرئيس، وضرورة أن ينسحب من الحياة السياسية الفلسطينية.