تطلب أسرة شابّ يهوديّ أمريكيّ (16 عامًا)، قُتل في عملية إرهابية فلسطينية في تل أبيب عام 2006، من محكمة فدراليّة في نيويورك إلزام الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بالتراجع عن الحظر الذي فرضته على شهادة مسؤول سابق في المنظومة الأمنية. وقُدّم الطلب أمس (الثلاثاء) في دعوى ضخمة للحصول على تعويضات يقدّمها والدا الطفل، دانيال وولتز، ضدّ "بنك الصين"، الذي تملكه الحكومة الصينية. وكانت حكومة إسرائيل هي التي بادرت بدايةً إلى دعوى التعويضات، وهي التي أرسلت المسؤول السابق لتقديم الشهادة، حتى تراجعِها تحت ضغوطٍ صينيّة قويّة.

إرهاب عالميّ

كان دانيال كانتور وولتز من فلوريدا في السادسة عشرة من عمره حين أصيب بجروح خطيرة في انفجار قربَ المحطّة المركزية في مدينة تل أبيب في 17 نيسان 2006. توفي وولتز متأثرًا بجراحه بعد 27 يومًا مكث فيها في مستشفى إيخيلوف في تل أبيب. وأصبح وولتز القتيل الحادي عشر في تفجير انتحاري نفّذه إرهابي فلسطيني من حركة الجهاد الإسلاميّ. كما أصيب في التفجير أيضًا والده، يكوتئيل وولتز، المولود في إسرائيل والذي كان في إجازة مع ابنه في البلاد، إصابةً شديدة.

جنازة دانيال كانتور وولتز عام 2006

جنازة دانيال كانتور وولتز عام 2006

وتُعدّ عائلة دانيال، التي ترتبط بصلات وثيقة بإسرائيل، معروفة جيّدًا في الولايات المتحدة، حيث إنّ والدته هي ابنة عمّ زعيم الأكثرية في الكونغرس الأمريكي، إريك كانتور، من الحزب الجمهوري.

بعد التفجير ببضعة أشهر، قدّم والدا دانيال دعوى للمطالبة بتعويضات إلى المحكمة في واشنطن ضدّ حكومتَي إيران وسوريا. في أيار 2012، قبل القاضي الدعوى، وحكم أنّ الوالدَين يستحقّان تعويضات بمقدار غير مسبوق - 332 مليون دولار.  حتّى الآن، لم تنَل العائلة التعويضات التي تستحقّها.

وكان القاضي حمّل الحكومتَين المسؤولية عن التفجير، بما أنّ قيادة الجهاد الإسلاميّ موجودة في دمشق، وتمويل الحركة يأتي من إيران. مؤخرًا، قرّر أفراد الأسرة مواصلة النّضال. وهذه المرة، الهدف أكبر - البنك الأكبر في الصين، "بنك الصين"، الذي كانت تملكه كاملًا الحكومة الصينية وقت الانفجار. اليوم، تحتفظ الحكومة الصينية بـ 70% من أسهم المصرف.

يقول أفراد أسرة وولتز إنّ الحكومة الإسرائيلية هي التي حثّتهم على بدء الإجراءات القانونية في القضيّة عام 2007. فحسب ادّعائهم، بعد التفجير بسنة أو اثنتَين، توجّهت إليهم الحكومة الإسرائيلية طالبةً قطع السلسلة الاقتصادية التي يمرّ عبرها المال للإرهابيين. حتّى إنّ أسرة وولتز تدّعي أنّ الحكومة الإسرائيلية زوّدتها بمعلومات عن المصرف الصيني وعن تورّطه في التفجير، الذي راح دانيال ضحيّته.

طريق أموال الدماء

في الدعوى الجديدة ضدّ المصرف الصيني، يستند والدا دانيال إلى شهادات أساسية لرجال استخبارات إسرائيليّة. ففي أيار 2009، وفي إطار الإجراءات ضدّ إيران وسوريا، استعانت العائلة بتصريح لمسؤول استخبارات إسرائيليّ، يوصف بأنه "رئيس قسم سابق في مكتب رئيس الحكومة". وقال المسؤول في شهادته إنّ الجهاد الإسلاميّ وحماس في قطاع غزة نالا مساعدة اقتصادية واسعة بطريق ملتوية، شكّل فيها البنك الصيني قناةً مركزيّة.‎

بنك الصين

وحسب الوصف، بدأت رحلة الأموال في إيران. فالحرس الثوري و"لجنة دعم انتفاضة فلسطين" في إيران يُنشِئان شركات واجهة في إيران ودُوَل الخليج العربي.  في المرحلة الثانية، يأتي الدور السوري. فناشطو حماس والجهاد الإسلامي ينقلون ملايين الدولارات للشركات الوهميّة في الخليج. في المرحلة الثالثة، تودع الشركات الوهميّة المال في حساب مواطن فلسطيني يمكث في مدينة كوانزو الصينية، سعيد الشرفا. يمتلك الشرفا متجرًا صغيرًا للأزياء. والحساب المصرفي للشرفا هو في البنك الصيني الكبير "بنك الصين". في المحطة التالية، يسحب الشرفا وأفراد أسرته المال، ويقتنون بضائع في الصين، يجري إيصالها في سُفن إلى قطاع غزة. المحطة الأخيرة طبعًا هي مدينة غزة، حيث يبيع ناشِطو حماس والجهاد الإسلاميّ السِّلَع، ويجيّرون الأرباح لتمويل عمليات إرهابية في إسرائيل.

وفق شهادات الخبير الإسرائيلي، الذي شهد أمام المحكمة، حذّرت إسرائيل الصينيين، في إطار حملة واسعة أدارتها في العقد الماضي، سعيًا لإحباط تمرير أموال للإرهاب لتنظيمات فلسطينية في الأراضي المحتلة في ذروة الانتفاضة الثانية.‎

نتنياهو يتراجع. هل يسعى إلى تجنُّب خِلاف مع الصين؟

لا تستند أسرة وولتز إلى شهادة المسؤول فحسب، بل تحاول الحصول على مساعدة مسؤول إسرائيلي آخر، شغل منصبًا أمنيًّا بارزًا في تلك الفترة، وشارك في اللقاء الذي نُقل فيه التحذير للصينيّين عام 2005. والرجل هو عوزي شعيا، الذي وافق على الشهادة حول ما حدث في ذاك اللقاء.

ففي رسالة أرسلها إلى المحكمة في 20 آذار المنصرم، أعلن شعيا أنه يوافق على تقديم شهادة في إسرائيل، بحضور دفاع الطرفَين، والانتقال إلى تحقيق وتحقيق مُضادّ. مع ذلك، يشترط شهادته بحضور محامين ورجال أمن معلومات من قِبل دولة إسرائيل. وتُعدّ هذه شهادة نادرة جدًّا من مسؤول إسرائيلي في إجراءات قانونيّة مدنيّة في الولايات المتحدة.

كان يُفترَض تقديم شهادة عوزي شعيا خلال عام 2012 بمصادقة مكتب رئيس الحكومة. لكنّ الصينيين هدّدوا: إذا أدلى شعيا بشهادته، تُلغى زيارة نتنياهو إلى الصين في أيار 2013. تراجع نتنياهو، ونال الصينيون وعدًا بألّا يشهد الشاهد الأساسيّ.

في أيار 2013، زار نتنياهو الصين برفقة زوجته وابنَيه. سخط محامو أسرة وولتز لإلغاء الشهادة، وهدّدوا بالتوجه لمحكمة العدل العليا لإلزام شعيا بالإدلاء بشهادته. والنتيجة: إلحاق الأذى بالأسرة الثاكلة، وادّعاء الولايات المتحدة الأمريكية أنّ إسرائيل تخلّت عن الحرب على الإرهاب.

نتنياهو يزور الصين عام 2013

نتنياهو يزور الصين عام 2013

 حدث التطوّر الأخير في القضيّة أمس حين قدّم المحامون وثيقة من عشرات الصفحات إلى المحكمة بهدف إحباط ادّعاءات الحكومة الإسرائيلية والإتاحة لشعيا أن يشهد أمام المحكمة في الولايات المتحدة.  لا يبدو حاليًّا أنّ القضية ستنتهي قريبًا. لكن من القرائن، يبدو أنّ الحكومة الإسرائيلية، ورئيسها نتنياهو سيُضطرّان قريبًا جدًّا إلى تقديم مبرّرات لإخفاء شهادة المسؤول الإسرائيلي، التي ستحسم الدعوى ضدّ البنك الصيني، بنك الصين.