بنى يوسي طيار بيته على شاحنة. وقد استغل طيار المساحة المحدودة استغلالا تاما وهو يعيش اليوم بسعادة أينما يحلو له. إنه يوقف الشاحنة في معظم الأحيان مقابل البحر في تل أبيب-يافا، ولكنه يتطلع إلى إقامة "قرى بيئية على عجلات" في كافة أنحاء البلاد. ما رأيكم، هل كنتم ستسكنون على شاحنة؟

لقد التقينا بيوسي على عتبة بيته، ينظر إلى منظر شاطئ تل أبيب-يافا الخلاب، وهو ذلك المنظر الذي رغب في مشاهدته ذلك الصباح. كان الناس يمرون من أمام البيت خلال المقابلة، وبعضهم يتوقفون في الخارج، يتساءلون، يسألون أو يلقون التحية، وكان بعضهم يدخلون وينظرون. فليس في كل يوم يمكن أن نرى بيتا يقف على عجلات. حسب أقوال يوسي فإن الأمر لا يضايقه، بل على العكس. إن لديه مهمة وهي أن ينشر الفكرة في البلاد بين أكبر عدد من الناس، أن يجد شركاء للطريق، وأن يحوّل هذه الفكرة إلى نمط حياة مقبول واعتيادي.

"أنا من الناحية القانونية أستخدم شاحنة، كأي شاحنة أخرى. المشكلة هي أن بإمكاني أن أوقفها في مواقف السيارات فقط. لا يمكن أن تُدار الحياة على هذا الشكل. إن طموحي هو أن أجد أرضًا، لاستئجارها في المرحلة الحالية، وربما شراؤها بعد ذلك، أن أقيم لي بستانًا صغيرا حولي، أن أزرع بعض الخضار والفواكه وأن أعيش في الطبيعة، وأن تكون لي ساحة، وأن أخلق نوعًا من المجتمع المحلي الصغير، وأن نعيش معًا في منطقة معينة، ولكن في وقت يحافظ فيه كل واحد على حيّزه".

يقول يوسي أنه اتخذ قرار العمل على هذا الموضوع حين فهم أن كثيرين في البلاد يرغبون ويريدون هذا النمط من الحياة. "أقمت مجموعة في موقع "فيس بوك" وفيها أكثر من 500 عضو. أنا أومن أنني سأجد من بينهم بعض الجديين وسنقيم القرية الأولى، ومن ثم الثانية بعد ذلك مباشرة. لقد عثرت على أرض (في الصورة)، تبعد مسافة ‏40‏ دقيقة شمالي تل أبيب وهي قريبة جدًا من محطة القطار. الميزة هي أنه لا حاجة إلى بنى تحتية، كل شاحنة كهذه توفر كافة احتياجاتها الذاتية، كل ما نحتاجه هو حنفية ماء".

جانب من داخل البيت (تصوير: نوعم موسكويتش)

جانب من داخل البيت (تصوير: نوعم موسكويتش)

وبالفعل، فإن البيت المزود بكافة المعدات الضرورية لا يحتاج إلى أي بنى تحتية - تم تركيب ألواح شمسية على سطحها، تجمع هذه الألواح طاقة الشمس وتخزنها، وهي توفر الكهرباء لكافة المنتجات في البيت (بما في ذلك مكيف الهواء، مروحة السقف، الثلاجة، الميكرويف، الحواسيب، وعمليا كل ما يحتاجه البيت)، وحتى أن هذه الألواح حلت محل بطارية الشاحنة. هناك صهريج ماء كبير متصل بشبكة من الأنابيب وهو يوفر الماء لجرن المطبخ، للمرحاض وللحمام، كابل اتصال يوفر الإنترنت وغاز الطهي متصل بأسطوانة غاز. "إنه كأي بيت عادي آخر، ولكنه أكثر ودية للبيئة، وأرخص بكثير على الأمد البعيد".

التكاليف الرخيصة نسبياً هي ميزة كبيرة وتزيد من الاهتمام بمشروع طيار، الذي بدأ يكتسب المزيد من الزخم، في الوقت الذي تعلو فيه اصوات النقاش والجدال في إسرائيل حول "غلاء المعيشة" و"أزمة الإسكان". اما زيادة أسعار المنازل والإسكان فقد جعلت حلم شراء منزل أو استئجاره، مستحيلاً للأزواج الشابة في إسرائيل.

شاحنة يوسي طيار وبيته

شاحنة يوسي طيار وبيته

وهل تؤمن أن نمط الحياة هذا يمكن أن يحل أزمة السكن؟

يجب تغيير بعض الأمور فيما يتعلق بالطريقة التي عملت بموجبها، بهدف خفض التكلفة، وعندها سيكون هذا حلا بالفعل. هذا متعلق أيضا باحتياجات الناس. على سبيل المثال، إذا لم يكن الشخص يتحرك كثيرًا، فيمكن بناء بيت كهذا على عربة، وعندها لا توجد حاجة إلى شاحنة. حين يريد الشخص الانتقال، تتم دعوة سيارة جارّة لمرة واحدة. يوجد بجانبي هنا في الموقع بيتان كهذا، أصغر بكثير. لقد أصبحنا حيًا صغيرا من دون أن ننتبه. يسكن أحدهما (الذي يبدو من الخارج صغيرا، بالكاد يلائم سرير) شاب أعزب ويسكن في الآخر أب لثلاثة أولاد. صحيح أنهم لا يسكنون هناك كل الوقت، ولكنهم يأتون كثيرا للزيارة.

طيار والألواح الشمسية على سطح الشاحنة (تصوير: نوعم موسكويتش)

طيار والألواح الشمسية على سطح الشاحنة (تصوير: نوعم موسكويتش)

توجد لدى طيار أيضا "غرفة"، وإن صح التعبير صالة "جاليري"، لابنته التي تبلغ من العمر 12 سنة. إنها تحتوي على سرير، خزانة، حاسوب، وكل ما تحتاجه. "هذا هو بيتي. يجب أن ندرك أنه يقف ويُستخدم كل الوقت كبيت كسائر البيوت، وقلما يُستخدم للسفر. يجب على الناس أن يجتازوا تحوّلا في تفكيرهم. يمكن تربية الأولاد هنا بسهولة. بقدر ما يبدو هذا صغيرًا، فإنه وظيفي جدًا، فيوجد لدي هنا كل ما أحتاجه، بالضبط كما في شقة في تل أبيب. صحيح أن هذا الحل أكثر ملائمة لزوجين في بداية حياتهما أو لشخصين مسنين، وهو مثالي للمطلقين أمثالي، ولكن في الحقيقة يمكن لأي شخص أن يفعل هذا. إذا نجحت توقعاتي، فإن هذا الأمر سوف يوفر حلاً لأشخاص لم يفكروا حتى في هذا الخيار". على حد أقواله، فإن الأسعار تتراوح بين 100 ألف وحتى نصف مليون شيكل للعربة فقط(ما بين 28 ألف دولاراً و 139 ألف دولاراً)، ونحو 150-200 ألف إضافية (ما بين 41 ألف دولاراً و 56 ألف دولاراً) للشاحنة. كل ذلك متعلق باحتياجات من سيسكن في الداخل.

جانب آخر من داخل البيت: المطبخ (تصوير: نوعم موسكويتش)

جانب آخر من داخل البيت: المطبخ (تصوير: نوعم موسكويتش)

"في السنوات الثلاثين الأخيرة كنت أسكن في تل أبيب. ولأنني معظم الوقت هنا، أنا ما زلت أشعر وكأنني من أبناء تل أبيب، وأنني لم أخرج من هنا. عندما ولدت كان والديّ يسكنان في منزل انتقالي "معبراه"، ولم يكن لدينا كهرباء في البيت. أما في هذا البيت فيوجد كهرباء، كل شيء متوفر، ولا ينقصنا شيء".

ما الذي حذا بك بعد 30 سنة أن تقرر المغادرة، وأنه لم يعد يلائمك العيش في شقة، مثل الآخرين؟

الأسباب مشابهة بعض الشيء لأسباب الجميع: ضغط المدينة، طاقة كهذه. أنت عالق في مكان واحد، كل المدنية قد نمت من حولي وفجأة أحاطت بي المباني العالية، لقد شخت... شعرت أنه إما أنني سأعلق في هذه النقطة إلى نهاية حياتي أو أنني سأنفذ تغييرا في حياتي. أعتقد أن الفرق بيني وبين معظم الناس هو الجرأة. جزء من الناس ينتقلون في هذه المرحلة من حياتهم إلى القرية، ولكن من ناحيتي فإن خطوة بيع الشقة في المدينة والانتقال إلى القرية هو أصعب مما فعلته أنا. ولكن هذا الحل أرخص من شقة، فهذا يتيح لي الحفاظ على الشقة في المدينة وإضافة هذا البيت.

جانب آخر من داخل البيت (تصوير: نوعم موسكويتش)

جانب آخر من داخل البيت (تصوير: نوعم موسكويتش)

وكيف كانت ردود الفعل على قرارك؟

كانت ردود الفعل في البداية تساورها الشكوك كثيرا. ابنتي تخوفت وسألت إذا كان بإمكاننا أن نعود إلى الشقة في حال لم نكن راضين. اعتقد أصدقائي أنني أعيش في فنتازيا وأن خيالي قد ذهب إلى ما هو أبعد من الواقع الممكن، وقلقت أمي لجودة حياتي واعتقدت أنه سيكون من الصعب عليّ أن أفرغ حاوية الصرف الصحي بنفسي. ما زال الأمر ليس سهلا عليها بالنسبة للانتقال الذي أحدثته،  ولكنها اليوم أصبحت داعمة أكثر وحتى أنها تري البيت باعتزاز لكل من يرغب في ذلك.

وعلى الرغم من ذلك فهذا أصغر بكثير من شقة. من المؤكد أنه كان عليك أن تتخلى عن شيء ما. ما الذي أكثر ما ينقصك وقد كان لديك في الشقة؟

كل كتبي. صحيح أنني بنيت رفوفًا، ولكن هذا أصبح ثقيلا جدا، لا يمكن زيادة الحمل أكثر مما يجب، يجب على الشاحنة أن تسافر رغم كل شيء. من جهة أخرى، أنا على وشك أن أفعل شيئا لم يكن بإمكاني أن أفعله في شقتي - يوجد لدي في الخلف مخزن صغير، سأحوله إلى منجرة وسأقوم ببناء دمى خشبية، فهذه هي هوايتي. في الحقيقة لن يكون هناك مكان للتماثيل والرسومات التي أعمل على إنجازها".

لا شك في أن طيار شخص ماهر. فهو لا ينتج الفن فقط (توجد على جدران البيت رسومات معلقة صنعها هو وعلى الرف تماثيل نحتها)، بل هو الذي بنى البيت بكلتا يديه. بعد أن خططه طوال سنتين، بحيث يتم استغلال كل مليمتر فيه بشكل صحيح، ابتداء من أعمال البناء. معظم البيت مبني من الخشب وعلى شكل جوارير وخزائن يتم سحبها من الجدران. يعمل طيار لكسب رزقه في مجال الرسوم المتحركة، من غرفة العمل الموجودة في وسط الغرفة. إنه يقلل من العمل في الرسوم المتحركة هذه الأيام ويكرس وقته لمشروع القرى على عجلات، في محاولة منه لإيجاد شركاء وأراض على حد سواء.