قبل أقلّ من شهر، وكرد على إطلاق عدد من الصواريخ على إسرائيل، تم استهداف الناشط في التنظيم الجهادي "أنصار بيت المقدس" بواسطة صاروخ موجّه، حين استقلّ دراجته النارية. تتمكن إسرائيل من تنفيذ سياسة الاغتيالات في المقام الأول بواسطة العمل الاستخباراتي الجاري والمكثّف. ومن جانبهم، يحاول الجهاديّون أن يردّوا في هذه الساحة أيضًا. على سبيل المثال، مؤخرًا فقط افتخر تنظيم الجهاد الإسلامي بالكشف عن جهاد تجميع معلومات مع GPS، والذي يعود للأجهزة الأمنية الإسرائيلية. وبحسب ادّعائهم، فقد تم وضع هذا الجهاز بواسطة عميل إسرائيلي على سيارة أحد مسؤولي التنظيم.

إنها ليست مسألة صغيرة. تواجه التنظيمات الإرهابية حول العالم في كلّ لحظة عمليات التنصّت والمراقبات من قبل الأنظمة والأجهزة الأمنية المحلية. في إسرائيل، زادت عمليات الإحباط المتكررة للأنظمة المخطّط لها وللرجال المسؤولين، والتي تمّت خلال السنوات الأخيرة، من وعي نشطاء التنظيمات الإرهابية حول الاستخبارات من كلّ نوع. هذه الاغتيالات، جنبًا إلى جنب مع جنون الارتياب والشعور المتزايد بالملاحقة، تعبّر عن نجاح جهاز الاستخبارات الإسرائيلي وتمكّن من النظر إلى الساحة التي تجد فيها التنظيمات الإرهابية الفلسطينية في قطاع غزة نفسها تُهزم مرة بعد أخرى. نوضّح أنّ جميع المواد التي تظهر في هذا المقال تستند إلى مواد منشورة ظهرت في الماضي في أجهزة الإعلام وشبكات الاتصالات.

من يتنصّت لا يخاف

يؤدّي الخوف من العملاء إلى فقدان الثقة داخل التنظيمات وعمليات الإعدام الكثيرة للمشتبه بهم. يتم القبض على العملاء من قبل التنظيمات الإرهابية كمسبّبين رئيسيّين لعمليات الإحباط، وهكذا، بحسب ادعائهم، رغم السياسة الصارمة جدًّا في المجال الأمني، تنجح يد الجيش الإسرائيلي الطويلة في الوصول إليهم.

طائرة صغيرة بدون طيار (FLASH 90)

طائرة صغيرة بدون طيار (FLASH 90)

سواء كانوا من العملاء أم غيرهم، فهناك ما يخافون منه. في السنوات الأربع الأخيرة، أدّت عمليّات مشتركة بين سلاح الجوّ ووحدة 8200 والشاباك إلى أن يعاني كلّ تنظيم إرهابي في غزة من خسائر كبيرة. في الجهاد الإسلامي الفلسطيني، الأكثر تسليحًا من حماس، تم اغتيال رئيس خطّ الإنتاج، أحمد شيخ خليل، وتم القضاء على شبكة إطلاق النار الرئيسية في غزة (والتي يقف على قمتها فايق سعد وحازم قريقع) حتى أخير مطلق النار فيها. تنظيم لجان المقاومة، كان في السابق أحد التنظيمات الإرهابية الأكثر خطورة في قطاع غزة، فقد أربعة من قياديّه في عملية الرد على العملية الوحشية في الجنوب، والتي قُتل فيها 7 إسرائيليين وأصيب العشرات. وقد اغتيل أيضًا وريث قيادة لجان المقاومة، زهير القيسي. وقد كانت الذروة في اغتيال رئيس الذراع العسكري لحركة حماس الجعبري، في بداية عملية "عمود السحاب".

وتظلّ التنظيمات الإرهابية عاجزة أمام تفوّق الاستخبارات الإسرائيلية. "قمنا بتحقيق عمليات الاغتيال ذات الجودة في قطاع غزة بواسطة آذاننا وأعيننا، جنود نظاميّين شباب في وحدة 8200 يتحدّثون اللغة العربية ويعرفون نشطاء الإرهاب أكثر من أي إنسان آخر"، يقول ضابط مسؤول في الوحدة  لموقع"ميدا". وأضاف: "اليوم هناك مساهمة حاسمة للجنود من أبناء الطائفة الدرزية الذين يتحدّثون العربية ويساعدون في جمع وفكّ رموز المعلومات"، وبطبيعة الحال، يتم هذا إلى جانب عمل الشاباك.

الجهاد يحاول الردّ

إلى جانب زيادة النشاط في الكشف عن العملاء وإقامة هيئات استخباراتية هدفها الكشف عن الجواسيس، تحاول التنظيمات الإرهابية تعلّم كيفية التجسّس من خلال التدريبات والدورات الاستخباراتية التي يتم إقامتها في إيران، لبنان ومؤخّرًا في سوريا أيضًا. في كلّ صورة تقريبًا لناشط ميداني مسؤول يُمكن أن نرى استخدامًا لأجهزة لاسلكية بديلة للهواتف العادية. فضلًا عن ذلك، يمكننا أيضًّا أن نرى من خلال الكثير من نتائج الاغتيالات، أنه قد كان لدى كلّ مسؤول عن الأعمال التخريبية المعادية مرافق يظلّ معه، والذي يقوم عادةً بدور سائق. على سبيل المثال، فإلى جانب اغتيال مسؤولي خطّ الإنتاج في الجهاد الإسلامي أحمد شيخ خليل وحسن حصري، تمّ أيضًا اغتيال الصغار الذين رافقوهم.

عناصر من حركة الجهاد الإسلامي خلال تدريبات بالقرب من خان يونس في غزة (FLASH90)

عناصر من حركة الجهاد الإسلامي خلال تدريبات بالقرب من خان يونس في غزة (FLASH90)

فإنّ السوق المزدهرة للسيارات المهرّبة عن طريق أنفاق رفح، تمكّن نشطاء الإرهاب من تبديل السيارات بوتيرة عالية وبذلك يصعّبون عملية ملاحقتهم. وكمثال على الاستخدام الواسع للسيارات من أجل التمويه هو صفقة شاليط، حين تم اقتياد الجندي المخطوف في قافلة ضخمة من عشرات سيارات الجيب والدرّجات النارية المتشابهة، كما رأينا من خلال الصور التي وثّقها مواطنون غزّاويّون بكاميراتهم يوم الخطف. منازل الاختباء هو نظام دفاع آخر أمام الاستخبارات الإسرائيلية. وخلال عملية التصعيدات، لم يتواجد مسؤولو التنظيمات الإرهابية في منازلهم الأصلية وإنما في منازل ليست معروفة أو وسط السكّان المدنيين. وهكذا، حين تم تفجير منازل مسؤولين كبار في حماس خلال عملية "عمود السحاب"، لم يُصب أحد منهم.

في بعض الحالات، تنجح تلك الوسائل. وهكذا، على الرغم من العديد من عمليات القتل، فهناك العديد من فنّيي التمويه على مستوى عالٍ في التنظيمات الإرهابية، والذين ينجحون في تفادي أعين المخابرات الإسرائيلية. أحدهم هو المطلوب رقم 1 في قطاع غزة، محمد دف، أحد الذين دشّنوا خطّ الإنتاج لدى حماس ومخرج عمليات خبير. اختفى دف، الذي نجا بصعوبة من الكثير من محاولات الاغتيال، والذي وفقًا لمزاعم جهات مختلفة لم تنطبق عليه تمامًا، اختفى من رادار الاستخبارات الإسرائيلية، ويظهر فقط من خلال تسجيلات صوتية ينشرها للإعلام منذ بضع سنوات. رغم ذلك، تصرّح حماس بأنّه يعمل بشكل كامل ويشغر منصب رئيس الذراع العسكري. وعلى ما يبدو أنّ دف قد تعلّم من أخطائه التي كاد أن يُقتل بسببها في المرات السابقة، ويدير أموره اليوم بسرّية تامّة.

وقد وجد زميل دف، ممتاز دغمش، طريقة أخرى لتفادي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. دغمش هو مؤسّس الحركة السلفية "جيش الإسلام"، وهي حركة اشتركت في عملية "تحطيم الوهم" (كما يدعونها)؛ وهي عملية اختطاف جلعاد شاليط وقتل الجنديَين حانان باراك وبابل سلوتسكر. يستغلّ دغمش الضعف المعروف للاستخبارات الإسرائيلية والمصرية في شبه جزيرة سيناء ويحرّك نشطاءه من هناك. دغمش مطلوب أيضًا في مصر بسبب اشتراكه في عمليات إرهابية ضدّ الجيش وعملية ضدّ الكنيسة القبطية. حتّى اليوم، يعترف مسؤولو الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بأنّ سيناء هي نقطة ضعف كبيرة، حيث تكون المعلومات الاستخباراتية عن القطاع غامضة وغير دقيقة عادةً. وإلى جانب استغلال الفجوة في سيناء، فإنّ نمط حياة دغمش السلفي يساعده كما يبدو على الابتعاد من المصادر التكنولوجية ووسائل التجسّس.

ليست هناك مساواة في القُوى

ووفقًا لجهات مصرية، ففي التصعيدات الأخيرة في قطاع غزة ردّت حماس بهلع على تهديدات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، "المسؤولين الوحيدين عن الوضع في قطاع غزة"، بحسب تعبيرها، وأرادوا أن يوضحوا بأنّهم غير معنيّون بتصعيد آخر. توضّح هذه النقطة أنّه إلى جانب الإضرار الدقيق بمسؤولي الإرهاب في غزة، نجحت إسرائيل أيضًا في الحفاظ على خطاب تهديدي ذي مصداقية، وهو عامل حاسم في عهد الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، "على الأسد أن يرحل" وكذلك سائر التهديدات غير المقنعة والتي يطلقها الغرب تجاه التنظيمات الإرهابية. خطاب التهديدات الناجح يساعد في تأسيس إسرائيل باعتبارها اللاعب الوحيد في الشرق الأوسط الذي يستطيع الردّ بشكل حقيقي على الإرهاب.

وهكذا، في حين أن الشاباك وسائر أجهزة الاستخبارات تلعب لعبة ذكية، مخطّطة بشكل جيّد وتضرّ بالتنظيمات الإرهابية بشكل دقيق، فإنّ التنظيمات الإرهابية لا تستطيع تشكيل ردود مناسبة للقدرات الإسرائيلية. تستمر حماس والتنظيمات الإرهابية في وعودها بالحفاظ على هذا "الصبر" وهو القيمة المقدّسة للصمود، ولكن على ما يبدو حتى الآن منذ عملية "عمود السحاب" يتمّ الحفاظ على هدوء نسبي فقط. لا شكّ أن التفوّق الاستخباراتي هو أحد العوامل المهمّة التي أدت لذلك.

تمّ نشر المقال لأول مرة في موقع ميدا www.mida.co.il‎ ‎