سيزور رئيس دولة إسرائيل، رؤوفين ريفلين، ألمانيا اليوم، وهي الزيارة الأولى للبلاد منذ تولّيه لمنصبه، في ذكرى مرور 50 عاما على العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وألمانيا. نظرا للتاريخ المؤلم في علاقة ألمانيا بالشعب اليهودي، فإنّ إقامة هذه العلاقة، بعد زمن قصير جدّا من الفظائع التي أحدثتها ألمانيا النازية بالشعب اليهودي، هي بمثابة معجزة تاريخية.

من المرتقب أن يلتقي ريفلين مع الرئيس الألماني يواخيم جاوك، وكذلك مع المستشارة أنجيلا ميركل، ومع وزير الخارجية فرانك-فالتر شتاينماير ووزراء آخرين. لدى خروجه من إسرائيل، صرّح ريفلين قائلا: "زيارتي لألمانيا مهمّة بالنسبة لي ومؤثرة جدا. سنذكر معا، إلى جانب الشعب الألماني، في هذه الزيارة رحلة طويلة، قادتنا من الفظائع القاسية في ماضينا إلى حاضر القيم المشتركة والصداقة القوية".

كانت إقامة دولة إسرائيل عام 1948، بعد ثلاث سنوات فقط من الحرب العالمية الثانية وتحرير معسكرات الإبادة التي قُتل فيها ملايين اليهود، ثورة تاريخية مدهشة. قبل سنوات قليلة فقط من إقامة الدولة، حيث كان الكثير من اليهود لا يزالون أرقاما في بيانات تحت حكم القمع والإبادة لألمانيا، التي سيطرت على أوروبا كلّها.

نساء وأطفال على "الرامبا" بجوار القطار الذي نقلوا فيه. و"الرامبا" هي الرصيف الذي كانت قطارات الترحيل تتوقف عنده حين وصلت إلى معسكر الإبادة، حيث كان اليهود يؤمرون بالترجل من القطار لتتم عملية الفرز الأولية بين من سيتم إبادته فورا ومن سيتم استغلاله في العمل القسري.  (صور: ياد فاشيم)

نساء وأطفال على "الرامبا" بجوار القطار الذي نقلوا فيه. و"الرامبا" هي الرصيف الذي كانت قطارات الترحيل تتوقف عنده حين وصلت إلى معسكر الإبادة، حيث كان اليهود يؤمرون بالترجل من القطار لتتم عملية الفرز الأولية بين من سيتم إبادته فورا ومن سيتم استغلاله في العمل القسري. (صور: ياد فاشيم)

في السنوات الأولى من قيام دولة إسرائيل ختمتْ على جوازات السفر التي أصدرتها هذه الكلمات: "لجميع البلدان باستثناء ألمانيا"

بقي الألم والغضب كبيرين بالنسبة لغالبية الإسرائيليين، سواء على المستوى الشعبي أو على المستوى السياسي الرسمي. في السنوات الأولى من قيام دولة إسرائيل ختمتْ على جوازات السفر التي أصدرتها هذه الكلمات: "لجميع البلدان باستثناء ألمانيا". وقاطع العديد من الإسرائيليين ألمانيا والصناعة الألمانية، امتنعوا عن شراء سيارات فولكس فاجن، BMW ومرسيدس، ملابس أديداس الرياضية، غسّالة AEG وغير ذلك.

ومن ثمّ، فإنّ شجاعة رئيس الحكومة الإسرائيلي، دافيد بن غوريون، في التوقيع مع دولة ألمانيا الغربية على "اتفاق التعويضات" عام 1952، بعد وقت قصير جدا من الهولوكوست، هي أمر لا يمكن تصوّره تقريبا.

أقرّ الاتفاق بأن تحوّل ألمانيا لإسرائيل مبلغا غير مسبوق بقيمة 3 مليار مارك، كتعويض عن الضرر الذي حدث لليهود في الهولوكوست، بالإضافة إلى دفع معاشات للناجين من الهولوكوست. ولكن مجرّد فكرة أنّ أي اتفاق، أو مبلغ مالي أيا كان يمكنه تعويض المعاناة الهائلة التي لحقت بالإسرائيليين، أدت إلى انفجار غضب هائل في أوساط الشعب الإسرائيلي.

كان مناحم بيجن هو الذي قاد المعارضة الكبيرة لاتفاق التعويضات، فقد اعتبره خيانة لذكرى ملايين الضحايا اليهود. في مظاهرة أجريتْ في كانون الثاني عام 1952، وقف بيجن أمام جمهور منفعل في القدس وصرّح ضدّ رئيس الحكومة بن غوريون وضدّ مستشار ألمانيا الغربية، كونراد أديناور:

"رئيس الحكومة العبري يعلن بأنّه سيذهب إلى ألمانيا من أجل الحصول على المال، ممّا سيجعل المال عبارة عن بيع لكرامة شعب إسرائيل وسيفرض عليه العار الأبدي. هم يقولون إنّه قد قامت حكومة ألمانية جديدة، يمكن الحديث معها، وإجراء المفاوضات والتوقيع على اتفاق. قبل وصول هتلر إلى الحكم صوّت الشعب الألماني لصالحه. خدم في الجيش الألماني 12 مليون نازي. لا يوجد ألماني واحد لم يقتل آباءنا!. كل ألماني هو نازي! كل ألماني هو قاتل! أديناور قاتل! جميع مساعديه هم قتلة!"

ولكن رغم المعارضة الشديدة تم توقيع الاتفاق، ومهّد الطريق لإقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين إسرائيل وألمانيا الغربية عام 1965. ما ساهم في ذلك هو دعم ألمانيا الشرقية للدول العربية بالمعدّات والذخيرة، ممّا دفع ألمانيا الغربية إلى الوقوف بجانب إسرائيل.

في مجال السياحة، كانت برلين وجهة سياحية مرغوبة بالنسبة لعشرات الآلاف من الإسرائيليين. كذلك، فإنّ السيّاح الألمان يحبّون قضاء الأوقات على شاطئ بحر تل أبيب

ولكن مع تقدّم السنين، استمرّت العلاقة بالتحسّن. في المجال الاقتصادي هناك تجارة بقيمة مليون يورو بين البلدين. كل بضعة أعوام يلتقي وزراء الحكومة الألمانية مع نظرائهم الإسرائيليين ويوقّعون اتفاقيات تعاوُن في مجالات متنوعة. وفي مجال السياحة، كانت برلين وجهة سياحية مرغوبة بالنسبة لعشرات الآلاف من الإسرائيليين، بل وأكثر من ذلك؛ فإنّ الكثير من الإسرائيليين قد نقلوا حياتهم من إسرائيل إلى ألمانيا بسبب الظروف الاجتماعية المريحة. كذلك، فإنّ السيّاح الألمان يحبّون قضاء الأوقات على شاطئ بحر تل أبيب.

وفي مجالات التربية والثقافة تقوم علاقات وثيقة بين الشبان الإسرائيليين والألمان، الذين يشاركون في بعثات متبادلة. يزور إسرائيل كل عام نحو 7,000 شاب ألماني، ويزور ألمانيا نحو 3,000 شاب إسرائيلي.

وفوق كلّ شيء، تعتزّ إسرائيل بالمساعدة العسكرية الكبيرة التي تقدّمها ألمانيا لإسرائيل، وأوضح تعبير عنها هو غواصات "دولفين" الألمانية، وهي ستّ غواصات اشترتها إسرائيل بأسعار منخفضة، وهي قادرة بحسب ما نُشر عنها على حمل صواريخ نووية. دخلت خمس غواصات من بين الستّ إلى الاستخدام المهني فعليّا.

غواصة إسرائيلية من فئة دولفين (Moshe Shai/FLASH90)

غواصة إسرائيلية من فئة دولفين (Moshe Shai/FLASH90)

ومع ذلك، ففي ظلّ العلاقات الأمنية الخاصة بين الحكومتين، هناك أيضًا توتّر كبير نابع من موقف ألمانيا بخصوص سياسة الاستيطان الإسرائيلية. تزيد كل شقّة في الضفة الغربية والقدس الشرقية تتم الموافقة عليها من قبل الحكومة الإسرائيلية، من غضب المستشارة الحالية، أنجيلا ميركل. وفقا للتقارير الإسرائيلية، فهناك علاقة من انعدام الثقة والتوتّر بين ميركل ونتنياهو. ولكن أيضًا عندما نأخذ بالاعتبار العلاقات السيئة بين نتنياهو وميركل، فمن المنظور التاريخي تُعتبر الأعوام الخمسون الأخيرة في علاقة ألمانيا وإسرائيل معجزة.