رغم قربه لسنوات عديدة من نتنياهو، فإنّ المحامي هاوزير، الذي يُعدّ رجلًا جديًّا جدّا ويحظى بالتقدير من قِبل المعنيين في إسرائيل، يصف بطريقة انتقادية جدًّا منظومة اتخاذ القرارات في إسرائيل وحتى رئيس الحكومة نفسه.

هكذا، مثلًا، يصف هاوزير وضعًا يمنع فيه الجهاز القضائي في إسرائيل ويؤخِّر اتخاذ القرارات من قبل المسؤولين السياسيين، حتى في أوقات النزاع أو الحَرب. ويضرب هاوزير مثلًا قضية مرمرة - السفينة التركية التي أُرسلت لكسر الحصار البحري على قطاع غزة قبل نحو ثلاث سنوات، والتي أدّت سيطرة إسرائيل عليها إلى توتّر في العلاقات بين تركيا وإسرائيل حتى يومنا هذا.

ويصف هاوزير تطوّر الأحداث التي أدت إلى النتيجة البائسة، ملقيًا باللوم على مصادر في الجهاز القضائي الإسرائيلي: " شاركتُ في نقاش حاسم قبيل مجيء الأسطول. وخلافًا للآخرين، قلتُ: (لحظة، لمَ لا نتيح لهذه السفينة غير المسلّحة دخول غزّة؟) لم أتوقع وقوع تسعة قتلى، لكنني لم أفهم لمَ علينا المشاركة في هذا الفيلم الشرير بهذا الدور الشرير الذي أعده لنا الأتراك. أنا أعرف رئيس الحكومة. رأيتُ في عينيه أنّه يفهم الأمر. يحبّ نتنياهو أن يؤتى له بفكرة خارجة عن المألوف. لكنّ القانونيين الذين شاركوا في النقاش ادّعوا أنه، من الناحية القانونية، ما دام هناك حصار، فإنّ إسرائيل ملزَمة بفرض تطبيقه. وهكذا انتهى الأمر. لا يظنّ السياسيون أنّ بإمكانهم اتّخاذَ قرار يناقض أمر القضاء. لم يشعر القائد أنّ بإمكانه أن يطلب من رجل القانون أن يحلّ مشكلته، بل انصاع لأوامره. النتائج رأيناها جميعًا. ولا نزال نشعر بها حتى اليوم".

ولا يمتنع هاوزير عن توجيه النقد إلى رئيس الحكومة نتنياهو. فحسب تعبيره، بسبب الشعور بالتفوق الذهني، يجد نتنياهو نفسه منشغلًا بأمور لا يُفترَض أن ينشغل بها رئيس الحكومة: "لنتنياهو ميزة مهمة، نادرة جدا في منطقتنا: فلديه شعور بالإرسالية التاريخية، وهو يعمل ضمن سياق تاريخي. وهو يتراسل باستمرار مع الماضي والمستقبل. لذلك، يقيس كل عمل يقوم به بنظرة تاريخية. حتى حينما يخطّ رسالة شكر روتينية، يفكّر كيف سيقرؤون هذه الرسالة بعد 100 سنة، وبعد 500 سنة. تعطيه هذه الصفة استقلالية هائلة ووجهات نظر صائبة. فلديه نظر ثاقب للزمان والمكان. إضافةً إلى ذلك، فإنّ لديه مقدرةً نادرة على التمييز بين الهامّ وغير الهامّ. استيعابه سريع، تركيزه غير اعتيادي، وتوزيعه للإصغاء ظاهرة بحد ذاته. يعمل عملًا شاقًّا باجتهاد ومواظبة. وهو قادر على أن يجلس من بداية الجلسة حتى نهايتها، أن يكون مركّزا كل الوقت، وأن يستوعب كل تفصيل. لكن بسبب كل هذه الميزات تحديدًا، تبرز الفجوة بين قدرة الفهم وقدرة التنفيذ. أعتقد أنّ ذلك ينبع من أنّ بيبي يفترض أنه كان بإمكانه أن يكون وزير مالية أفضل من وزير المالية، ووزير صحة أفضل من وزير الصحة، ومتحدثًا رسميًّا أفضل من المتحدث الرسمي، وسكرتير حكومة أفضل من سكرتير الحكومة. لذلك، لا يفوّض الكثير من الصلاحيات، ليجد نفسه منشغلًا بأمور لا يُفترَض أن ينشغل بها".

من كلمات هاوزير في المقابلة، ترتسم صورة زعيم يصعب وصفه باللطيف. فنتنياهو مشبَع بالإدراك التاريخي، يدير الأمور بجدية كبيرة، لكنه يفقتقر إلى روح الدعابة. وخلافًا لرؤساء حكومات سابقين، لا سيّما أريئيل شارون وإيهود أولمرت، اللذَين عُرفا بعلاقتهما الوطيدة مع المحيط وبالكثير من الإنسانية، يبدو أنّ نتنياهو أبعد: "ليس لديه ضحك، ولا تربيتات، ولا صداقة، ولا محادثات قصيرة"، يقول هاوزير عن زعيمه السابق. "أنا أحترم ذلك. فهو ليس وجدانيًّا في علاقاته مع الناس، لكنّ لديه خشية إجلال للمهمة. وهو يتعامل مع الناس كأدوات ضمن صندوق الأدوات المطلوب لتنفيذ المهمّة. كان من الجيّد أن يعزّز الالتفاتات الإنسانية والاجتماعية لديه. لا يضرّ أيضًا لو امتلك روح الدعابة. لكنّ هذه أمور غير ذات قيمة حقيقية قياسًا لكبر المهمة، ولكبر الحدث. تقول إنه لا يتحدث عن الناس، لكني أقول لك إنه يتحدث حقًّا عن الدولة. وهو ليس تهكميًّا. إنه يفهم المسؤولية الملقاة على عاتقه فيما يجلس على الكرسيّ الذي يجلس عليه، في قمرة قيادة دولة إسرائيل".

وبخصوص النقد الموجه لعدم تحقيق اختراق تاريخي في النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني خلال حكم نتنياهو، يقول هاوزير: "خلافًا لسابقاتها، لم تتورط حكومة نتنياهو في حروب لا طائل منها. لم تحدث انتفاضة، ولا حرب لبنان ثانية، ولا رصاص مسكوب. قُتل القليل من الإسرائيليين، وكذلك القليل من الفلسطينيين".