هذا الأسبوع، يتم إحياء ذكرى مرور 40 عاما على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في أنحاء لبنان، في ظل الأزمة السياسية والاجتماعية التي تهدّد بإعادة الحرب إلى الشوارع. اندلعت الحرب بعد عشرات السنين التي تمّ فيها الحفاظ على التوازن الدقيق بين المسلمين والمسيحيين في بلاد الأرز، توازن قرّر أن يكون الرئيس دائما مسيحيّا - مارونيّا، ورئيس الحكومة مسلما - سنّيا ورئيس البرلمان مسلمًا شيعيّا. كان التوتّر الطائفي في البلاد والذي يوجد فيه فسيفساء بشرية معقّدة في الأجواء دائما.

في 13 نيسان 1975 اشتعلت الصراعات حول التشكيل الطائفي للنظام السياسي في البلاد، وكذلك حول القضية الفلسطينية، بين معسكر اليسار اللبناني المسلم؛ "الحركة الوطنية" بقيادة الزعيم الدرزي الاشتراكي، كمال جنبلاط، حليف منظمة التحرير الفلسطينية، وبين اليمين اللبناني ذي الغالبية المسيحية المارونية؛ "الجبهة اللبنانية" برئاسة حزب بيار الجميّل ونجله بشير الجميّل. أراد المعسكر الأول تغيير الوضع السياسي الراهن في البلاد، بينما أراد المعسكر الثاني الحفاظ عليه.

صورة شهيرة لمجزرة الكرنتينا (Wikipedia)

صورة شهيرة لمجزرة الكرنتينا (Wikipedia)

جرت في ذلك اليوم نزاعات عنيفة في بيروت بين الفلسطينيين من أعضاء الميليشيات العسكرية وبين المسيحيين، جرّت البلاد إلى النيران المشتعلة. حوّلت المجازر من كلا الطرفين البلاد سريعًا إلى ساحة للصراعات الإقليمية، العربية والدولية، حيث تدخّل الجيش السوري أيضًا. بعد تدخّل منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا في لبنان، تدخّلت إسرائيل في إحدى فترات الحرب وساعدت مقاتلي الميليشيات المسيحية.

تسبّبت الحرب، التي استمرّت في الواقع حتى احتلال بيروت من قبل الجيش السوري عام 1990، بموت نحو 150,000 شخص وغياب أكثر من 17,000 شخص

بدأ التدخّل الإسرائيلي بدخول لبنان في آذار 1978، في أعقاب التفجيرات التي نفّذها فلسطينيّون داخل إسرائيل. انسحبت إسرائيل في أعقاب قرار للأمم المتحدة، ولكنها عادت في حزيران عام 1982 إلى لبنان بعد محاولة اغتيال سفيرها في بريطانيا. بعد بضعة أشهر من ذلك نفّذت ميليشيات (الكتائب) المسيحية مجزرة بمئات السكّان الفلسطينيين في مخيّميّ اللاجئين صبرا وشاتيلا في بيروت الغربيّة.

انتهت الحرب بعد اتفاق الطائف الذي تمّ توقيعه عام 1989 بين الطرفين برعاية مباشرة من السعودية. تسبّبت الحرب، التي استمرّت في الواقع حتى احتلال بيروت من قبل الجيش السوري عام 1990، بموت نحو 150,000 شخص وغياب أكثر من 17,000 شخص. غادر البلاد مئات الآلاف وتضرّرت البنى التحتية بشكل كبير.

جذور الصراع لا تزال قائمة

خط الجبهة الفاصل بين المتقاتلين في بيروت 1982

خط الجبهة الفاصل بين المتقاتلين في بيروت 1982

مرّ 25 عامًا منذ انتهاء الحرب، وتُذكّرنا الأزمة السياسية السائدة في لبنان اليوم بالفترة المضطربة التي سبقت اندلاعها. منذ أشهر طويلة ولبنان يسير دون رئيس، والدور الإيراني في لبنان آخذ بالازدياد، ورّط تنظيم حزب الله لبنان في الحرب الأهلية السورية وتأجّجت المشاعر الطائفية بين السكان من جديد لتفرح طهران. بالإضافة إلى ذلك، فلا تزال الأسباب التي أدّت إلى تلك الحرب، كالعدد الكبير من اللاجئين في البلاد وعدم المساواة الاجتماعية - الاقتصادية؛ قائمة. يدلّ كل ذلك، وفقا لمحلّلين عرب، على أنّ جذور الصراع التي تسبّبت في الحرب عام 1975 قد تنفجر مجدّدا في أيّة لحظة وتعيدُ لبنان إلى مستنقع الحرب مرة أخرى.

ويخشى المحلّل السياسي لقمان سليم، الذي كان مجرّد طفل عندما اندلعت الحرب، جدّا من حرب أهلية أخرى تحوّم فوق لبنان في هذه الفترة. في مقابلة مع صحيفة العرب تساءل سليم: "لم إذا نحن (اللبنانيون) ينتهي كلامنا (أو حوارنا) سريعا، وكثيرا ما نستلّ السكاكين ونبدأ بشحذها ونهدد بها بعضنا البعض وصولا إلى القتل العادي". لا يرى المحلّل مستقبل لبنان بشكل متفائل ويقول إنّ الديناميات الراهنة في لبنان هي ديناميات صراع جديد.

لافتة ضخمة عليها صورة رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري في مدينة جونية الى الشمال من بيروت في فبراير 2011 (AFP)

لافتة ضخمة عليها صورة رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري في مدينة جونية الى الشمال من بيروت في فبراير 2011 (AFP)

وينسب سليم السبب الرئيسي لاندلاع حرب مستقبلية محتملة في لبنان إلى اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام 2005. "بما ستوصف ذات يوم بأنّها الجد الأكبر لحرب قد تندلع في البلاد"، كما يتوقّع. "إذا راجعنا ما حصل خلال السنوات العشر الماضية سنرى عددا من النزاعات التي أخذت أحيانا أشكالا عنيفة أو غير عنيفة، لكن كان يتم احتواؤها في اللحظات الأخيرة أو تجميدها"، في الطبقات السفلية للمجتمع اللبناني ومنذ ‏2005‏ وصولا إلى اليوم، مرورا بابتلاع الانتفاضة في سوريا التي اندلعت عام ‏2011‏، ونجاح النظام في تحويلها إلى حرب أهلية، فإنّ مكونات النزاع تزداد حدة". وهو يتوقع أن الصراع في لبنان قد ينفجر "في أية لحظة وبأي شكل".

"اللبنانيون استقوا العبرة من الماضي"

وتظهر من كلام سليم الخشية من أن يجرّ تدخّل تنظيم حزب الله في الحرب في سوريا بجانب قوات بشار الأسد، بخلاف موقف الشعب، أن يجرّ البلاد إلى أتون الحرب. يدعو سياسيون لبنانيون، في هذه الأيام، حزب الله إلى الخروج من سوريا، والتوقف عن التدخّل في الصراعات الإقليمية في العراق واليمن ونزع سلاحه، وإلا فإنّ خطر حرب أهلية أخرى في لبنان سيكون كبيرا.

جنازة لمقاتلي حزب الله الذين قتلوا في معارك مع جبهة النصرة في سوريا (AFP)

جنازة لمقاتلي حزب الله الذين قتلوا في معارك مع جبهة النصرة في سوريا (AFP)

في المقابل، نفى المحلّل السياسي اللبناني إيلي الحاج، الذي كان عمره 15 عاما عند اندلاع الحرب، في مقابلة مع صحيفة العرب احتمال أن يعاني اللبنانيون من حرب مماثلة في المستقبل القريب، وقد نسب موقفه إلى أنّ قلوبهم لا تزال تحمل مرارة تلك الحرب الأهلية. ويتّهم الحاج النظام السوري حينذاك برئاسة حافظ الأسد في إشعال فتيل الحرب، ولكنّه قال إنّ لبنان بعيد اليوم عن اندلاع حرب أهلية جديدة.

"استقى اللبنانيون العبرة من الماضي"، هكذا شرح الحاج، مضيفا أنّ الشيعة أيضًا يحذّرون من الدخول في حرب جديدة. بحسب كلامه، فإنّ قيادة حزب الله تعلم أنّه في لحظة اندلاع حرب أهلية أخرى؛ فستكون تلك نهايتها، "لبنان لا يمكن أن تحكمه فئة عسكرية"، ولأنّ الفصائل الأخرى ستتجمّع وتمنع ذلك. "أيا من طوائف لبنان وأحزابه ليس لها من مصلحة أن تخوض حربا جديدة، وهم جميعا يتفادونها ولا يضعونها في حساباتهم".

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع ميدل نيوز