في 14 أيار 1948، وقف دافيد بن غوريون، رئيس الوكالة اليهودية حينذاك، أمام الميكروفونات وآلات التصوير، معلنًا عن استقلال دولة إسرائيل. قاد بن غوريون، الذي دُعي في ذلك الوقت "المُسنّ"، إسرائيل كرئيس للحكومة لمدة 14 عامًا، ولا يزال حتى اليوم الشخص الذي شغل هذا المنصب لأطول مدّة. حتى اليوم، يُذكَر اسم بن غوريون كأحد عمالقة تاريخ القرن العشرين إلى جانب تشرتشل، روزفلت، وديغول. أصبحت صورة بن غوريون وهو يقف على رأسه على شاطئ البحر رمزًا شهيرًا. رغم كل ذلك، كيف حدث أن مات بن غوريون في 1 كانون الأول 1973 وحيدًا ولاعبًا هامشيًّا في الملعب السياسي الإسرائيلي؟

وُلد دافيد غرين عام 1886 في بلدة بلونسك في بولندا. ولم يحمل الاسم "بن غوريون" إلّا بعد هجرته إلى إسرائيل. بدأت المسيرة السياسية لبن غوريون مذ كان طفلًا في بولندا، حين أقام جمعية"عزرا" التي أهلت الشبان اليهود للهجرة إلى فلسطين وعلّمتهم اللغة العبريّة. هاجر بن غوريون نفسه عام 1906، في العشرين من عمره. وسرعان ما اندمج في مؤسسات القيادة الصهيونية، حيث عُيّن عام 1920 رئيسًا للنقابة العامّة للعمال في فلسطين (أرض إسرائيل). عام 1930، بادر إلى توحيد معظم أحزاب العمال الإسرائيلية تحت راية حزب مباي، مترئسًا الحزب لفترات متقطعة طيلة 33 عامًا، حتّى إقصائه منه عام 1963.

في سنوات الحرب العالمية الثانية، انتهج بن غوريون خطًّا قياديًّا ذا وجهتَي نظر في علاقته بالسلطات البريطانيّة في فلسطين (أرض إسرائيل). فمن جهة، دعم بن غوريون تجنُّد اليهود للجيش البريطانيّ، بهدف قتال النازيين. ولكن من جهة أخرى، أعلن عن صراع ضدّ سياسة "الكتاب الأبيض" البريطاني، الذي كان يهدف إلى الحدّ من هجرة اليهود إلى إسرائيل. وتلّخص عبارة بن غوريون: "سنقاتل مع البريطانيّين ضدّ هتلر كأنه لا كتاب أبيض، ونقاتل ضدّ الكتاب الأبيض كأنه لا هتلر" سياسته في ذلك الوقت. في ذلك الحين، كان بن غوريون على رأس الذين يدعون إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين (أرض إسرائيل)، وأصبح إثر انتهاء الانتداب البريطانيّ أوّل رئيس لحكومتها، وقادها خلال حرب 1948 وما بعدها.

دافيد بن غوريون (GPO)

دافيد بن غوريون (GPO)

رغم أعماله لزيادة قوة ومناعة الديمقراطية الإسرائيلية، ورغم انتخابه لرئاسة الحكومة في انتخابات ديمقراطية، كانت شخصية بن غوريون كرئيس للحكومة تلك التي لزعيم مهيمِن لا يكلّف المحيطين به بالكثير من الصلاحيّات. فقد تذمر رئيس الدولة، حاييم وايزمان، الذي كان من خصومه السياسيين، قائلًا: "منديلي هو الأمر الوحيد الذي يسمح لي بن غوريون أن أحشُر أنفي فيه". كان أسلوب قيادته عاصفًا، وأكثر من التهديد بالاستقالة من منصبه. عام 1953، نفّذ تهديده واستقال من رئاسة الحكومة، لكنه عاد إليها بعد سنة ونصف. رغم طبعه الهائج، وصلت دولة إسرائيل تحت قيادته إلى إنجازات هامّة، تمثّلت بشكل خاصّ في استيعاب ملايين اليهود. عام 1963، عاد بن غوريون إلى الاستقالة من رئاسة الحكومة معلّلًا ذلك بـ"دوافع شخصيّة". اهتمّ بن غوريون بنفسه بتعيين ليفي أشكول خليفةً له في المنصب، لكنه أكثر من التنازُع معه فيما بعد.

عام 1967، كان لبن غوريون موقف مفاجئ من نصر إسرائيل الكبير في حرب الأيام الستة. فمن جهة، عبّر بن غوريون عن تأييده للانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل مقابل سلام حقّ. ومن جهة أخرى، عارض بن غوريون بشدّة الانسحاب من هضبة الجولان والقدس الشرقية، حتى إنه أيد هدم أسوار القدس القديمة، بطريقة توضح للعالم قضية إعادة توحيد المدينة. لكن في ذلك الوقت، كان بن غوريون قد أصبح بعيدًا عن دائرة صانعي القرار، معبّرًا عن امتعاض من ذلم في مذكَراته.

بعد وفاة زوجته، بولا، بدأ بن غوريون يغرق بأكثر قوّة. ففي تقرير عن سنواته المتأخرة، وصفت صحيفة "هآرتس" بن غوريون في ذلك الحين بأنه "معارِض هرِم غريب عن الواقع السياسي". مع ذلك، لم يترك له طبعه الصلب مكانًا للشفقة على الذات. ففي هذه الفترة من حياته، أكثر بن غوريون من العزلة، وبدأ يهتمّ بالفلسفة والتصوّف البوذي. وأصبح بن غوريون غير مهم إلى درجة أنّ موته في 1 كانون الأول 1973، ابتُلع في غمرة الاهتمام بحرب تشرين، التي كانت قد انتهت.

الجهد لتقييم ميراث بن غوريون معروف في الساحة السياسية في إسرائيل اليوم. من يُكثر من الاقتباس من بن غوريون وكيل المديح له هو رئيس الحكومة الحاليّ، بنيامين نتنياهو. ففي خطاب ألقاه نتنياهو على قبر بن غوريون في طقس تذكاري قبل بضع سنوات، آثر اختيار مقاطع من أقوال بن غوريون، بدت كأنّ نتنياهو نفسه قالها في الأصل: "لا أمرَ بالنسبة لي يفوق في أهميته أمنَ الدولة، وإذا خيّروني، ووضعوا على كفّ ميزان كل المُثُل العليا في العالم، وعلى الكفّ الآخر أمن إسرائيل، فسأختار دون تردُّد أمن إسرائيل"، اقتبس نتنياهو عن رئيس الحكومة الأول.

لكنّ حماسة نتنياهو تبرد لدى الحديث عن ميراث بن غوريون الاقتصادي. "ارتكب بن غوريون خطأ تأسيس دولة اشتراكية"، أوضح نتنياهو لصحيفة معاريف عام 2003 حين سُئل عن سياسته الاقتصادية، وعلينا العمل سنوات للخروج من هذا القالب الخاطئ". ادّعى نتنياهو مؤخرا أنّ السياسة الرأسمالية تحديدًا هي التي ستتيح نموّ الاستيطان الإسرائيلي في النقب، وفقًا لرؤيا بن غوريون: "لا يمكنك خلال فترة من الوقت أن تحقّق الحلم بأموال حُكومية. لا ازدهار للنقب دون أن يكون هنا ازدهار اقتصادي"، أوضح نتنياهو في جولة أجراها في النقب منذ نحو شهر.

لكن إلى جانب نتنياهو، يبدو أنّ الشخص الذي نجح في اكتساب لقب "تلميذ بن غوريون" أكثر من أيّ شخص آخر هو رئيس دولة إسرائيل، شمعون بيريس. "لم أولد بن غوريونيًّا، بل أصبحت بن غوريونيًّا إثر أقواله التي بثت قوة غير اعتيادية"، قال بيريس قبل بضع سنوات في الطقس التذكاري لبن غوريون. بدأت العلاقات بين الرجلَين حتّى قبل إنشاء دولة إسرائيل عام 1948، واستمرّت حتى وفاة بن غوريون عام 1973. ومجرّد تعيين بن غوريون لبيريس مديرًا عامًّا لوزارة الدفاع قبل أن يُتمّ الثلاثين يشهد على الثقة البالغة التي أولاها "المُسنّ" لطالبه الشابّ. أثبت بيريس أمانته لبن غوريون، حين انسحب معه من الحِزب الحاكم، مباي، عام 1965، وأنشأ معه قائمة لم تحظَ بالكثير من النجاح في الانتخابات.

"لم يدعُ بن غوريون نفسه (زعيمًا) يومًا ما. فهو لم يُحبّ الكلمة. إنّه خادم الأمة"، أوضح بيريس الدرس الذي تعلّمه من معلّمه، الذي رفض جائزة إسرائيل التي عُرضت عليه بادّعاء: "لا تحق لي جائزة للقيام بواجباتي نحو وطني". وعن الدروس التي تعلّمها بيريس من بن غوريون حول الإدارة المطلوبة في الحقل السياسي، قال: "تعلمتُ منه متى نقول "أنا" ومتى نقول "نحن"، إن كان نجاحًا، نقول "نحن"، وإن كان إخفاقًا، فهذا "أنا".

إذا كان الأمر كذلك، وإذا كان رئيس حكومة إسرائيل ورئيسها يفتخران بموروثه، فهل تحقّق إسرائيل 2014رؤيا بن غوريون؟ يدّعي حفيده، ياريف بن إليعيزر، أنّ الإجابة القاطعة هي لا. فعلى ضوء فضائح الفساد التي تُطلّ برأسها من حين إلى آخر في دولة إسرائيل، يُذكّر بن إليعيزر بالمقاييس الأخلاقية الواضحة التي ميّزت بن غوريون، ولكنّها تغيب عن الحقل العامّ في أيامنا. لو كان بن غوريون حيًّا، "فأنا واثق أنه كان سيسخط مِن السهولة الشديدة التي يعودون بها إلى جدول الأعمال بعد ارتكاب أو إخفاق، مِن النواب والوزراء الذين أدينوا وحُكم عليهم بالسجن، ثم عادوا إلى مقاعد الكنيست"، قال بن إليعيزر هذا الأسبوع لموقع "والاه" الإسرائيلي. إضافةً إلى ذلك، إثر العزلة الدولية لإسرائيل وظاهرة العنصرية الموجودة فيها، يظنّ بن إليعيزر أنّ إسرائيل فقدت التميّز الأخلاقي الذي كان بن غوريون يطمح إليه أثناء قيادته.