جاءت إقالة أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عبد ربه، مفاجئة للكثيرين من متابعي الشأن الفلسطيني. لكن المقربين من الرئيس الفلسطيني يقولون إنه في ظل الخلافات شبه العلنية بين الرجلين، لم يكن من الممكن أن يستمر عبد ربه في وظيفته. فقد طغت على السطح الكثير من الخلافات بين الرجلين – منها كيفية إدارة ملف التفاوض مع إسرائيل، فعبد ربه طالب بموقف أكثر حزما من قبل القيادة الفلسطينية وعدم استعمال ورقة محكمة الجنايات فقط من باب تهديد القيادة الإسرائيلية. كما اعتقد عبد ربه أن الرئيس الفلسطيني لا يجيد إدارة ملف المصالحة مع حماس مما يسهم في شل عمل المؤسسات الفلسطينية، بالإضافة إلى مواضيع مختلفة تزايد فيها التباين في وجهات النظر بين الرجلين.

إقالة عبد ربه جاءت بعد قيام أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية بمداهمة مكاتب جمعية قريبة من رئيس الوزراء السابق سلام فياض للاشتباه بضلوعها في قضايا فساد، وفي ظل أنباء عن احتمال الأجهزة نفسها بالقيام بخطوة مماثلة ضد جمعية يقودها عبد ربه، وبنفس شبهات الفساد. يشار إلى أن فياض وعبد ربه يتقسمان وجهة النظر نفسها في الكثير من القضايا السياسية.

واعتبرت بعض وسائل الاعلام الفلسطينية والعربية أن إقالة عبد ربه من أمانة سر اللجنة التنفيذية جاءت "للاشتباه بتورطه بمؤامرة لتقويض السلطة"، وهي تهمة قاسية توجه لمن كان حتى زمن ليس بالبعيد من الأشخاص الأكثر قربا للرئيس الفلسطيني.

لكن سواء كانت الأسباب متعلقة بقضايا فساد يلوح لها البعض، أو اختلاف في وجهات النظر حول إدارة الملفات السياسية أو كما جاء في وسائل الإعلام "لتورط عبد ربه بمؤامرة لتقويض السلطة"، فإنه لا يمكن فصل هذا التطور عن قضية خلافة الرئيس الفلسطيني. فقد أكد مسؤولون فلسطينيون أن الرئيس محمود عباس زار في الأشهر الاخيرة، وبوتيرة أعلى من المعتاد أطباءه في العاصمة الأردنية، بينما اعتبر البعض أن معايدة الطبيب الخاص لرجل في سن الرئيس الفلسطيني، وفي موقعه القيادي والمميز، أمر عادي لا يجب أن يثير هذه الضجة والثرثرة.

موضوع خلافة الرئيس الفلسطيني لم يعد محصورا في دوائر مقربة ومغلقة، حيث يتم تناوله اليوم بشكل واسع على مستوى الإعلام، وعلى مستوى الشارع، وكذلك على مستوى القيادات. العنوان الأبرز في هذا السياق هو الأصوات المتزايدة في أوسط القيادات والساسة والنخب الفلسطينية بضرورة تعيين نائب للرئيس.

من ناحيته، يرفض الرئيس الفلسطيني حتى الآن الخوض في قضية تعيين نائبا له بينما يرى البعض أن الأمر لا يجب أن يُترك للرئيس وأن سن الرئيس يُحتم ذلك، وأن الأمر أصبح ضرورة لمنع سقوط السلطة في أزمة دستورية وسياسية مع حماس. فالقانون الفلسطيني الحالي لا زال ينص على أن خليفة الرئيس في المرحلة الانتقالية هو رئيس المجلس التشريعي، فرغم امتعاض أنصار فتح من هذا الاحتمال، إلا أن في حال عجز الرئيس عن تأدية منصبه وتغييبه عن منصبه فإن رئيس التشريعي، القيادي الحمساوي الدكتور عزيز دويك، هو الذي سيصبح رئيس المرحلة الانتقالية.

المطالبون بتعيين نائب رئيس يعتبرون هذه الخطوة بأنها تضمن استمرارية الحكم، وبأنها تسد الطريق على نزاع ومطامع لحماس ومع حماس، وأن من شأن هذه الخطوة أن تفوت الفرصة على صراعات داخلية قد تحاول إسرائيل الاستفادة منها.

بعد اقالة عبد ربه أضاف أبو مازن لجملة مناصبه ووظائفه – رئيس اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس السلطة الفلسطينية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير – وظيفة جديدة وهي أمانة السر، الأمر الذي يأتـي عكس رغبة الكثيرين في القيادة الفلسطينية الذين يريدون ان يروا وظائف الرئيس توزع بين شخصيات مختلفة، لا أن تضاف لها وظيفة جديدة. أبو مازن واللجنة التنفيذية قد يختارون قريبا أمين سر جديد للجنة التنفيذية، لكن بهذه الخطوة يُرسل الرئيس رسالة واضحة انه لا زال ممسكا بزمام الأمور وبزمام القيادة بشكل كامل، وأن أي حديث عن خليفة أو تعديل دستوري يتعلق بتعيين نائب رئيس أو ما شابه ذلك، يجب ان يتم من خلاله وبموافقته، وليس عبر محاولات للضغط عليه وإملاء خطوات أو اقتراح أسماء هو غير مقتنع بها أو غير مقتنع بوتيرة التغيير الذي يريد البعض رؤيته.