تمر على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حالة معروفة، خاضت بها الكثير من التنظيمات بعد فترة من إرساء قواعدها. أدت خلافات داخلية وخلافات سياسية مؤخرًا إلى عمليات إعدام وصراعات مُسلحة بين قادة في الميدان، وإلى ظاهرة تسرب ومحاولات هرب لمتطوعين من العراق وسوريا.

نشرت هذا الأسبوع، على سبيل المثال، صحيفة الفاينانشال تايمز أن التنظيم أعدم مئة متطوع أجنبي حاولوا الهرب من مدينة الرقة السورية. تم، قبل بضعة أيام، توقيف 12 مواطنًا أوروبيًا منهم خمسة بريطانيين، ألمانيان وبلجيكيان، بعد أن طلبوا إذن العودة إلى بلادهم. إضافةً إلى ذلك، وفقًا للمركز الدولي لأبحاث التطرف في لندن، أبلغ نحو 30 حتى 50 مواطنًا بريطانيًا عائلاتهم برغبتهم بالعودة إلى بريطانيا. ثمة دلالة أُخرى على وجود تصدعات داخل صفوف الدولة الإسلامية، هو مقطع فيديو نشره التنظيم وفيه أعلن عن اعتقال أربعة من مقاتليه، يتحدثون اللغة التركية، كانوا يخططون للقيام بانقلاب داخلي لأن داعش باعتقادهم ليس تنظيمًا مُتطرفًا كفاية. تم تسجيل الفيديو، الذي حسب تصريحات التنظيم، دون علم الأربعة، حيث يمكن مشاهدتهم وهم يتحدثون عن رغبتهم بقتل زعيم الدولة الإسلامية لأنه كافر. قتل أحد مقاتلي داعش، بالقرب من مدينة البوكمال الواقعة على الحدود السورية - العراقية، أحد قادة التنظيم بسبب خلاف على السيطرة على المعبر، وفي سوريا ذاتها برز خلاف كبير بين المتطوعين الشيشان وبين قيادة الدولة الإسلامية على إثر رفض الميليشيا الشيشانية، التي تنشط في منطقة اللاذقية؛ شمال - غرب سوريا، الإعلان عن ولائها للتنظيم. برز خلاف آخر، أول البارحة، بين المقاتلين الشيشان وقيادة التنظيم فيما يتعلق بعلاج الطيار الأردني الذي أسرته الدولة الإسلامية. يطالب الشيشانيون بإعدامه بينما تُفضل قيادة التنظيم أن يبقى على قيد الحياة للمساومة عليه.

هل من شأن هذه الخلافات أن تؤدي إلى تفكك التنظيم من الداخل؟ لا يزال الحديث في هذه المرحلة عن خلافات محلية وليس عن ظاهرة واسعة، إلا أنه من المتوقع أن نشهد في المدة الأخيرة انشقاق تنظيمات صغيرة من داعش وسيطرتها على مناطق خاصة بها، بالتعاون مع بعض الميليشيات السورية المُسلحة التي لا تتبع داعش.

تنظيم داعش يعلن أسر طيار أردنى بعد اسقاط طائرة حربية فى شمال سوريا (Twitter)

تنظيم داعش يعلن أسر طيار أردنى بعد اسقاط طائرة حربية فى شمال سوريا (Twitter)

أنشأ تنظيم الدولة الإسلامية سجونًا خاصة به في بعض المدن التي يُسيطر عليها، ويستخدمها كمراكز تحقيق وتوقيف أيضًا ضد أفراد التنظيم الذين يُتهمون بعدم الإخلاص للتنظيم. تقع على التنظيم أيضًا مسؤولية تجاوز التفاوت بين قوات المتطوعين وبين التشكيلات التي تعتمد على المواطنين المحليين. انضمت، على سبيل المثال، في شهر تشرين الثاني "الكتيبة الخضراء" التابع لـ "جيش المهاجرين وأنصار النبي" (الاسم يُشير إلى أتباع النبي الذين هاجروا معه من مكة إلى المدينة عام 622)، وغالبيتهم مقاتلين سعوديين، إلى صفوف الدولة الإسلامية. إلا أن الكثيرين من أعضاء "جيش المهاجرين" هم شيشانيون موالون لـ "جيش الخلافة" الذي مقره في الشيشان. لا يُلغي الانضمام لصفوف الدولة الإسلامية النظام الداخلي للميليشيات، إذ يستمر قادتها بأداء مهماهم وتعمل تلك التشكيلات بشكل مُستقل، لكن تلك الميليشيات تستفيد من الدعم المالي للتنظيم الأساسي.

يضع تشتت وحدات الدولة الإسلامية، والإدارة المُستقلة لكل واحدة من تلك الميليشيات؛ الأمر الذي يجعل وجود قيادة عليا واحدة أمرًا زائدًا، نجاعة الغارات الجوية لقوات التحالف في دائرة الشك. لا يملك تنظيم الدولة الإسلامية قواعد كبيرة أو مُعسكرات يمكنها أن تُستخدم كأهداف مناسبة لمهاجمتها، وحتى هذه اللحظة، رغم عدد الغارات الكبير نجد أن النتائج على الأرض ليست مُلفتة. الفائدة الواضحة حتى الآن هي إصابة بعض حقول النفط ومنشآت التنقيب في سوريا، الأمر الذي قلل بشكل كبير أرباح التنظيم من بيع النفط.

مقابل هذا الواقع الذي يعيشه تنظيم الدولة الإسلامية نجد أن المساعي الدولية لإيجاد حل سياسي في سوريا ما زالت تتقدم ببطء شديد. روسيا هي الجهة الفاعلة الآن وتخطط لعقد مؤتمر قمة بخصوص سوريا في بداية العام القادم. ورد البارحة نبأ عن موافقة 20 فصيلاً وتنظيمًا من المعارضة السورية بعقد لقاء في القاهرة لطرح موقف مُشترك في القمة الروسية. لا تشكل فصائل المُعارضة تلك جزءًا من المعارضة السورية الرسمية التي لم تقرر بعد كيف سترد على المبادرة الروسية. لم يتم بعد تحديد موعد لقاء تلك الفصائل، إلا أنه الآن يبدو أن القاهرة ستأخذ مكان تُركيا كقاعدة للقاءات فصائل المُعارضة. المُشكلة هي أنه حتى لو حدث توافق في القاهرة بين فصائل المُعارضة وحتى إن تحوّلت المُبادرة الروسية إلى خطة فعلية، لن يكون ذلك كافيًا من أجل بلورة استراتيجية موحّدة ضد تنظيم داعش.

نشر هذا المقال لأول مرة على صحيفة هآرتس