انتهى اجتماع القادة الفلسطينيين التي طرح خلاله الرئيس عباس أمام قادة السلطة ملخص لقاءاته مع وزير الخارجية الأمريكي. يبدو أن الطرف الفلسطيني لم يتوصل إلى حسم حول موقف السلطة من موضوع استئناف المفاوضات. تفيد الأنباء الأخيرة أن اللجنة التنفيذية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية قد قررت إرجاء الرد بشأن العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، وإقامة لجنة مصغّرة لمناقشة تحسين المخطط الذي اقترحه وزير الخارجية الأمريكي كيري على أبي مازن.

ويفيد التقرير أن عباس قد عرض في البداية أمام اللجنة المركزية في فتح اقتراحه وقد حظي هذا الاقتراح بالفعل بتأييد أعضاء اللجنة المركزية العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل، في حين عارض اقتراح أبي مازن اثنان فقط وهما توفيق طيراوي وعثمان أبو غربية. غير أنه في وقت لاحق التأمت اللجنة التنفيذية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ولم تحسم المسألة وتقرر إرجاء القرار إلى الغد.

في مثل هذا الوضع، يبدو أن هناك تطورات جديدة هامة سوف تحدث غدًا فقد يعلن وزير الخارجية الأمريكي عن استئناف المفاوضات قبل مغادرته عمان عائدًا إلى واشنطن.

وفي حال أعلن كيري بالفعل عن استئناف المفاوضات، فسيكون هذا على ما يبدو في إطار المخطط الذي ينص على أن المحادثات حول مسألة حدود الدولة الفلسطينية استنادا إلى خطوط العام 1967، مع تبادل للأراضي يأخذ بالحسبان الواقع الذي نشأ في الضفة الغربية، أي وجود الكتل الاستيطانية الكبيرة.

الصيغة التي تبدو من أنباء هذا الصباح، والتي أشارت إليها جهات سياسية في القدس في الأسابيع الأخيرة، هي أن الأمريكيين هم من قدموا النصوص السياسية المهمة لدى الطرفين، للحؤول مسبقا دون تعريض رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية عباس إلى ضغوط سياسية داخلية. وعوضا عن التزام رئيس حكومة إسرائيل نفسه بحدود العام 67، سيفعل كيري ذلك، وعوضا عن إعلان رئيس السلطة نفسه الاعتراف بإسرائيل كـ"دولة يهودية" كما طالب نتنياهو في الماضي، فإن الأمريكيين هم من سيقدمون النص المهم لإسرائيل.

كيري يتحدث مع عباس قبيل مأدبة الإفطار في عمان (US State Department)

كيري يتحدث مع عباس قبيل مأدبة الإفطار في عمان (US State Department)

وقد صرح موظف إسرائيلي لصحيفة "هآرتس" أنه في إطار التفاهمات بين كيري ونتنياهو وعباس، سيتمكن كل طرف من طرح تحفظاته على المخطط بشكل علني. سيتمكن الفلسطينيون من القول أنهم لا يقبلون مبدأ إسرائيل كدولة يهودية، وسيتمكن الإسرائيليون من القول أنهم غير مستعدين للعودة إلى حدود العام 1967. على الرغم من ذلك، سوف يكتفي الطرفان بإسماع تحفظاتهم العلنية وسيبدأ الطرفان المفاوضات.

وقد أفادت وكالة الأنباء رويترز، في وقت سابق اليوم، نقلا عن جهة إسرائيلية رفيعة المستوى أن إسرائيل قد وافقت على استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين على أساس حدود العام 67، مع تبادل أراض بين الطرفين، وأضاف، أنه يتوجب على الفلسطينيين الآن الإعلان عن أنهم يوافقون على الصيغة المقترحة. وأضافت الجهة الإسرائيلية أنه إذا قبل الفلسطينيون الاقتراح، فسيعلن وزير الخارجية الأمريكي عن استئناف المفاوضات بأسرع وقت ممكن.

إلى جانب ذلك، سارع مكتب نتنياهو إلى إنكار النبأ فور نشره، وأعلن الناطق بلسان نتنياهو أن الاقتراح الذي وافقت عليه إسرائيل هو ليس استئناف المفاوضات استنادًا إلى حدود العام 67. ورفضت جهات نتنياهو تفصيل الصيغة التي وافق عليها رئيس الحكومة، غير أنهم يشددون على أنه متمسك بموقفه المبدئي القاضي بأن إسرائيل لن تنسحب إلى خطوط عام 1967.

في هذه الأثناء هتفت بعض التظاهرات الصغيرة التي أجريت في رام الله ضد استئناف المفاوضات بين السلطة وإسرائيل وكانت حركة حماس قد عبّرت عن معارضتها للعودة إلى المفاوضات. وقال سامي أبو زهري الناطق باسم الحركة، في بيان صحفي، إن استئناف المفاوضات "يمثل خروجاً عن الموقف الوطني وإن المستفيد الوحيد هو الاحتلال الذي يستخدم ذلك غطاء لجرائم الاستيطان والتهويد‎".‎ ‎

"كما ترفض حماس موقف وزراء الخارجية العرب الذين يضغطون للعودة للمفاوضات ونعتبر أن دورهم هو تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وليس دفعه للتنازل والتفريط".

ليس الرئيس عباس وحده من يواجه المعارضة من الداخل على الدخول في المفاوضات، ففي أعقاب الأنباء عن موافقة رئيس الحكومة نتنياهو على الدخول في المفاوضات استنادًا إلى حدود العام 67، أوضح رئيس حزب "البيت اليهودي" الوزير نفتالي بينيت أن الحزب الذي يترأسه "لن يكون شريكا في حكومة توافق على التفاوض على أساس خطوط 67".

من جانب آخر، يحظى نتنياهو بتأييد من جانب المعارضة بالذات، ففي وقت سابق اليوم أرسلت زعيمة المعارضة يحيموفيتش كتابًا إلى رئيس الحكومة تضمن فيه دعمه إذا واجه صعوبات سياسية في حزبه وتأمين استقرار الحكومة، في حال استأنف المفاوضات مع الفلسطينيين. "هذه مصلحة إسرائيلية".

شيلي يحيموفيتش (Flash90)

شيلي يحيموفيتش (Flash90)

في رسالتها، طلبت يحيموفيتش من نتنياهو ألا يؤجل استئناف المفاوضات، وأن ينتهز الفرصة السانحة. "الشروع فورًا في مفاوضات سياسية هو مصلحة إسرائيلية. يتوجب مساعدة وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، في مساعيه. ليس لأنّ هذه مصلحة أمريكية أو أوروبية أو فلسطينية. المصلحة الإسرائيلية، الصهيونية، هي الاستمرار في تحقيق رؤية دولة يهودية وديموقراطية. نحن مفعمون بالأمل أن ينجح في مساعيه لإحياء المفاوضات. ثمة موضع للتفاؤل، لكن يجب تعزيزه. من يدعم ذلك ينتمي للمعسكر القومي. ومن لا يفهم ذلك، يضع نفسه في المعسكر الثنائي القومية".

يصل كتاب يحيموفيتش إلى نتنياهو في فترة غير مريحة، يهدّد فيها أعضاء حزبه وحلفاؤه في الائتلاف بتكديس العوائق وإفشال استئناف المفاوضات في حال دخل قرار الاتحاد الأوروبي حيّز التنفيذ، وبالمقابل تُمارَس عليه ضغوط أمريكية وأوروبية لإحياء المفاوضات. ويهدف تصريحها أنها ستؤمن لنتنياهو "ظهرا" سياسيًّا أن تتيح له حرية حركة في المجال السياسي دون الخشية على استقرار حكومته. ذكرت يحيموفيتش في الرسالة رئيس الحكومة الراحل مناحيم بيغن، الذي كان هو الآخر رئيسًا للّيكود، "الذي تعرض لضغوط لا بأس بها، ومع ذلك آثر اختيار العمل الجريء والتاريخي: معاهدة سلام مع مصر، بكل المعاني القاسية لذلك آنذاك".

يجدر الذكر أنه في الوقت الذي يحتل فيه حزب "البيت اليهودي" 12 مقعدًا في الكنيست، وفي حال انسحب من الائتلاف فسوف يحلّ الحكومة، يملك حزب العمل الذي أعلن عن استعداده ليكون شبكة أمان لنتنياهو، 15 مقعدا في الكنيست، إذ أن شيلي يحيموفيتش قادرة على استبدال "البيت اليهودي" في الائتلاف إذا وجدت ذلك مناسبا.

يجدر التنويه إلى أن شبكة الأمان التي سوف يحظى بها رئيس الحكومة في حال عودته إلى المفاوضات هي شبكة كبيرة، إذ تطرقت رئيس حزب "ميرتس" عضوة الكنيست زهافا غلؤون إلى إمكانية استئناف المفاوضات السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، وأوضحت لمحطة "غالي تساهال" أنها "ستمنح حكومة نتنياهو دعمًا كاملا" إذا تم إجراء المفاوضات بالفعل‎.‎

وقد تطرق الوزير عمير بيرتس هو أيضا إلى احتمالات استئناف المفاوضات قائلا: "رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يرغب بالفعل بالمفاوضات السياسية. نحن في حزب "الحركة" نشارك في الحكومة ولكن ذلك بسبب احتمال استئناف المفاوضات السياسية فقط".