لا شكّ أبدا بأنّه إذا كانت الانتفاضة الأولى قد سُمّيت "انتفاضة الحجارة"، وإذا كانت الانتفاضة الثانية قد سُمّيت "انتفاضة حافلات الجحيم"، فمن الممكن تسمية أحداث العنف في الأسابيع الثلاثة الأخيرة "انتفاضة مواقع التواصل الاجتماعي". أطفال تويتر وفيس بوك الفلسطينيين، الذين لم يبلغ معظمهم 17 أو 18 عاما، يأخذون الأمور إلى جانبهم ويخرجون إلى عمليات قتل بهدف قتل أكبر عدد ممكن من اليهود وذلك من أجل إنقاذ المسجد الأقصى.

مواقع التواصل الاجتماعي في إسرائيل مغرَقة هي أيضا بوفرة من خطاب الكراهية والتهديدات ضدّ الفلسطينيين والمواطنين العرب الأبرياء. تهديدات بمقاطعة المصالح التي يملكها العرب، ضرب المارّة العرب، التهجّم على المذيعين العرب والتهديدات المتكرّرة بتفتيش كل عربي يعيش وسط اليهود خوفا من مشاركته في أعمال العنف.

"الأقصى لن يقسم"

"لن يقسم"

"لن يقسم"

على خلفية المخاوف الفلسطينية والعربية من التقسيم الزمني للصلاة في الحرم القدسي الشريف وتخصيص أوقات خاصة يكون فيها محظورا على المسلمين الصلاة، سُمّيت الحملة الفلسطينية الحالية، التي ترافق الأعمال العدائية "الأقصى لن يقسم"، حيث يدعو بعضهم للخروج بانتفاضة بهذا الاسم.

في مواقع التواصل الاجتماعي وفي تويتر على وجه الخصوص تم إنشاء وسم (هاشتاغ) بهذا الاسم، وأرفقتْ إليه مئات الصور مع هذه العبارة أو مع قبضات مرفوعة إلى السماء. وقد اعتمدت القنوات التلفزيونية العربية أيضًا هذا الشعار وخصّصت فقرات بثّ مطوّلة ويومية من أجل المسجد الأقصى.

وقد قفز المشاهير العرب هم أيضا على هذه الفرصة، حيث أوضح المغنّي الشهير محمد عسّاف على سبيل المثال بأنّ المسجد الأقصى لن يسقط. لقد تم عرض إسرائيل في الإعلام العربي كساحرة تتآمر لتدمير المباني المقدّسة عند المسلمين.

ولكن بخلاف الكثيرين في العالم العربي، وفي المجتمع الفلسطيني على وجه الخُصوص، نشر الصحفي المصري خالد دياب مقالا في موقع شبكة الجزيرة، كتب فيه بأنّه تحديدًا مؤيّد لإعطاء وقت صلاة لليهود في الحرم القدسي الشريف. بحسب كلامه، فالحرم القدسي الشريف هو مكان مقدّس أيضًا بالنسبة لليهود. "رأيي، حتى لو أثار جدلا، ليس منقطع النظير"، كما يذكّر. "بعد استسلام القدس للجيوش الإسلامية، سمح الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لليهود، الذين تم نفيهم من قبل البيزنطيّين، بالعودة مجدّدا إلى القدس. أمر عمر بتنظيف الحرم القدسي الشريف، الذي تم استخدامه كمزبلة من قبل البيزنطيّين، وبحسب بعض المؤرّخين، فقد سمح لليهود بممارسة صلواتهم هناك. استمرت هذه الممارسة لنحو مائة عام، في العهد الأموي". ويؤكّد دياب أنّه في القرن الواحد والعشرين "المستنير"، يجب على المسلمين واليهود تقسيم هذا المكان المقدّس وأن يكشفوا مجدّدا عن الفترة الطويلة التي مرّت بالتعايش. وهو يجد صعوبة في أن يصدّق بأنّ حسن النية والتسوية حول هذا المكان المقدّس لكلا الديانتين ستتحقّق بدون السلام وإيجاد حلّ للصراع.

وكالمعتاد، في العالم العربي، وخصوصا في مواقع التواصل الاجتماعي، لم يسلم الزعماء العرب من الانتقادات والذين بحسب كثيرين يفضّلون الكلام ولا يفعلون الكثير من أجل الأقصى، ومن أجل الفلسطينيين عموما. تم تقديم الزعماء وأنظمتهم بأنّهم رغم إدانتهم لإسرائيل ولكنهم يكتفون بذلك.

على خلفية موجة العمليات التي تضرب إسرائيل في الأيام الأخيرة، تم إنشاء وسوم عديدة في مواقع التواصل الاجتماعي، مثل "الانتفاضة انطلقت"، "الانتفاضة الثالثة"، "انتفاضة القدس"، "انتفاضة السكاكين"، "قبل الطعن، سمّم السكين"، تمثّل هذه الوسوم بنية تحتية للتحريض الشديد ضدّ اليهود وإيذائهم. وقد بارك الكثير من المغرّدين في هذه الوسوم العمليات، ووصفوا منفّذيها "بالأبطال"، وهدّدوا بعمليات أخرى قريبا وشجّعوا آخرين على تنفيذ عمليات طعن مشابهة.

وقد نشر متصفحون فلسطينيون أيضًا طوال الوقت أفلام فيديو تم فيها كما يفترض توثيق عمليات إعدام الشباب الفلسطينيين الذين يُقتلون بعد أن حاولوا طعن أو دهس الأبرياء، ويدّعون أنّها تشويه للحقيقة من قبل الإسرائيليين وبأنّ "الصهاينة" يحاولون اغتيال المسلمين أينما كانوا.

انتفاضة الهواتف الذكية

مواقع التواصل الاجتماعي تزداد عنفاً

مواقع التواصل الاجتماعي تزداد عنفاً

الشبكة مضطربة في أوساط الإسرائيليين أيضا. في مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في رسائل الواتس آب يتم نشر مقاطع فيديو عنيفة لقتل منفّذي العمليات الفلسطينيين على خلفية هتافات تدعو "الموت للعرب" والغضب في الشوارع. لقد تغيّرت التغطية الإعلامية منذ زمن ويوثق الإسرائيليون الذين يصادفون موجات العنف كل شيء تقريبا، حتى لو كان الحديث عن صور فظيعة والتي لا تعرضها القنوات التلفزيونية على البثّ.

ورغم أن أجهزة البثّ لا تنشر مقاطع الفيديو القاسية، ولكن سلسلة من مقاطع الفيديو الأخرى، التي تم تصويرها في نفس وقت حصول العمليات في الأيام الأخيرة، يتم بثّها دون توقّف ويتم تناقلها بواسطة الهواتف الذكية ورسائل الواتس آب. يسحب المواطنون الذين يتواجدون في المكان الجهاز المحمول، يوثّقون وينشرون تصويرهم كانتشار النار في الهشيم، وتصل التغطية أيضًا لوسائل الإعلام فورا.

هناك ميزة أخرى يمكن أن نجدها في مواقع التواصل الاجتماعي في إسرائيل وهي موجة من الكراهية ومقاطعة المصالح التجارية التي يملكها عرب إسرائيليون. في أكثر من مرة، تم نشر صور في الشبكة لمصالح يملكها عرب وتحذير اليهود من التسوّق من هذه المصالح. تضرّ هذه المقاطعات بشكل مباشر بالمصالح العربية رغم أنّه ليست هناك علاقة لهم بالأحداث الدموية.

كشف تقرير أعدّه معهد دراسات إسرائيلي، لرصد ارتفاع مستوى العنف في مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العبرية، عن بيانات مقلقة بشكل خاصّ. بتاريخ 1.10 قُتل الزوجان هنكين أمام أطفالهما، وفي الأسبوعيين الماضيين منذ ذلك الحين بدأت حوادث الإرهاب في شوارع البلاد. منذ ذلك اليوم تم إجراء الفحص الذي تم بناء التقرير عليه، وتم تسجيل أكثر من 200000 محادثة على خلفية عنصرية وتحريضية. في كل شهر أيلول كانت هناك 8600 دعوة للعنف الجسدي.

اختار نحو نصف المعلّقين اتهام "الطرف الآخر" (العرب، اليساريين، اليمينيين، المستوطنين، الحكومة وغيرها) بالمسؤولية عن الأحداث، باقتراح حلول راديكالية أو الشتم/ بالتهديد بإلحاق الإيذاء الجسدي.‎ ‎تم توجيه نصف العنف اللفظي ضدّ السكان العرب، وثلثه ضدّ الحكومة أو ممثّليها. 5% فقط من مجموع عبارات العنف تم توجيهها ضدّ اليمينيين أو المستوطنين.‎ ‎في الأيام الأولى، كانت معظم الردود حول الحزن على أسر القتلى وإدانة الحوادث الإرهابية.‎ ‎

تم توجيه معظم الدعوات للعنف الجسدي ضدّ السكان العرب واليساريين. اشتعل بضع مئات من المحادثات للتهديد بالعنف المباشر ("سوف أؤذيك")، بشكل أساسيّ من قبل يمينيين ضدّ يساريين.

لقد انتقلت الانتفاضة منذ زمن إلى المساحة الافتراضية ومواقع التواصل الاجتماعي، هناك حيث لا يمكن أن نرصد أو أن نرى في الواقع من يقف خلف التحريض، الأقوال العنصرية، الشتائم أو حتى تبنّي الخطاب الأكثر حدّة للدفع نحو أعمال العنف.