وقّع مناحيم بيغن عام 1978، بعد خمس سنوات من صدمة حرب تشرين؛ التي سقط فيها أكثر من ألفي جندي إسرائيلي وتم أسر ثلاثمئة تقريبًا، اتفاقية سلام مع مصر؛ الدولة التي قادت العالم العربي ضدّ إسرائيل طوال 30 عامًا.

إذًا، كما هي الحال اليوم، عندما يتصرف قائد اليمين تصرفًا منطقيًّا ويبحث عن السلام بدل الحرب، يقوم رفاقه في اليمين ضدّه. وقف ضدّ مناحم بيغن في الكنيست، بخصوص توقيع اتفاقية السلام مع مصر والانسحاب من سيناء، غيئولا كوهن وابنها تساحي هنغبي في ياميت. عارض هنغبي ومن معه في الجيش بالقوة بينما استقالت غيئولا كوهن ومن معها من الليكود وأسسوا حزب "هتحيا". تم تحقيق أحد أهم الإنجازات الاستراتيجية في تاريخ دولة إسرائيل، نتيجة ذلك المفترق السياسي الهام، فقد اليمين رشده وانقسم حزب الليكود.

مناحيم بيغن وأنور السادات في حفل توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلة المصرية (AFP)

مناحيم بيغن وأنور السادات في حفل توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلة المصرية (AFP)

اندلعت الانتفاضة الثانية بعد صدمة حرب تشرين بـ 27 عامًا، عام 2000. اعتلى شارون، المهندس المعماري الذي أعاد بناء الليكود والبلدوزر الذي وقف خلف عشرات المستوطنات، سدة الحكم ووعد بأن يقضي على الإرهاب. لقد فشل وفي عام 2005، بدا كقائد عسكري مستعد للاعتراف بفشله،  كطفل يتصرف بغضب، قام بانسحاب أحادي الجانب من غزة. لم يكن مستعدًا أن يبقى في مصيّدة الموت تلك المسماة غزة ولم يكن على استعداد للتفاوض مع القادة الفلسطينيين. هكذا تمالانسحاب، أحادي الجانب، من غزة.

تمامًا كما في عهد بيغن، اعترض الكثير من اليمين على ذلك. قاد المجلس الإقليمي "يشع"، حملة وبادر إلى الدعوة لمظاهرات وصلوات ضدّ الانفصال؛ وقام نشطاء من اليمين بسد الطرقات ونادوا الجنود بالعصيان، وفي أقصى تلك الأحداث، قام نشطاء متطرفون من اليمين؛ أمثال عيدان نتان - زادا وآشر فايزغن، بقتل ثمانية عرب، بينما قام آخرون بإشعال أنفسهم. قاد اعتراض اليمين شارون وعدد كبير من قادة الليكود إلى ترك الحزب ولإقامة حزب "كاديما". وللمرة الثانية، انقسم اليمين وفقد رشده وانقسم الليكود.

ماذا سيحل بمستقبل نتنياهو السياسي؟ يبدو أن نتنياهو أيضًا دخل مفترق الطرق الذي دخله من قبله بيغن وشارون واتجها يسارًا بينما اليمين ينحدر إلى اليمين أكثر فأكثر. يدير الصراع الحالي مع حماس وكأنه يساري يبحث عن تسويات وحوار، ولا يتردد بإدخال القوات البرية. عرض "الهدوء مقابل الهدوء" ووافق على المظاهرات الإنسانية. نجح نتيجة ذلك بعزل حماس، إنجاز هام في وقت الحرب وله آثار كبيرة بعيدة المدى - إن كان لدى إسرائيل الشجاعة بأن تستغل الوضع الجديد. والأهم من كل شيء، فهو يدرك أنه في ميزان الثمن والمقابل، التغلغل في غزة قد ينتهي بفشل ذريع. حتى هذه اللحظة، ظهيرة السبت، لم تحظ حماس بـ "صورة نصر" وعلى وجهها صفعة دبلوماسية، بعد أن أبدت الولايات المتحدة والأمم المتحدة شجبها لحركة حماس ولم تشجب إسرائيل على قتلها 1600 فلسطيني. يقترح "أحيتوبليون" من اليمين على نتنياهو أن يخسر كل هذا فقط لإشباع رغبتهم بالانتقام.

رئيس الحكومةالسابق أريئيل شارون وبنيامين نتنياهو (AFP)

رئيس الحكومةالسابق أريئيل شارون وبنيامين نتنياهو (AFP)

ولكن أولئك الـ "أحيتوبليون" لا يقدمون الاستشارات وحسب. بل إنهم سحبوا خناجرهم السياسية وطعنوه بها في ظهره. وهنا تكمن ورطة نتنياهو: هل يبقى مع اليمين الذي يزداد تطرفًا، أم يفعل "فعلة بيغن" ويتحاور مع العدو اللدود؟

أثبت نتنياهو أنه لا يثق بالثمن الذي يتوجب بذله للقضاء على حماس، ولهذا لم يتغلغل بشكل عميق في غزة. ولكن نتنياهو يعرف أنه طالما بقيت حماس في غزة، محاصرة ومشلولة اقتصاديًا، هذا معناه استمرار وتعقد الحرب بين إسرائيل وحماس. يبرز، على ضوء ذلك، السؤال إن كان نتنياهو مستعد للانفصال عن اليمين والانتقال إلى المركز من أجل الدفع ببرنامج سياسي يحل مشكلة جولات العنف والصراع مع الفلسطينيين. بكلمات أخرى، هل سيستمر نتنياهو بسبب عملية "الجرف الصامد" بتغيير سياسي عميق، أم أن السلوك الحالي ليس إلا ضرورة للمشكلة الأنانية في غزة؟ هل تبني سياسة معتدلة حيال الأوضاع في غزة وهو تكتيك مؤقت أو إشارة لتغيير عميق في وجهة النظر؟

ربما بالطبع أن تكون الإجابة ليست أيديولوجية واستراتيجية أبدًا. ربما الإجابة هي تكتيكية. ربما يفضّل نتنياهو أن يكمل حياته السياسية ضمن اليمين، حتى وإن كان هذا اليمين يخونه في اللحظات الحساسة، بدل أن ينتقل إلى معسكر الوسط والعمل مع حلفاء جدد. أي، ربما من أجل حياته المهنية قد يفضّل نتنياهو عدم تقسيم الليكود حتى وإن كان اليمين قد بدأ يفقد رشده.

نُشر المقال للمرة الأولى في موقع ‏Can Think‏