كلا العمليّتين الأخيرتين، قتل الزوجين هنكين والطعن في البلدة القديمة في القدس، مع دلالتيهما الرمزية والعاطفية الكبيرة - قتل والدين أمام أطفالهما الأربعة الصغار، إيذاء عائلة قديمة ومعروفة في الاستيطان وطعن أفراد عائلة وهم عائدون في طريقهم من الصلاة في حائط المبكى - تنذران كما يبدو بفترة أخرى من التصعيد في الضفة الغربية. وتبدو الخطابات الدائمة لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، حول تجنّب قيادة السلطة الفلسطينية إدانة العمليات، أحيانا كمحاولة رخيصة لإحراز النقاط الدعائية في الساحة الدولية ومن ثم تبرير استمرار الشلل في المسار السياسي. ولكن يبدو أن هذه المرة هناك منطق كبير في ادعائه. ليس فقط أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) يتجنّب الإدانة، وإنما أيضًا أنّ مسؤولين في فتح يثنون على "العملية البطولية"، ألا وهي قتل مدنيين غير مسلّحين.‎ ‎

لم يحقّق خطاب عباس في الأمم المتحدة التهديدات التي وزّعها حوله في الشهر الذي سبق مشاركته في الجمعية العامة وإنما يكسر القواعد الخاصة بعلاقة السلطة بإسرائيل. وفي الوقت نفسه تراجع عباس عن نيّته بالانسحاب من بعض الهيئات التمثيلية الفلسطينية. ولكن السلطة تتخذ اليوم خطّ تصعيد خطابي حادّ، والذي يوفّر بُعدًا مكمّلا للعنف في أرض الواقع، بدءًا من ارتفاع عدد المظاهرات كثيرة العدد، مرورا بكمائن الحجارة في الشوارع ووصولا إلى العمليّتين الأخيرتين. في الساحة الداخلية، تتقوّض درجة السيطرة الأمنية لدى السلطة، وخصوصا في مخيّمات اللاجئين.‎ ‎

في تقاطعات حرجة في السنوات الماضية، كثيرا ما استعاد عباس رباطة جأشه وكبح بكل قوة تفجّر العنف. سيكون السؤال المفتاحي في الأسابيع القادمة هو إذا كان هذه المرة أيضًا سيُوزّع توجيهات مماثلة للأجهزة الأمنية التابعة له وإذا كان سينصاع لها المسؤولون. ومع ذلك، فالتطورات المختلفة في الأشهر الأخيرة قد تدل على أنّ نظام الكبح وضبط النفس الذي مارسته إسرائيل والسلطة بشكل مشترك في العقد الأخير قد بدأ بالترهّل. دون استمرار الجهود المشتركة بالطريقة الحالية، التي تمسك بصعوبة فقط بالوضع الراهن (غير اللامع جدا في حدّ ذاته)، فقد تنهار وتتقوّض وتجرف الأراضي إلى موجة واسعة أخرى من العنف، والتي بدأنا نرى بدايتها في أرض الواقع.‎ ‎

عباس ونتنياهو (AFP)

عباس ونتنياهو (AFP)

لقد ضعفت الانتفاضة الثانية قبيل نهاية عامها الخامس، عام 2005.‎ ‎وشهد فك الارتباط عن غزة، في نفس الصيف، أيضًا تضاؤلا للعنف في الضفة. قبل ذلك بقليل، في تشرين الثاني عام 2004، تُوفي ياسر عرفات.‎ ‎

لم يتمسّك خليفته في قيادة السلطة، عباس، باللغة المزدوجة، الكاذبة، الخاصة بسلفه فيما يتعلق بالإرهاب. عام 2006 وقفت إسرائيل والسلطة ضدّ ما رأوه خطرا مشتركا، واضحا وفوريا: وهو انتصار حماس في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية، والذي تُرجم بعد مرور عام بالسيطرة العنيفة للحركة على القطاع. حينها أيضًا بدأت خطوات للعودة التدريجية للسيطرة الأمنية الفلسطينية على مدن الضفة، خطة جنين وخطة الجنرال الأمريكي دايتون لتدريب أجهزة السلطة.‎ ‎

لقد عمل التنسيق الأمني لأنّ السلطة كانت مهتمة بذلك على ضوء البدائل الخطيرة بالنسبة لها: عودة الانتفاضة (التي دفع الفلسطينيون ثمنا باهظا لاندلاعها، بل وأكثر ممّا دفعه الإسرائيليون) وفي أعقابها عودة الفوضى أو بدلا من ذلك سيطرة حماس أيضًا على الأراضي الفلسطينية المتبقية، في مدن الضفة. في الواقع، لقد أخذت السلطة على نفسها دور المقاول الثانوي للأمن الإسرائيلي، حيث تبرّر ذلك بالحاجة إلى الحماية ضدّ التهديد الذي تشكّله حماس. وفي المقابل، خفّفت إسرائيل من الضغوط العسكرية على مدن الضفة، وساعدت في إعادة إعمار اقتصادها ووزّعت وعودًا غامضة حول مستقبل سياسي أفضل.‎ ‎

أيضًا عندما عصفت النفوس في الضفة وإسرائيل (موجة "العمليات الفردية" في عام 2013، اختطاف وقتل الشبان الإسرائيليين الثلاثة في جوش عتصيون وقتل الفتى محمد أبو خضير في القدس في صيف 2014، موجة العمليات القاسية في العاصمة حول الأزمة في الحرم القدسي الشريف في الخريف الماضي)، صمد هذا النهج. بل وحتى بعد عملية "الرصاص المصبوب" في القطاع عام 2009، ومع عدد القتلى جرائها الذين كانوا أكثر من 1,200 فلسطيني وعملة "الجرف الصامد" في العام الماضي (نحو 2,200 قتيل فلسطيني)، لم تخرج الضفة عن السيطرة تماما. لقد حرصت السلطة على التدخّل وتهدئة النفوس، وخصوصا لأنّ الثمن المحتمل لزيادة العنف، بما في ذلك انهيار السيطرة على الضفة وفقدان سبل العيش لعشرات الآلاف من الموظّفين وأعضاء فتح، سيكون ثمنا باهظا جدا بالنسبة لها.‎

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (AFP PHOTO/CRIS BOURONCLE)

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (AFP PHOTO/CRIS BOURONCLE)

يبدو أن النموذج الحالي يقترب الآن من نهايته. أحد أسباب ذلك هو الشعور باليأس بخصوص احتمالات المسار السياسي، والذي تمثّل بخطابات عباس الأخيرة. يدرك الفلسطينيون أنّ نتنياهو لا يرغب حقّا برؤيا حلّ الدولتين. وإنْ كان لا يزال هناك شكّ، فقد تشكّل الاعتراف النهائي بذلك على ضوء إجراءات رئيس الحكومة وتصريحاته في فترة المعركة الانتخابية، في بداية العام. في المقابل، فقد بدأ عباس، ابن الثمانين عاما، بالتفكير بالإرث الذي سيتركه خلفه. يبدو أنه لم يعد يخدع نفسه بأنّ إرثه سيتضمّن اتفاقا سياسيا دائما ومستقرّا، والذي يجد جزء كبير من الفلسطينيين على أية حال صعوبة في قبول التنازلات المقترنة به.‎ ‎

كرّس نتنياهو ووزير الدفاع، موشيه (بوغي) يعلون، في السنوات الماضية جهودهما في إدارة الصّراع، بدلا من حلّه. كان لديهما ادعاءان مركزيان، حظيا بدعم كبير لدى الشعب الإسرائيلي: الفجوات الطبقية بيننا وبين الفلسطينيين كبيرة أكثر من إمكانية التسوية على المدى القريب وتخيّم الاضطرابات في العالم العربي، بما في ذلك مخاطرها العديدة، في نفس الوقت على خطورة الصراع الفلسطيني وثمن دمائه السنوية.‎ ‎على مدى ست سنوات ونصف من الحكم الحالي لنتنياهو سُجّل عام واحد صعب بشكل عام، 2014، والذي جرت فيه الحرب ضدّ حماس في غزة. ولكن على مدى معظم الفترة بدا أنّه على الرغم من العمليات التي جرت في الأراضي مرة كل بضعة شهور، فإنّ الواقع الأمني كان تحت السيطرة.‎ ‎والآن، يجد نتنياهو صعوبة أكبر في الإقناع بعدالة قضيته. المستوطنون هم الذين فقدوا الثقة بخطوات الحكومة، بشكل واضح. في السنة الماضية، تضرّر الإحساس بالأمن الشخصي لديهم بشكل كبير في شوارع الضفة. وقد عادت محاولة مجلس البلدات اليهودية في الضفة الغربية وغزة بتسويق السامرة كنوع من التوسكانا المحلية، في سنوات الهدوء النسبيّ، وتحطمت على أرض الواقع.‎ ‎

ومن الصعب أيضًا تجاهل المكوّن الديني المتعاظم في الصراع - الاحتكاك المستمرّ بين اليهود والمسلمين حول ترتيبات الزيارة والصلاة في الحرم القدسي الشريف، الخوف الفلسطيني الكبير من تلاعب إسرائيلي في الحرم القدسي الشريف، المجزرة في الكنيس في حي هار نوف في القدس في تشرين الثاني في العام الماضي وجرائم الكراهية لإرهابيين يهود، والموجّهة في الغالب ضدّ المساجد والكنائس. في جزء منه، ينعكس تأثير الأحداث الإقليمية أيضًا. في قطاع غزة وفي أوساط العرب في إسرائيل تم الكشف فعلا عن خلايا صغيرة، استمدّت الإلهام من عمليات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإجرامية. معظم الإرهاب يأتي الآن من "الأسفل"، من تنظيمات محلية أو حتى كمبادرة شخصية لإرهابي فردي. ليس فقط أنّه من الصعب التعرّف وإحباط عمليات إرهابية كهذه مسبقا، إلا أنّه لدى قيادة التنظيمات خارج الضفة سيطرة قليلة عليها.‎

مسجد قبة الصخرة في القدس (Flash90/Sliman Khader)

مسجد قبة الصخرة في القدس (Flash90/Sliman Khader)

بالإضافة إلى ذلك، فقد تضرّر الجناح العسكري لحركة حماس كما يبدو كثيرا في موجة الاعتقالات التي قامت بها إسرائيل والسلطة في العقد الأخير. فضلًا عن ذلك، فرغم الجهود الكبيرة وتجنيد محرّري صفقة شاليط الذين طُردوا من الضفة إلى القطاع في مهامّ، فإنّ قيادة الحركة في غزة تقف خلف العمليات الفردية فقط ولا تزال غير قادرة على إملاء الأحداث في الضفة.‎

لم تتعرّف أذرع الاستخبارات في إسرائيل على وضع جديد جذريّا في الضفة، رغم الأحداث الأخيرة. يبدو أن الميدان يسبق التحليل الاستخباراتي. والآن، تواجه إسرائيل مشكلة في الأدوات القديمة: تدفق القوات العسكرية بنطاق محدود، عمليات الاعتقال والضمانات المحددة التي يطرحها نتنياهو ويعلون لمحاسبة القتلة. ولكن في هذه المرحلة بات واضحا أنّ ما يحدث هو انزلاق على المنحدر. حادث أو حادثان آخران - كعملية إجرامية في شوارع الضفة أو انتقام يهودي في قرية فلسطينية - قد يفاقمان الصراع ويطلقان الطاقات العنيفة، حيث كان الطرفان بشكل عام قادرَين على الحفاظ على نار هادئة نسبيًّا على مدى العقد الأخير.‎ ‎

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في‎ ‎‏صحيفة "هآرتس‏‎"‎‏‏