في الخطاب المصقول الذي ألقاه رئيس الحكومة في الجمعية العامة للأمم المتحدة أول البارحة (الإثنين) تم وصف الشرق الأوسط، بنوع من التعميم، كمنطقة مليئة بالمخاطر وإسرائيل في وسط ذلك الخطر. يجب أخذ الحيطة والحذر - وعلى اليهودي أساسًا أن يفكر مرتين قبل أن يخرج من بيته.

في العالم، وفقًا لكلام بنيامين نتنياهو، الإسلام موجود في كل مكان والأكثرية منهم متطرفين وتواقين للانقضاض على فريسة. إيران هي الدولة الإسلامية، أي داعش، أي حماس. وجميعها معًا أو كل واحدة على حدة مصممة على محاربة الغرب وبرأس حربتها، إسرائيل. تكمن الإمكانية الإيجابية من ناحية إسرائيل ليس في السلام الممكن مع ذاك الشخص المعروف بإنكاره للهولوكوست، أبي مازن، بل بوعد غير واضح تمامًا فيه التقاء مصالح مع دول سنية معتدلة مثل الأردن ومصر.

الخمسين تدرجًا للون الأسود في المنطقة التي تحدث عنها رئيس الحكومة قائمة بالفعل. وأيضًا هنالك مصداقية كبيرة في تحذيره للمجتمع الدولي ألا ينسوا تهديد النووي الإيراني، فقط بسبب التركيز الجديد الأخطر من قبل التنظيمات الجهادية السنية وعلى رأسها داعش.

إيران، بالنسبة لإسرائيل، هي عدو ذكي وإشكالي جدًا. ليس فقط بسبب النووي، بل بسبب الدعم الكبير الذي تمنحه للتنظيمات الإرهابية والحركات السرية في كل منطقة الشرق الأوسط. وأظهرت محادثة مع مسؤول أمني كبير، ساعات قبل خطاب نتنياهو، صورة مختلفة بعض الشيء عن الواقع الاستراتيجي في المنطقة. ربما أقل تماسكًا وأقل إقناعًا من الناحية التفسيرية، ولكنها أكثر تعقيدًا.

إسرائيل، وفقًا لهذه الصورة، ليست في مركز القصة الإقليمية: ليس فقط لأن حل الصراع الفلسطيني لم يعد يُعتبر مفتاحًا لحل كل المشاكل في الشرق الأوسط، إلا أنه بسبب ما يحدث خارج حدودها في العام - عامين الأخيرين (كنتيجة لاحقة لاندلاع ثورات الربيع العربي) وهو أمر كبير إلى أبعد حد منذ زمن وحضور إسرائيل فيه هو هامشي جدًا. يلقي صراع البقاء بين الشيعة والسنة المتطرفين بظلاله ليس فقط داخل الحدود التي حددتها "اتفاقية سايكس بيكو" فقط بل يغيّر بشكل كبير حياة عشرات ملايين الأشخاص الذين يسكنون في المنطقة الواقعة بين لبنان وحدود العراق مع إيران.

الدبلوماسيون الكبار من الدول الست الكبرى خلال لقائهم الأخير مع وزير الخارجية الايراني ظريف في فِييَنَّا (DIETER NAGL / AFP)

الدبلوماسيون الكبار من الدول الست الكبرى خلال لقائهم الأخير مع وزير الخارجية الايراني ظريف في فِييَنَّا (DIETER NAGL / AFP)

هذا صراع تاريخي، واسع، لا تظهر بوادر نهايته في الأفق. أصبح ذلك أكثر حدة مع الظهور الفجائي لتنظيم داعش، الذي دخل الفراغ الذي خلفه ضعف نظامي الحكم في سوريا والعراق. لولا اندفاع التنظيم بغوغائيته وبحربه الإعلامية الطائشة، وقراره إعدام ثلاثة صحفيين وناشطين غربيين في طواقم الإغاثة بين نهاية آب ومنتصف أيلول لكان من الممكن أن يستمر ويقتل آلاف الشيعة، العلويين واليزيديين.

ولكن، نجاح داعش كان مدمرًا. هز نَشْر الفيديوهات المروعة، التي تظهر فيها عملية قطع الرؤوس، الغرب وأيقظه من غفوته ليتم تشكيل التحالف العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة. هكذا جاء في القرار، قيام الغرب بشن غارات جوية داخل الحدود السورية والعراق. الأمر الذي لم تفعله ثلاث سنوات من المجازر المروعة التي ارتكبها نظام الأسد ضد المواطنين المصطفين في المعسكر المعادي للنظام في سوريا، ولا ذلك الهجوم بالأسلحة الكيميائية في شهر آب المنصرم، ولكن قد فعلت ذلك ثلاثة فيديوهات قتل كانت الضحايا فيها من الأمريكيين والبريطانيين. بالنظر إلى إسرائيل، الغارات الجوية ضد تنظيم داعش تعطي نتائجها الأولية وتنطوي أيضًا على نتائج أفضل بكثير.

تراجعت قوات التنظيم تحت الضغط الذي يمارس عليها في عدة مناطق في سوريا، بما في ذلك المنطقة الكردية التي تحرك فيها التحالف متأخرًا. يلائم تنظيم داعش أيضًا نفسه تدريجيًا للواقع الجديد ويعمل على تقليص الظهور العسكري له بغرض التخفيف من حجم التعرض للغارات الجوية. لن تكون، على أي حال، الغارات الجوية كافية للقضاء على داعش أو دعم جهات المعارضة السورية الأكثر اعتدالاً في حربها ضد بشار الأسد. يتمنون في إسرائيل أن تكون هذه الغارات الجوية بُشرى جيدة تُشير إلى تغيير النهج الأمريكي، والذي سينتج عنه، وإن كان ذلك متأخرًا جدًا، دعم كبير بالمال والسلاح لتنظيمات مثل الجيش الحر.

طائرة تورنادو بريطانية تحط في قاعدة اكروتيري في قبرص بعد المشاركة في الغارات (AFP)

طائرة تورنادو بريطانية تحط في قاعدة اكروتيري في قبرص بعد المشاركة في الغارات (AFP)

في هذه الأثناء، تمكنت جماعات المتمردين من السيطرة على 90% من الحدود مع إسرائيل، ما عدا "جبل الشيخ" وقرية حضر الدرزية المجاورة. بقيت الميليشيات المعتدلة ملتزمة بما يمكن تسميته التزامًا تجاه إسرائيل ومنعت في غالبية المناطق من تواجد التنظيم الأكثر تطرفًا، جبهة النصرة، من الاقتراب من الحدود ذاتها. هذا وضع حساس ولكن أجهزة الأمن لا تجد في ذلك الأمر خطرًا محدقًا حاليًا.

ما هي مكانة إسرائيل في كل هذه الصراعات؟ أجهزة الأمن المختلفة تُبدي إجماعًا. على إسرائيل أن تنتبه من الانجرار إلى وسط صراعات لا تعنيها. عليها أن تستمر بالتصرف بمسؤولية، أن تُظهر صرامة بمسألة أي محاولة للمس بأراضيها، ولكن عليها أن تفهم أنها ليست هي التي تحدد الحيثيات الإقليمية. تعني الإدارة الذكية خلق تحالف، راسخ وأحيانًا مؤقت، مع دول وحتى مع تنظيمات محلية. كل ذلك يجب أن يتم من خلال فهم بأن كل الأحداث التي تقع حاليًا ستهز المنطقة لفترة طويلة.

نُشرت هذه المقالة لأول مرة في موقع هآرتس