هنا رضى في المنظومة الأمنية الإسرائيلية من الهدوء الذي يسود الضفة الغربية في السنوات الأخيرة. ولكن في الأشهر الأخيرة فإنّ هذا الهدوء يتم خرقه عدّة مرات، ويريد الجيش الإسرائيلي أن يؤكّد أنه يجري الحديث عن أحداث عيّنية وإرهاب مستقلّ، وليس بتنظيم إرهابي يشكّل تهديدًا.

في جولة خاصّة في نقاط الاحتكاك في الضفة الغربية، أوضح المسؤول العسكري لـ "المصدر" أنّ مصلحة الحفاظ على الهدوء موجودة لدى كلا الطرفين. يتمركز القليل من نقاط التفتيش في الضفة، المعابر مفتوحة والحركة سهلة نسبيًّا في جميع مناطق الضفة. والاقتصاد الآن مستقرّ نسبيًّا، وليس هناك تواجد محسوس للجيش الإسرائيلي في المدن باستثناء العمليات والاعتقالات المحدّدة.

"تتحوّل رام الله إلى مدينة حديثة غربية، ويُفتتح فيها المزيد والمزيد من فروع الشبكات الدولية، ابتداءً من ماكدونالز وكنتاكي وغيرها"، يروي المصدر العسكري. "الفلسطينيون يعلمون أنّه من غير المفضّل لهم تصعيد الأوضاع. هم الرابح الرئيسي من هذا الهدوء".

مدينة رام الله - "تتحوّل إلى مدينة حديثة غربية" (Miriam Alster Flash90)

مدينة رام الله - "تتحوّل إلى مدينة حديثة غربية" (Miriam Alster Flash90)

ولذك، حسب تعبيره، هناك عدّة عوامل ملحوظة تساهم في الاستقرار الأمني. أحد أهمّ هذه العوامل هو التعاون مع السلطة والمؤسسات الفلسطينية. "مصلحة عباس الآن هي الحفاظ على الهدوء، لأسبابه الذاتية".

هذا لا يحدث في جميع المناطق، ولكن في معظم الأماكن هناك منظومة مصالح مشتركة. "المصالح المشتركة الأهم للجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية هي منع الإرهاب، وأيضًا إضعاف حماس في مناطق الضفة".

والمشكلة مع كلّ ذلك هي أنّها مصالح مشتركة ابتداء من هذه اللحظة. "لا يمكن أن نعرف متى يتغيّر ذلك".

مظاهرة مأيدة لحماس في رام الله; "إضعاف حماس في الضفة هو مصلحة مشتركة للجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية" (Issam Rimawi/Flash90)

مظاهرة مأيدة لحماس في رام الله; "إضعاف حماس في الضفة هو مصلحة مشتركة للجيش الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية" (Issam Rimawi/Flash90)

ولذلك، لا يسمح الجيش الإسرائيلي لنفسه بأنّ يعتمد على أي أحد آخر. "عامل الاستقرار" الأول، يقول المسؤول، هو تمكّن الجيش الإسرائيلي من العمل في جميع مناطق الضفة. "في كلّ ليلة يقوم الجيش الإسرائيلي بعمل عدّة اعتقالات داخل منطقة A، وهو يعمل مع الكثير من الدقة، بشكل أساسيّ عن طريق المعلومات التي نتلقّاها من الشاباك، ولكن أيضا بالدمج مع عمل استخباراتي جيّد، بل معلومات تأتي من الشبكات الاجتماعية والفيس بوك بشكل أساسيّ، وهو مجال جمع المعلومات الذي نحسّن من أدائنا فيه".

حسب تعبيره، بفضل تمكّن الجيش الإسرائيلي من الوصول إلى كلّ مشتبه، يعلم الفلسطينيون اليوم أنّه لا يجدي لهم أن يحاولوا تنفيذ عمليات إرهابية. وأيضًا بسبب ما يصفه بأنّه "الذاكرة المتبقية من عملية الدرع الواقي". لن ينسى الفلسطينيون لفترة طويلة وجود أعداد كبيرة من الجيش الإسرائيلي في فترة الانتفاضة الثانية، ونقاط التفتيش في كلّ مكان.

"كانت رام الله مدينة مدمّرة، مع دبّابات في الشوارع، وتمّ تدمير المقاطعة. لا يريد أحد، لا نحن ولا هم، أن يعود للحياة بتلك الطريقة وأن يرى مشاهد كتلك. يتمتّع الفلسطينيون اليوم من شريان الحياة الذي يعزّزه الجيش الإسرائيلي، ومرة أخرى فهذه مصلحة مشتركة لكلا الطرفين. جميعنا يُفضّل أن يرى رام الله المدينة التي تستمرّ بالتطوّر".

نشاط الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية (Nir Elias/flash90)

نشاط الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية (Nir Elias/flash90)

حسب أقوال المصدر العسكري الإسرائيلي، يخشى الفلسطينيون جدًّا من نتائج "الربيع العربيّ" الذي يحيط بنا. إنّهم حقّا لا يريدون أن ينتهي بهم الأمر كما في سوريا أو مصر، ولذلك فإنّه لا يتوقّع مظاهرات ضخمة أو انقلابات كبيرة. وهو يعتقد أنّ معظم الاعتداءات الفلسطينية خرجت في فترة الانتفاضة الثانية، ولذلك يمكننا القول بأنّه "قد كان لهم الربيع العربي الخاصّ بهم". اليوم تحديدًا يهمّهم الحفاظ على الاستقرار.

ولذلك، فإنّ استقرار الاقتصاد الفلسطيني هو، وفقًا لتقدير المسؤولين في الجيش الإسرائيلي، أحد أفضل سلّم أولويّات المواطِن الفلسطيني. حاليًا، فإنّ حالة الاقتصاد الفلسطيني مستقرّة. ليست جيّدة بشكل خاصّ، لا يمكن القول بأنّ فلسطين دولة غنيّة، ولكن مع ذلك فالاقتصاد مستقرّ.

ومع ذلك لا يمكن أن نقدّر كم من الوقت سيبقى بحالة مستقرّة. نسبة كبيرة من الاقتصاد الفلسطيني مؤسّسة على المعونات، وحالة الفساد كذلك ليست مشجعة. أيضًا، يتمّ اليوم توجيه الشكاوى بخصوص الاقتصاد ضدّ السلطة، ولكن الجيش الإسرائيلي لا يستبعد توجيه إصبع الاتّهام مع مرور الأيام إلى إسرائيل، ولذلك فهو يخشى كثيرًا من التقلّبات الاقتصادية الفلسطينية، ويتابعها بدقة.

مماطلة في دفع الرواتب، وموجات إضرابات واحتجاجات في المدن الفلسطينية (Issam Rimawi)

مماطلة في دفع الرواتب، وموجات إضرابات واحتجاجات في المدن الفلسطينية (Issam Rimawi)

وليس الاقتصاد الفلسطيني فحسب، بل هناك عوامل أخرى يمكنها زعزعة الاستقرار في غمضة عين. القدس على سبيل المثال، والأقصى على وجه الخُصوص، يشكلان نقطة حساسة بشكل خاصّ، وأقلّ انتهاك للوضع الراهن قد يؤدّي إلى عاصفة مرّة أخرى. لقد حدث ذلك في الماضي.

أيضًا قضية الأسرى الفلسطينيين تحظى، مثل القدس، بإجماع واسع بشكل خاصّ، وأصبحت روحًا وطنيّة. ولذلك إنْ حدث شيء لأسير فلسطيني، مثل الإضراب عن الطعام أو التورّط في أذى، فمن الممكن أن يؤدّي إلى "دومينو" من أعمال الشغب، ابتداءً من قرية نفس الأسير، القرى المجاورة، عشيرته في مدن أخرى، وصولا إلى اشتعال الضفّة بأكملها.

ولكن الجيش الإسرائيلي لا يخاف من الفلسطينيين فحسب. فإنّ الأعمال العدوانية للمتطرّفين اليهود، والتي تسمّى في الإعلام "تدفيع الثمن"، وفي الجيش الإسرائيلي "جريمة أيديولوجية قومية"، هي إحدى العوامل الأكثر شيوعًا في الضفة. "إضافة إلى ذلك، حين يكون الحديث عن ظاهرة حقيرة إلى هذه الدرجة، على المستوى الأخلاقي"، يقول المصدر العسكري، "فهذا يشكّل خطرًا على الأمن القومي".

يخشى الجيش الإسرائيلي من تورّط يتشكّل في أعقاب عملية تدفيع الثمن، ويؤدّي إلى تصعيد شامل في المنطقة بأسرها. لقد حدث ذلك تقريبًا قبل عدّة أسابيع، حين وصلت مجموعة من المستوطنين من مستوطنة "إيش كودش" إلى كسرى من أجل تنفيذ عملية تدفيع الثمن، تم القبض عليهم من قبل السكّان المحلّيّين، وبمعجزة فقط، أو بفضل عبقرية بعض السكان المحلّيّين، تم تجنّب الكارثة.

إيقاف لمنفذي عمليات "تدفيع الثمن"  (Flash90)

إيقاف لمنفذي عمليات "تدفيع الثمن" (Flash90)

"تخيّلي لو تمّ قتل شخص ما في هذه المواجهة، أو تطوّر ذلك إلى جريمة قتل. خرج المستوطِنون لعملية انتقام، واضطر الجيش الإسرائيلي إلى التدخّل لمنع المزيد من القتلى، والمسافة بين ذلك وبين يوم غضب أو أعمال شغب ليست كبيرة".

حسب تقديرات مسؤولين في الجيش الإسرائيلي فمن غير المتوقّع حصول انتفاضة ثالثة قريبًا، ولكن لا يمكن التنبّؤ بالمستقبل. في واقع مثل الواقع الذي نعيشه، حيث يفقد الربيع العربيّ سيطرته في كل مكان حولنا، لا يمكن التأكد من شيء. "أستطيع أن أخبرك بأنّه حسب رأيي لن تكون هناك انتفاضة قريبًا. كما قلت، فهذا ضدّ المصالح الفلسطينية. ولكن هل يمكن أن يحدث بعد شهر شيء متطرّف وأكتشف أنّني أخطأت؟ بالتأكيد هذا ممكن".

وعلى السؤال إذا ما كان التقدّم في المفاوضات أو تفجيرها قد يؤثّر على الأوضاع في الواقع، يجيب المسؤول العسكري بشكل مماثل. يقول: "من الناحية التاريخية، في كلّ مرة كان يتم فيها فتح مفاوضات بين الطرفين، كانت هناك جهات لا ترغب في ذلك، وحاولت تخريب العملية بواسطة الإرهاب". "أؤمن الآن أنّ المحادثات ستستمرّ، ولكن الآن لا يوجد في الشارع الفلسطيني تفاؤل في الواقع إزاء التقدّم في المفاوضات التي ستؤدّي إلى إقامة دولة فلسطينية، ولذلك فحتى لو فشلت المحادثات، لا أعتقد أنّه ستكون هناك أيّة خيبة أمل مفاجئة تؤدّي إلى انتفاضة".