تلخّص الباحثة الإسرائيلية، إليزابيث تسوركوف، حالة الفلسطينيين في سوريا بقولها: "ليست هناك اليوم أزمة إنسانية في سوريا أخطر ممّا يحدث في مخيم اليرموك، عاصمة فلسطين السورية". وتقول الباحثة بالإضافة إلى باحثين وصحفيين إسرائيليين آخرين، الذين يتابعون ما يحدث للفلسطينيين في سوريا، إنّ الحرب الأهلية السورية كانت كارثة بالنسبة للجالية الفلسطينية في البلاد. ويقول هؤلاء أيضًا إن العالم، بما في ذلك الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة، لا يفعل شيئا من أجلهم.

وتُظهر المعطيات المعروضة أنّها نكبة ثانية: نحو ثلث الفلسطينيين في سوريا (280,000) اضطرّوا إلى الهرب من منازلهم وأصبحوا مشرّدين داخل سوريا، و 80,000 منهم أصبحوا لاجئين خارج سوريا. أكثر من 2,500 فلسطيني قُتلوا على يد قوات النظام. وتحدث المأساة الكبرى في مخيّم اللاجئين اليرموك.

يعيش في مخيّم اليرموك اليوم - بعد 770 يوما من الحصار، من بينها 570 يوما من الحصار التامّ - نحو 18,000 فلسطيني، وفقا لبيانات الأمم المتحدة. ويقول بعض سكان المخيّم إنّ عدد المحاصرين أكبر ويصل إلى 30,000 شخص، من بينهم نحو 5,000 سوري، وبفضل وقف إطلاق النار الهشّ، استطاعت الأونروا توزيع الطعام على السكان عام 2014 فقط خلال 131 يوما. ومعنى ذلك أنّ السكان يحصلون على المساعدة بنطاق يصل إلى 400 سعرة حرارية في اليوم. وقد تُوفي حتى الآن 165 شخصًا داخل المخيّم من الجوع أو بسبب غياب العلاج الطبّي.

يُباع الطعام القليل الذي يتمّ تهريبه إلى داخل المخيّم بأسعار باهظة، حيث لا يستطيع معظم السكان المحاصَرين إيفاءها. ويعمل الثوار في المخيّم ضدّ التجار الاستغلاليين ويوزّعون الطعام الذين يصادرونه منهم، ولكن هذا لا يكفي لحماية السكان من الجوع. ترتفع أسعار الغذاء في المخيّم بعشرة أضعاف عن الأسعار (المرتفعة هي أيضًا) في شمال سوريا، في المنطقة الواقعة تحت سيطرة الثوار: يبلغ سعر كيلو الأرز نحو 13.5 دولار ويبلغ سعر كيلو البرغل 8.6 دولار.

أما حالة المستشفيات والعيادات في المخيّم فهي كئيبة بشكل خاصّ. دون الكهرباء، الماء والمعدّات الطبّية الأساسية تكون قدرتها على معالجة الجرحى والسكان الذين يعانون من سوء التغذية محدودة جدّا. وعلاوة على ذلك، يستهدف النظام عَمْدًا المستشفيات وسيارات الإسعاف ويُصعّب على نشاطها أكثر. بل تمّ اعتقال أطبّاء وممرّضين من قبل النظام وتعرّض بعضهم للتعذيب حتى الموت.

السبب الرئيسي لموت الكثير من سكان المخيّم تحديدا من الجوع، مقابل حالات مشابهة جرت بشكل أقلّ في بلدات محاصَرة أخرى شرق دمشق، هو الحظر التاريخي الذي فُرض على حيازة الأراضي الزراعية بأيدي الفلسطينيين في سوريا، ممّا جعل مخيّم اليرموك منطقة حضرية تماما دون أراض احتياطية زراعية. في السنتَين الماضيتَين، بدأ سكان المخيّم بزراعة المحاصيل الغذائية في الحدائق ومواقع التخلّص من النفايات، بفضل بذور تمّ التبرّع بها من قبل مزارعين أوروبيين وتمّ تهريبها إلى داخل المخيّم. سمحت الخضروات التي زرعها السكان المحاصَرون بتخفيض أسعار الغذاء قليلا وأنقذت الكثيرين من الموت جوعًا.

وتقول الباحثة الإسرائيلية تسوركوف إنّ معاناة سكان المخيّم المحاصَرين تحظى باهتمام محدود مقارنة بمعاناة الفلسطينيين الذين يعيشون في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، ويرجع ذلك من بين أسباب أخرى إلى أنّ الكثير من النشطاء من أجل فلسطين في الغرب يرون في الأسد معاديا للإمبريالية ويواجه مؤامرة غربية ولذلك فهم "يحافظون عليه من الانتقاد العلني".

ولا تستطيع القيادة الفلسطينية المنقسمة هي أيضًا مساعدة المحاصَرين. قطعت حماس علاقاتها مع نظام الأسد وقامت بانتقاده، ومن ثمّ فلم يعد لديها تأثير عليه. وقد نجحت منظمة التحرير الفلسطينية، والتي حافظت على علاقات جيّدة مع نظام الأسد، في الماضي، بالتوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت، ولكن ليس أكثر من ذلك. وقد أثارت حركة فتح مؤخرا غضبا في أوساط الفلسطينيين في اليرموك لكونها احتفلت بمرور 50 عاما على تأسيسها مع ممثّلين من النظام السوري، على بعد كيلومترات قليلة من المخيّم المحاصَر، وعزّزت بذلك من الشعور بأنّ القيادة الفلسطينية قد تخلّت عن سكّان المخيّم.

وماذا يحدث للفلسطينيين الذين ينجحون في الفرار إلى خارج سوريا؟ لا يُتوقّع منهم شيء. يرفض الأردن ولبنان، وهما الدولتان الأقرب لتجمّعاتهم الكبرى قبل الحرب الأهلية السورية، استيعاب اللاجئين الفلسطينيين - السوريين خوفا من انحراف التوازن الديمغرافي. ولذلك، تمّ طرد لاجئين فلسطينيين - سوريين من تلك الدول وأعيدوا إلى سوريا، من خلال انتهاك صارخ للقانون الدولي، الذي يحظر إعادة شخص إلى مكان يشكل خطرًا على حياته أو حرّيته. أما أولئك الذين نجحوا في الدخول إلى الأردن ولبنان في الوقت المناسب فهم يعانون من التمييز أيضًا بالمقارنة مع لاجئين آخرين قدِموا من سوريا إلى تلك البلدان.