مرّت ثلاث سنوات منذ أن بدأت سوريّا في السقوط نحو الهاوية العميقة للحرب الأهلية العنيفة. عند التعامل مع هذه الأزمة نولي اهتمامًا كبيرًا، وبحقّ، للمأساة السورية الداخلية، ولكن ثمّة منظور آخر، والذي له أهمية كبيرة أيضًا: المنظور الفلسطيني.

تقوم في مخيّمات اللاجئين في البلاد حربٌ عنيفة بين قوات نظام الأسد وقوات الثوار. رغم أنّ للفلسطينيين تاريخ من تأييد النظام، ولكن التطوّرات أدّت إلى أن يحارب بعضهم إلى جانب الثوار. وهكذا نشأت اشتباكات عنيفة داخل المخيّمات بين فلسطينيين أنفسهم، وهو الصراع الذي قد يصل في النهاية أيضًا إلى أراضي السلطة الفلسطينية ويشكّل خطورة على إسرائيل أيضًا.

لهذه الأحداث عواقب وخيمة على مطالب العودة الفلسطينية أيضًا. قُدّر عدد الفلسطينيين في سوريا قبل "الربيع العربي" بنحو 600 ألف شخص. الحديث عن نحو 200 ألف شخص في مخيّم اليرموك، الذي يقع جنوب شرق دمشق ويعتبر أكبر مركز للفلسطينيين في سوريا، أما في لبنان فيُقدّر عدد اللاجئين بنحو 400 حتى 600 ألف. ولكن القتال العنيف أدّى إلى موجات من اللاجئين الفارّين وترك السكان في المخيّم في ظروف صعبة جدّا، والتي عرّفتها الأمم المتحدة بأنّها "كارثة إنسانية". إذا كان الأمر كذلك، فإنّ المخيّمات في سوريا تتدمّر، ويتشتت اللاجئون أو يتمّ استيعابهم في الصراع المحلّي، وتفقد المطالبات التقليدية بخصوص اللاجئين صلتها بالواقع.

الفلسطينيون يتقسّمون

ومن أجل فهم خلفية الوضع الحالي، علينا العودة إلى الماضي قليلا. حتى اندلاع الحرب الأهلية، احترم اللاجئون في سوريا السلطات وتعاونوا معها بمحض إرادتهم. كانت الحكومة متساهلة جدّا معهم، بحيث أصبح اليرموك في الواقع إحدى ضواحي دمشق. تمسّك النظام السوري المتطرّف بأيديولوجية قومية عربية متطرّفة، واحتشد أيضًا قادة اللاجئين في سوريا للتبشير بالأيديولوجية القومية العربية من وجهة النظر الفلسطينية.

مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن (KHALIL MAZRAAWI / AFP)

مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن (KHALIL MAZRAAWI / AFP)

دعمت سوريا قبل الأزمة باستمرار التنظيمات الفلسطينية المتطرّفة؛ فقد دعمت تنظيم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" التابع لأحمد جبريل، واستضافت المكتب السياسي لحماس، برئاسة خالد مشعل. ولكن في الآونة الأخيرة، عندما بدأت الأزمة بالتدهور نحو العنف، اختلفوا فيما بينهم. بينما ظلّ جبريل وقواته موالين لنظام الأسد، انتقلت حماس إلى جانب الثوار، ودعمت جناح جماعة "الإخوان المسلمين" في وسطهم.

الحرب الأهلية والنكبة الثانية

يؤثّر موقف حماس بشكل مباشر على أوضاع الفلسطينيين في سوريا. فقد أظهرت التقارير التي ظهرت في الإعلام العربي مؤخرًا أنّ حربًا أهلية كبيرة تستعر في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين. في نهاية كانون الأول عام 2012، حين تسلّل الجيش السوري الحرّ إلى دمشق، تحوّل مخيّم اليرموك إلى مركز للقتال العنيف وحدث فيه دمار واسع النطاق. بسبب موالاة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة للنظام، بدأت القتال إلى جانب قوات الأسد ضدّ الثوار من تنظيم جبهة النصرة، المحسوبة على تنظيم القاعدة. ويتّضح الآن أنّه على الرغم من سيطرة جبريل على المخيّم، فإنّ تنظيم جبهة النصرة تجذّر فيه أيضًا، وجنّد فلسطينيين لصالحه.

كشفت تقارير مختلفة عن علاقة وثيقة بين الفلسطينيين وحماس والنصرة. وهكذا، فإنّ عناصر تنظيم النصرة في المخيّم هم من الفلسطينيين وليسوا "غرباء". أحد قادة النصرة، أسامة أبو سنّة ("أبو جعفر")، أصلة من غزة، وقائد آخر هو ابن المخيّم واسمه محمد أحمد سليمان ("أبو حمزة").بل وأثبت أحد التقارير أنّ حماس تعمل داخل المخيّم باسم "أكناف بيت المقدس"، وهو تنظيم يرأسه أحمد زغموط؛ حارس خالد مشعل. إذا كان الأمر كذلك، فهو في الواقع حرب داخلية فلسطينية.

مقاتلو جبهة النصرة في سوريا (MAHMUD AL-HALABI / AFP)

مقاتلو جبهة النصرة في سوريا (MAHMUD AL-HALABI / AFP)

هناك آثار مهمّة لما يحدث في اليرموك على البيئة المحيطة. حسب أقوال محمود خالدي، ممثّل منظمة التحرير الفلسطينية في سوريا، فقد ترك المخيّم في أعقاب الحرب نحو 95% من اللاجئين. ليست هناك معلومات معتمدة حول سائر المخيّمات في سوريا، ولكن يمكننا أن نقدّر بأنّها هي أيضًا دُمّرت وهُجرت في غالبيّتها العظمى. لم يكن اعتباطا بل كان عن دراية أن رئيس حكومة حماس في غزة، إسماعيل هنية، قد عرّف ما يحدث في المخيّم بأنّه "نكبة جديدة". فمن المرجّح أنّه قصد أنّ فقدان مخيّمات اللاجئين يسحب من أيدي الفلسطينيين أسس العودة إلى إسرائيل. شتّتتهم "النكبة" الأولى في مخيّمات اللاجئين، وشتّتتهم الثانية في أنحاء تركيا والبلدان العربية المجاورة، وحرمتهم من القدرة اللوجستية على العودة.

تعزيز القاعدة، في لبنان أيضًا

هناك أيضًا آثار للأحداث السورية على لبنان. كما هو معروف فهناك علاقة وثيقة بين كلا الدولتين، بعد سنوات من السيطرة السورية غير المباشرة والتحريك العدواني لِما يحدث في بلاد الأرز. ولكن بخلاف ما يحدث في سوريا، فإنّ الصراعات الفلسطينية الداخلية ليست جديدة في لبنان، وسبقتها فترة طويلة تم فيها التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين في البلاد بوحشيّة كبيرة.

في محادثة شخصية مع كاتب هذه السطور تحدّث نبيل شعث في ذلك الوقت (عضو قيادة حركة فتح والسلطة الفلسطينية)، كيف تعاملت الحكومات اللبنانية المختلفة مع الفلسطينيين "مثل الصراصير". نصّ استحقاق لبناني من عام 1982 على بقاء اللاجئين الفلسطينيين في المخيّمات، تحت حصار من قبل الجيش اللبناني، دون إمكانية مغادرتها دون إذن؛ فقد منعوهم من الحصول على التعليم الأساسي، ناهيك عن التعليم الجامعي، عن تعلم مهنة، وتم منعهم من المهن الحرّة أو كلّ مهنة تضفي الاحترام على صاحبها. وكنتيجة لذلك نشأت في المخيّمات أجيال من الناس المحبطين والذين يشعرون بالمرارة، والمريحين للانضمام إلى التنظيمات الإرهابية. وبالمقابل، تدهور وضع منظمة التحرير الفلسطينية باطّراد: لم تنصّعْ التنظيمات الموالية لسوريا إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وقوّضت حماس سلطتها في تمثيل لاجئي لبنان. وهكذا، تطوّرت مع مرور الوقت اشتباكات مسلّحة بين التنظيمين في المخيّمات.

تفاقمت التوتّرات الحالية في مخيّمات اللاجئين بلبنان، والتي سبقت اندلاع الاشتباكات في اليرموك، مع انهيار مخيّمات اللاجئين في سوريا. أصرّت الحكومة اللبنانية على إيواء اللاجئين من سوريا في مخيّمات اللاجئين فقط، وكنتيجة لذلك عزّز تيّار الهجرة بشكل كبير مجموعات القاعدة العاملة فيها. فليس من المستغرب إذن أن تخرج بعض العمليات الإرهابية في لبنان من داخلها: في الشهر الماضي فقط جرتْ سلسلة من الاغتيالات الداخلية في صفوف كوادر منظمة التحرير الفلسطينية، من أجل تعزيز وجود القاعدة في المخيّمات.

متغيّر جديد في قضيّة اللاجئين

من الصعب التنبّؤ بالمنعطف الذي سيحصل في الحرب المستمرّة على الحدود الشمالية لإسرائيل، ولكن يبدو أنّه في كلّ ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية في سوريا ولبنان، فبالنسبة لإسرائيل هناك تأثيرَين رئيسيّين. الأول: كلّ حلّ سياسي يتضمّن عودة اللاجئين إلى أراضي الدولة الفلسطينية يجب أن ينظر إلى خطورة أن يشمل أولئك عناصر من القاعدة وحماس. الثاني: الحرب الأهلية الفلسطينية التي تجري في سوريا وفي المخيّمات بلبنان قد تمتدّ أيضًا إلى أراضي السلطة الفلسطينية.

نُشر المقال لأول مرة في موقع ميدا الإسرائيلي باللغة العبرية