تبرز الصور المُروعة لكبار السن والأطفال المُتضورين جوعًا في البلدة السورية مضايا التي نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام العالمية، من جديد، وإحدى الظواهر المُرعبة في الحرب الأهلية السورية هي استخدام التجويع كوسيلة لتحقيق الأهداف العسكرية والسياسية. كان نظام بشار الأسد، قبل عام منذ الآن، هو القوة الوحيدة في سوريا التي تنتهج مثل هذه الاستراتيجية، ولكن، مذاك الحين بدأت تستخدم هذه الاستراتيجية تنظيمات مثل داعش وجماعات المُعارضة الإسلامية أيضا.

يعيش مليون مواطن سوري اليوم تقريبًا تحت الحصار؛ 20% منهم تقريبًا يعيشون تحت حصار من قبل داعش ونظام الأسد في ذات الحين؛ في مدينة دير الزور،  و 30% تقريبًا يعيشون تحت وطأة الحصار الذي تفرضه عليهم جماعات إسلامية؛ في البلدتين "فوعة" و "كفرايا" الشيعيتين في شمال غرب سوريا. تخضع بقية الأماكن إلى حصار من قبل نظام الأسد وحُلفائه فقط: مثل البلدات السنية في شمال منطقة حمص حيث يعيش ربع مليون شخص، تقريبًا، في حي "الوعر" في مدينة حمص التي يعيش فيها 125000 نسمة، وفي مضايا والزبداني (التي أُفرغت من سُكانها تقريبًا) واللتين يعيش فيهما 42,500 نسمة والبقية في ضواحي دمشق وفي مناطق أصغر. مات حتى الآن، جراء التجويع 638 سوريًّا وفلسطينيًّا - سوريًّا، وحاصر  نظام الأسد أو حُلفائه  غالبيتهم المُطلقة و 12 شخصًا منهم من مدينة دير الزور المُحاصرة أيضًا من قبل داعش. بدأ المُتمردون وداعش بانتهاج استراتيجية التجويع فقط في عام 2015 ويتمكن الناس من الصمود لاعتمادهم على مؤن جمعوها وأيضًا بسبب حقيقة أن النظام يرمي المؤن على المناطق المُحاصرة والتي تحت سيطرته.

بدأ نظام الأسد بانتهاج طريقة التجويع منذ نيسان 2011 والذي كان الشهر الثاني لاندلاع الثورة الشعبية في سوريا، في مدينة درعا. بدأت عمليات الحصار، عندما لم تكن بحوزة مُعارضي النظام الأسلحة ولاحقًا عندما كانوا يحملون الأسلحة الخفيفة، التي كانت تنتهي بسرعة وبتحقيق النصر للنظام وأحيانًا بعملية إعدامات جماعية لمواطنين في المناطق التي يتم احتلالها. واستمرت عمليات الحصار، مع تعزز قوات المُعارضة، وصارت أشد فتكًا، بسبب المنع المُستمر لإدخال المؤن والأدوية وقطع الكهرباء والماء. تم توثيق أول عملية موت بسبب الجوع في شهر آب عام 2013 في مُخيم اليرموك الفلسطيني، الواقع عند تُخوم دمشق، والذي فرض النظام عليه الحصار، بالتعاون مع ميليشيات فلسطينية مدعومة من قبل النظام.

كان يهدف النظام إلى إجبار الثوار والداعمين لهم على الاستسلام ولو استسلاما جزئيًّا. كما وصف لي ذلك الأمر مُحمد (اسم مُستعار)، الذي هرب من حي دمشقي مُحاصر من داخل نفق في أواخر عام 2014: "الرسالة هي: تُريدون حقوقًا سياسية؟ حسنًا. دعونا نرى ماذا ستفعلون عندما تموتون جوعًا". استخدم النظام وسائل أُخرى مثل التسميم بالسلاح الكيميائي، الإطلاق العشوائي للقذائف والغارات الجوية المُكثفة والتي أثبتت أنها ليست مُجدية كثيرًا. تحصد عمليات الاجتياح الأرضية من الجانب المُجتاح خسائر كثيرة إضافة إلى أن الجيش أيضًا يواجه صعوبة بسبب نقص موارده البشرية. أظهر النظام عمليات "وقف إطلاق النار" التي تمت في بلدات مُعينة، والتي وصفتها الأمم المُتحدة بأنها تطورات إيجابية، على أنها "مُصالحة وطنية" على الرغم من أنها جاءت نتيجة تجويع المواطنين حتى الموت. لا تزال مسألة إخضاع فئة مُعينة بالتجويع، برأي النظام، هي النهج المُناسب لإنهاء الحرب في سوريا.

تقع بلدات مضايا، الزبداني وبقين في منطقة جبل القلمون، قريبًا من الحدود مع لبنان. وقد اجتاح حزب الله في أيار من عام 2015 ، بمساعدة الجيش السوري، المنطقة واحتل مناطق واسعة كانت تحت سيطرة قوات المُعارضة. هوجم آخر معقل كان بيد المُعارضة، في منطقة الزبداني، بداية شهر تموز المُنصرم،  ذلك المعقل الذي كان يُستخدم في الماضي  كنقطة عبور هامة لتهريب الوسائل القتالية من إيران وسوريا إلى حزب الله. تمت مُهاجمة الزبداني بالقذائف، برًا وجوًا وطُرد سُكانها، مع سكان بلدة بلودان، إلى مضايا. أُضيف لعدد سُكان مضايا، الذين كانوا حينها أيضًا يواجهون نقصًا بالطعام والأدوية، 32 ألف نسمة.

بدأت جماعة أحرار الشام، جماعة إسلامية مُعارضة، بعد الهجوم على الزبداني، بمفاوضات مع إيران بهدف منع احتلال البلدة ومُحيطها. ولكن فشلت تلك المُفاوضات وفي بداية آب 2015 شنت قوات المُعارضة، بقيادة أحرار الشام، هجومًا على البلدات الشيعية المُحاصرة في شمال غرب سوريا. لذلك فهمت إيران الرسالة وبدأت بمفاوضات أدت إلى وقف إطلاق النار ومن ثم إلى التوقيع على اتفاق. سُمح للمُصابين والمُسلحين وعائلاتهم من الزبداني، وللنساء، الأطفال، المُعوقين والمُصابين من كفرايا والفوعة بالخروج من المناطق المُحاصرة، وكما سُمح بدخول مُساعدات إنسانية. غير أن نظام الأسد خرق الاتفاق في شهر تشرين الأول ورفض إدخال المُساعدات إلى مضايا.  بالمُقابل منعت قوات المُعارضة إدخال المُساعدات إلى القرى الشيعية.

أجبرت الصور المُروعة التي وصلت من بلدة مضايا، بعد موت 30 مواطنًا جوعًا في الأشهر الأخيرة، النظام على تطبيق الاتفاق، إلا أن المؤن التي تم إدخالها مؤخرًا إلى البلدة كانت تكفي فقط لأسبوعين حتى ثلاثة. وكانت تدخلُ الأمم المتحدة والمُنظمات التابعة المُساعدات أو أنها لا تُدخلها وذلك وفقًا لما يُقرره نظام الأسد. تُشير قُدرة نظام الأسد على تجويع المواطنين السوريين تجويعا منهجيًّا، أمام أعين العالم، إلى فشل المؤسسات الدولية والقضاء الدولي، التي تم تأسيسها تحديدًا لمنع مثل جرائم الحرب البشعة هذه.

نشر هذا المقال لأول مرة في منتدى التفكير الإقليمي.