بعد منتصف ليلة الأحد، 16 أكتوبر/ تشرين الأول، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بدء عمليات تحرير الموصل، بعد أكثر من سنتين وهي تحت سيطرة عصابات الدواعش، حيث ما زالت غصة نكسة يونيو/ حزيران 2014 تشعرنا بالحزن الشديد، حيث مشاهد التهجير، والذبح، وسبي النساء، عالقة في ذاكرة العراقيين. الآن بدأت رحلة الانتقام من خوارج العصر، عبر عملية عسكرية كبيرة، لإعادة الأمور إلى نصابها، وإزالة الدواعش من آخر معاقلهم، كي تنتهي هذه الحرب التي استنزفت الوقت والجهد والمال، ولنتجه بعدها لإعادة تأهيل العراق، ليعود عراقاً معافيا.

ولكي تنجح معركة التحرير، فهي تحتاج إلى مهام يجب أن تنجز، وبمسار واحد مع اندلاع المعارك، وإلا فإن النصر لا يكون مكتملا، وهذه المهام هي:

1. القضاء التام على الدواعش

يجب أن تتجه العمليات نحو القضاء التام على مقاتلي تنظيم داعش، لأنهم كيان سرطاني مجرم لا ينتمي لنسخ البشر، فالقتل وقطع الرؤوس واغتصاب النساء ونهب الأموال، من صفات المجرمين الذين لا يفتح لهم باب الرحمة أبدا، وهم لا يتركونها أبدا لأنهم تربوا ومارسوا هذه الأفعال المشينة. إنها لحظة الحسم، فألاهم إزالتهم من الوجود، كي لا تعود من جديد نبتة السوء لتنمو في مدن العراق. أخطأ ساسة العراق منذ عام 2003 عندما تركوا التيار الوهابي والسلفي، المتعاطف مع القاعدة والبعث ينمو ويتوسع في الموصل، مما أنتج داعش أخيرا، فكان خطأ فادح للحكومة السابقة يجب أن تحاسب عليه، والأهم أن لا نعود لنفس الخطأ.

إضافة إلى ملاحقة كل المقاتلين العرب والأجانب، لأن بقاءهم يعني إمكانية أن يشكلوا خلايا جديدة، فهم أمراء داعش، لذا القضاء عليهم أمر أساسي في المعركة.

2. تنقية جوامع الموصل

يجب أن يتم استبعاد كل شيوخ جوامع الموصل، مع فتح تحقيق معهم، خصوصا من مهدوا الأرض لظهور الفكر التكفيري، عبر تركيزهم على تدريس آراء وكتب بعض شيوخ التطرف والتكفير، فارتباطهم بأمراء الذبح ليس بخاف عن أحد. ويمكن اعتبار مسألة تنقية الجوامع، من خطباء السوء والمتحدثين بنبرة داعشية، مسألة أساسية، مع وضع خطة متكاملة بالاتفاق مع الأوقاف لعملية أعادة السلم والسلام للمدينة، وإقصاء فكر العنف، وأهمية شرح خرافة وخطيئة تكفير الآخر، وأن الذبح ليس من الدين، وأيضا شرح أن قضية احترام الأديان الأخرى من لب الدين الإسلامي. فهي من الأمور التي يجب التركيز عليها، مع توضيح قضية الحقوق في الدين الإسلامي، كي لا يحصل لبس أو تجاوز.

هذه الخطة يجب أن تنطلق وبشكل متوازٍ مع العمليات العسكرية، فالحقيقة أن الجنون الداعشي ولد في رحم جوامع يتولاها شياطين الإنس.

3. الابتعاد عن أي احتكاك مع القوات التركية

دخلت تركيا للموصل كي تحقق أمرين: الأول لحماية حلفائها الدواعش، حيث كان دورها معروف في التدريب والتسليح، وفتح الممرات الآمنة لهم للدخول للعراق وسوريا، واعتبرت تركيا نفسها الأم الحنونة للجماعات التكفيرية. ولولا الدور التركي لما نجح الدواعش بالاستمرار كل هذه الفترة. والأمر الثاني: عملية تثبيت موطئ قدم في الموصل، حيث حلم الأتراك القديم، في امتلاك الموصل، لذا أي احتكاك مع القوات التركية الموجودة في بعشيقة وأماكن أخرى، قد يؤدي إلى أمور كبيرة، خصوصا بعد الحرب الإعلامية الساخنة بين بغداد وأنقرة في الأيام الأخيرة.

لذا علينا تحقيق الهدف الأكبر وهو تحرير الموصل، بعيدا عن إشعال جبهة أخرى ضد الأتراك، والتي لها موالون من قبيل مليشيات النجيفي وبقايا البعث والدواعش، لذا الحذر الشديد في التعامل مع مواقع القوات التركية. وبعد التحرير ممكن اللجوء للقانون والمحاكم الدولية، لإخراج القوات التركية، التي تصبح من دون غطاء قانوني لتواجدها.

4. غلق الحدود مع سوريا

الحدود مع سوريا يجب أن تغلق سريعا، أو تكون تحت الرصد المكثف من قبل القوة الجوية، عبر طلعات مستمرة، عندها يمكن دك الأرتال الداعشية الهاربة نحو الرقة، فلا يهرب مقاتلو داعش وخصوصا الأجانب، ويتم بذلك منع أي دعم لدواعش الموصل من دواعش سوريا، ويمكن الاستعانة بالتحالف الدولي ليشكل عونا مهما للقوة الجوية العراقية، كي لا تهرب من بين أيدينا قيادات داعش.

بالإضافة للاستعانة بالأقمار الصناعية في مراقبة الحدود، أو عبر كاميرات المراقبة، وهنا تظهر أهمية زرع مئات الكاميرات على الحدود، كي تكون الحدود تحت رصد العين العراقية، وهذا الأمر لا يخدمنا بالحرب فقط، بل في أمور عديدة، لذا عملية تأمين الحدود اعتبره أمرًا مهما للنجاح الكامل في العملية.

5. تحقيق تقارب مع الخليج

الحرب الكلامية وصراع التصريحات، والتشنج في المواقف، لن يكون في صالح العراق ومعركته ضد الإرهاب، إنما من الممكن تغيير نوعية الخطاب مع الخليج والسعودية خصوصا، بدل الاتهامات والشتائم، ويمكن الانطلاق نحو سلوك مختلف مع دول الخليج مبني على أساس الاحترام والمنفعة.

نحن رأينا أن عداء السعودية لن ينتج أي مكاسب للعراقـ، بل كان حريقا دائما لا ينتهي، لكن التوجه بشكل آخر للسعودية، وباقي الخليج على أساس التجارة والمصالح، من دون شتائم وتخوين، بل باحترام للطرفين، هذا التقارب مهم لتحقيق نصر كامل على الإرهاب. عندها سيفقد الإرهاب أي دعم، فكسب الخليج يجفف روافد نهر الدم، لذا يمكن اعتباره أولوية في سياسة النصر الدائم.

كاتب وإعلامي عراقي