يسود في داخل المملكة العربية السعودية وخارجها المفهوم أن الاستقرار السياسي فيها مُرتبط، بشكل وثيق، بصحة وحياة الحاكم الواحد الذي يترأسها. لذا، وفاة ملك المملكة العربية السعودية عبد الله بن عبد العزيز، حارس النفط والأماكن المقدسة للمسلمين، يثير القلق بخصوص استقرار هذه الدولة الهامة وسياستها المستقبلية أمام كم التحديات التي تواجهها من الداخل والخارج.

تكمن المصلحة العليا للعائلة المالكة في أن تبقى السلطة في يدها. لذا فهناك أهمية كُبرى لمسألة نقل السلطة في المملكة بشكل سلس، بقدر الإمكان. وربما، خلال أقل من عام واحد تم تعيين ثلاثة أولياء عهد - وهذا إثبات على أهمية هذه المسألة وضرورتها: طالما لا يتم تعيين ولي عهد من بين أحفاد ابن سعود، الوريث، وهذا يعني، ترك جيل جديد من القادة يهتم بقضايا المملكة المُعقدة، هذا الأمر سيهدد استقرارها.

ولي العهد السعودي الثاني مقرن بن عبد العزيز (AFP)

ولي العهد السعودي الثاني مقرن بن عبد العزيز (AFP)

العادة المُتبعة منذ عهد ابن سعود، والد عبد الله ومؤسس المملكة العربية السعودية العصرية، هو أن يورث الحكم بين أبنائه - بما في ذلك الأخ غير الشقيق للملك عبد الله، ولي العهد ووزير الدفاع سلمان. تمت عملية انتقال الإرث حتى الآن بشكل سلس. وبالفعل، حقيقة أن الملك عبد الله لديه ولي عهد خبير مثل سلمان من شأنها أن تخفف القلق من حصول صراع على السلطة، الأمر الذي سيخلق فراغًا فيها. إلا أن سلمان، ابن الـ 80 عامًا، الذي يُفترض أن يتولى إدارة شؤون المملكة ليس معافى بشكل تام. تعرض لسكتة دماغية ويبدو أنه يُعاني من الخرف. عندما يتم تنصيب سلمان ملكًا، على ما يبدو، ستكون تلك أقصر ولاية لملك سعودي حتى الآن.

عيَّن الملك عبد الله في أذار من العام 2014، ولضمان استقرار الحكم في المملكة، الأمير مقرن، اليد اليُمنى للملك، البالغ 70 عامًا، وهو أصغر أبناء آل سعود، الذي لا يزال على قيد الحياة، وليًا ثانيًا للعهد. أجّلَ هذا التعيين، الذي دل على الرغبة بالاستمرارية بدل الاختيار الاستباقي والتغيير، انتقال القيادة في المملكة إلى جيل أحفاد ابن سعود.

كان مقرن، وهو طيار حربي، حاكم منطقة في المملكة ورئيس المخابرات، لكن طريقه إلى العرش مليئة بالعقبات: يعارضه الكثير من إخوته غير الأشقاء، خاصة كونه ابنًا لعائلة من أصل يمني. يُفترض، بسبب الوضع الصحي للأمير سلمان، أن يقوم الأمير مقرن بمهام الملك فعليًا. يمكن للأمير مقرن، في حال استطاع التغلب على المعارضة الداخلية له في العائلة وبفضل عمره الصغير نسبيًا وصحته الجيدة، أن يحكم لسنوات طويلة. إلا أنه، ليس هناك ما يمنع الأمير سلمان وهو ملك أن يُعيّن بدل مقرن ولي عهد آخر.

تريد العائلة المالكة، تفادي التأثير السلبي المُتعلق بالصراع على السلطة منعًا لتأثير ذلك على الاستقرار في المملكة. "قانون الأساس للحكم" من عام 1992، الذي حدد، بأن العرش ممكن أن ينتقل لجيل أحفاد ابن سعود، وأيضًا إقامة "مجلس البيعة" عام 2006، التي يكمن دورها في مساعدة الملك باختيار وريث العهد وترتيب إجراءات نقل السلطة - هذان الأمران وضعا البنية التحتية لعملية انتقال السلطة إلى الجيل القادم من الأمراء، ولكن ذلك كله من ناحية رسمية فقط. قد تكون هذه العملية مُعقّدة وتتخللها صراعات قوة مُتجددة داخل العائلة.

الملك السعودي، عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في جدة (AFP)

الملك السعودي، عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في جدة (AFP)

تبدو مسألة انتقال السلطة، في المملكة العربية السعودية، وكأنها حلقة من حلقات مسلسل تلفزيوني طويل، إلا أنه وفق هذه المفارقات التاريخية تُدار هذه المملكة، التي تسيطر على أكبر احتياطي للنفط في العالم والتي تضم بين حدودها أكثر الأماكن المقدسة بالنسبة للمسلمين. تم وضع قوانين انتقال الحكم في السعودية من قِبل الملك ابن سعود، بما يتلاءم مع الاحتياجات الخاصة للملكة، وبما يناسب الظروف والتركيبة السياسية التي تبلورت فيها. ساهم نقل السلطة بين أبناء الجيل الواحد على استقرار الحكم لسنوات طويلة، ولكنه ترك مشكلة، تنبع بالأساس من كبر سن المرشحين المُؤهلين. هكذا أدى الصراع على السلطة، الذي يحدث خلف الكواليس، إلى تورط الكثير من الأُمراء فيه.

إلى أي حد مهمة هوية الملك القادم؟ يبدو، بشكل عام، أنه ليس هناك خلاف جوهري بين الأُمراء بموضوع الأمن القومي. إلا أن السياسة السعودية كانت في الماضي مُرتبطة بشكل كبير بشخصية وتوجهات الملك. رغم أن القرارات عادة تُتخذ بعد المشاورات والتوافق بين المسؤولين الكبار في عائلة آل سعود، إلا أن الملك هو الآمر الأخير. سيُنهي رحيل الملك عبد الله مرحلة هامة في تاريخ المملكة العربية السعودية. صحيح أن عبد الله تسلم الحكم في عام 2005 إلا أنه يُدير الأمور فعليًا منذ آخر 20 عامًا منذ أن أُصيب شقيقه، الملك فهد، بسكتة دماغية جعلته لا يستطيع تأدية مهامه. قام الملك عبد الله بإدخال الكثير من الإصلاحات (حسب المفهوم السعودي)، وخاصة في مسألة مكانة المرأة. جدير بالذكر أن مبادرة السلام العربية، التي تم تقديمها لإسرائيل (مقابل تنازلات) "علاقات طبيعية" مع العالم العربي والإسلامي، هو الذي قام بتقديمها. ليس معروفًا إلى أي حد يمكن لإسرائيل أن تتبنى هذه المبادرة أو أن تكون قاعدة للتفاوض، وإلى أي حد يمكن للعالم العربي، بوضعه الحالي، الالتزام بهذه المبادرة. إلا أن الملك عبد الله، أكثر من سابقيه، أجاز إقامة علاقات مُعيّنة، طالما ظلت سرية، مع إسرائيل.

ولي العهد السعودي سلمان بن عبد العزيز (AFP)

ولي العهد السعودي سلمان بن عبد العزيز (AFP)

فضلًا عن ذلك، استطاع عبد الله أن يقود المملكة في بحر التقلبات والفوضى التي تعصف بالعالم العربي في السنوات الأخيرة. قام عبد الله تدريجيًّا، منذ بداية الأزمة في المنطقة، بتعيينات هامة، وربما ذلك كان نتيجة خوفه من تأثير ذلك على استقرار المملكة. قام بترقية ابنه متعب، المسؤول عن الحرس الوطني، ليتولى منصب وزير في المجلس الحكومي المُصغر (طلب عبد الله، على ما يبدو هذا الأمر من مقرن لقاء تعيينه، لكي يقوم مُستقبلاً بتعيين متعب وليًا للعهد). كذلك قام الملك عبد الله بتعيين ابنه الثالث، عبد العزيز، نائبًا لوزير الخارجية، سعود الفيصل. يعاني الفيصل أيضًا، الذي يشغل هذا المنصب منذ عام 1975، من وضع صحي سيء وتُشير التقديرات إلى أن عبد العزيز سيشغل هذا المنصب بعد رحيل الفيصل. كذلك قام الملك بتعيين ابنه مشعل حاكمًا لأهم منطقة بالنسبة للمسلمين وثاني أهم منطقة بالنسبة للمملكة، مكة، وابنه السابع، تركي، حاكمًا للعاصمة الرياض.

تضع هذه التعيينات في مصلحة العائلة المالكة مُرشحين مناسبين ذوي خبرة، من جيل أحفاد ابن سعود، الذين يمكنهم مُستقبلاً تسلم مناصب هامة. إلا أن هذه محاولة من قِبل عبد الله لمنح أبنائه أفضلية في الصراع المُستقبلي على العرش. هناك مرشح آخر يتم التحدث عنه على أن لديه فرصة وفيرة ليحظى بالعرش، إلى جانب متعب، هو محمد بن نايف، وزير الداخلية السعودي. رغم أن إنجازاته في مسألة محاربة الإرهاب هي أمر خلافي، إلا أن لديه علاقات جيدة ويحظى باحترام كبير من نظرائه في الغرب.

يبدو أن العالم العربي يعيش أصعب ظروف له وسيكون للاستقرار السياسي في المملكة العربية السعودية أثر على كامل الوضع العربي. شكّل النفط والغاز إلى هذا الحين أداتين استخدمتهما دول الخليج من أجل تصميم شكل الشرق الأوسط: حيث تقوم حكومات تلك الدول بدعم نظام وزعزعة نظام آخر. هذا إضافة إلى المصلحة الجيو - استراتيجية (وأحيانًا - الطائفية) الخاصة بهم. إن بقيت أسعار النفط كما هي الآن لفترة طويلة، سيبدأ بالتدريج اللعب بالاحتياطي السعودي (750 مليار دولار تقريبا) ومعه القدرة على منح لاعبين آخرين - مثل مصر والأردن ولكن، أيضًا للمواطنين السعوديين أنفسهم - دعامة اقتصادية.

نُشرت هذه المقالة لأول مرة في موقع مركز الأبحاث القومية INSS