وُلد في الناصرة قبل 40 سنة، وإن كان من المتبع القول إن بني البشر يفتُرون مع مضيّ السنوات، فلدى جوان صفدي تسير الأمور على نحو آخر. بدأ حياته عندما كان بالغًا في التجوّل حول العالم وتعلم اللقب في جامعة إسرائيلية، صار مع مضي السنين أحد الأصوات العالية والمسموعة أكثر من غيرها في عالم الموسيقى المحليّ، التي تعارض الظلم الذي يخيّم على عالمه. يصرح جوان في قرص موسيقي منفرد أصدره- وكذلك في أغنيات كتبها مع فرقته الحالية ("فش سمك")- يصرح ضد إسرائيل والاحتلال ويعبر عن غضبه على العالم العربي وتعامله مع الفلسطينيين. وإذا لم يكن هذا كافيًّا، فإن قسطًا من أغاني الروك المتقنة، ينتقد انتقادًا مباشرًا وواضحًا الفلسطينيين أنفسهم، على قيادتهم الضعيفة وتعاملهم مع المرأة ومركزها. نموذج مثير للاهتمام، هذا ما نؤكده.

المطرب جوان الصفدي (Facebook)

المطرب جوان الصفدي (Facebook)

استمعوا إلى أغنية "غول" من إنتاجات جوان الأولى، على الوحش الذي يستقر في رأسه:

بدأ العزف كهواية بالقيثار والهارمونيكا في سنوات العشرين من عمره، وبعد جولة حول العالم عاد واستقر في بئر السبع. التحق في الجامعة المحلية بالتعليم للقب الفلسفة والأدب الإنجليزي، وكان عضوًا في فرقة يهودية عربية باسم "لنساس". والحديث عن فرقة "إيندي" (أيْ كتلك التي لا يقف من ورائها مؤسسة تسجيل وتوزيع من الشركات الكبرى)، والتي عملت على مدار سنوات في مدينة الجنوب، وأصدرت ثلاثة ألبومات.

رغم أنها وضعت صفدي الموهوب على مقدمة المنصة كعازف وجمعت لها جمهور معجبين، إلا أنها لم تنجح في الانتشار. يمكن أن يعود سبب ذلك إلى أن الأغنيات كانت رقيقة أكثر مما ينبغي، ولم تتطرق إلى مشاكل العيش المشترك، ولم تتميز بنبرة ساخرة وناقدة، ولم تصل إلى درجة حدة الأغاني التي أصدرها صفدي في السنين الأخيرة. أو أن الفرقة ببساطة قد سبقت زمنها وظهرت قبل أن اجتاح الإنترنت حياتنا وأتاح نشر الموسيقى والرسائل المبطنة.

مثال على النغمة الرقيقة لـ "لنساس" في أغنية مربوط:

كانت حيفا محطة صفدي التالية، وعندما وصل إليها بدأ بتجنيد الأموال لتسجيل ألبومه الأول "النمرود". فإذا افتُتحت الأغنية الأولى بنبرة شخصية نوعًا ما، فمن هذه النقطة وصاعدًا بدأت الانتقادات. إلى جانب كلمات صفدي ذات النقد اللاذع فيما يخص الاحتلال الإسرائيلي، يبرز أيضًا تأمله نحو الداخل، نحو جزء من أمراض المجتمع الفلسطيني: فالفقر فيه من نصيب الكثيرون وهناك عدم المساواة فيما يخص النساء. في أغنية كل البنات، يستخدم بصورة متقنة لحن وأسلوب أغنيات الأعراس التقليدية في المجتمع الفلسطيني، ويهاجم المفهوم الذي يقول إن المرأة العزباء هي امرأة يشوبها الخلل.

أغنية كل البنات تسخر من التقاليد في المجتمع الفلسطيني تجاه المرأة العزباء:

يتضمن الإنتاج الموسيقى المعقّد الذي أصدره الصفدي في داخله أيضًا أغاني حب، أفكارًا فلسفية ونقدًا شاملا، صحيحًا في كل مكان تقريبًا على الكرة الأرضية. في أغنية "موال الميكروتشيب" يصف تمامًا مؤسسة المصارف، القروض والرهون العقارية التي يعرضها رجال الأموال، كعمل "عصري" وينتحب ملكية المصرف على حياته. كما يُمكن أن نفهم، ليست هناك في الألبوم محاولة لإصدار نغمة أو جملة واحدة واضحة.

بعد تسجيل الألبوم، ثابتْ إليه فكرة الإصدار كجزء من إطار، وأقام فرقة "فش سمك" مع ثلاثة موسيقيين حيفاويين إضافيين وبدأ بالعروض في أرجاء البلاد، أمام جمهور عربي بالأساس. لم ير الألبوم النور بعد، لكن كُشفت بعض المواد الجديدة في عروضهم. من الطبيعي أن يكون إصدار أغانٍ بنبرة ذاتية أكثر صعوبة ضمن فرقة، لذلك يتمحور النقد حول "العنصرية" (من الجانبين) والاحتلال. إلى جانب ذلك، يجدر الذكر أن الأغاني تتميز بأسلوب الروك أكثر وأن القيثار الكهربائي يلعب دورًا مركزيًّا.

استعموا إلى "فش سمك" بأغنية: مين بدو يركبنا. سيكون الفلسطينيون هنا دائمًا، لكن هل سينجحون في التخلص من مواقف المحتلين:

تحظى أغانيه في اليوتيوب- إلى جانب المشاهدات والردود الإيجابية- بالنقد السلبي الكثير أيضًا. إنها لا تمس بالضرورة بالمستوى الموسيقي للصفدي وإنتاجه، وإنما بالمواضيع التي يجرؤ على طرحها. فهو يعرض تشدد الدين (في حالته، الإسلامي) وقيادته، ويغضب على المؤسسة التي لا تهتم بكل فئات المجتمع ويقول ما يحس به تجاه الدول العربية المختلفة. لا يروق للجميع سماع أقواله. في الأردن مثلا، تم الإبلاغ قبل سنة ونصف عن أنه تم اعتقاله بعد أدائه أغنية "يا حرام الكفار" الذي أدى إلى "الإضرار بمشاعر المؤمنين"، خلال عرض في نادي Flow في عمان. لا شك أن التوقيف ليس متعة كبرى، وقد تضررت حريته الشخصية، لكن صفدي يمكن أن يتعزى بأنه لا يمكن أن يبقى مباليًّا. وهذه، في النهاية، قيمة كبرى في الإصدار الفني.

لننه بأغنية "يا حرام الكفار"، الأغنية التي أثارت غضب السلطات الأردنية وتُجسد المشاعر المختلطة التي يثيرها الصفدي: