كان يبدو أنّ الجمود السياسي يخدم دولة إسرائيل والسلطة الفلسطينية على خلفية الانقلابات الحاصلة في الشرق الأوسط منذ عام 2011. وخرقت الإدارة الأمريكية الصمت الذي ساد بين القدس ورام الله، حيث قررت أن تتحمل كامل عبء استئناف المحادثات بين الطرفَين. ويبدو أنّ الرئيس أوباما يسعى في ولايته الثانية إلى إعطاء مبرر لجائزة نوبل للسلام التي مُنحت له على نواياه الحسنة.

ويثير استئناف المحادثات بين إسرائيل والفلسطينيين تساؤلات بين الجمهور في إسرائيل. فهل يتمكن أبو مازن من تمثيل جميع الفلسطينيين، وما هي أهلية السلطة الفلسطينية للتفاوض مع إسرائيل فيما قطاع غزة تحت سيطرة حماس؟ في هذا الوقت تحديدًا، وفي ظل الانقسام الفلسطيني وأحداث الربيع العربي، فإنّ استئناف عملية السلام يشكّل فرصة بالنسبة لإسرائيل.

لم يؤدّ الربيع العربي إلى هزة سياسية عنيفة في الأراضي الفلسطينية. أعني أنّ الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي قطاع غزة لم يثوروا على سلطتَيهم، ولم يطالبوا بالمشاركة في اتخاذ القرارات وفي تحديد المصير الوطني. وسبب ذلك مكوّن من عدة عوامل. أولها أنّ الشعب الفلسطيني يميل إلى اعتبار إسرائيل مسؤولة عن معظم مشكلاته، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. كذلك، فإن السيطرة الإسرائيلية الفعلية على أجزاء واسعة من الضفة، وعلى الطرق الرئيسية في طولها وعرضها، تمنع الفلسطينيين من التجمّع في ميدان مركزي واحد في الضفة يصبح "المدرسة العليا" للثورة، مشابه لميدان التحرير.

وتحوّل الحضور الإسرائيلي الواضح والخفي في حياة الفلسطينيين إلى عنوان ثابت لإطلاق الغضب ضده، ما يشكّل بوليصة تأمين للسلطة الفلسطينية من سخط المواطنين. فيمكن دائمًا توجيه السخط الداخلي باتجاه الخارج. أمّا في قطاع غزة، فالمسألة أبسط من ذلك. فلحماس احتكار شبه مطلق للقوة العسكرية. ولا تزال أحداث الانقلاب العنيف في حزيران 2007 عالقة في أذهان المواطنين، الذين تقمعهم الأجهزة الأمنية لحماس بيد من حديد حال إعطائها الأوامر بذلك.

يمنع استمرار الانقسام الداخلي الفلسطيني هزة أرضية سياسية حقيقية. وفي حين تدفقت الجماهير على الشوارع في تونس، مصر، ودول عربية أخرى، هاتفين بالشعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، جرت في شوارع رام الله وقطاع غزة حملة مصغّرة تنادي بشعار "الشعب يريد إنهاء الانقسام". لكن هذه الحملة المحدودة كان لها تأثيرها. فقد قاد فهم قيادة السلطة الفلسطينية وحماس لرغبة الجماهير، الطرفَين إلى عملية محادثات.

احتجاجات في غزة تطالب بإنهاء الإنقسام (FLash 90/ Wissam Nassar)

احتجاجات في غزة تطالب بإنهاء الإنقسام (FLash 90/ Wissam Nassar)

وستتأثر عملية المصالحة الفلسطينية من استئناف المحادثات بين دولة إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وتتعلق هذه المحادثات ونتائجها بأمور عدة بينها المزاج العام في جانبَي الصراع، والعلاقات بين الفصائل الفلسطينية المختلفة. وليست الخلافات بين الفصائل سياسية فقط، بل أيضًا اجتماعية - ثقافية، وتتركز على موضوعات مثل دور المجتمع المدني، وعلاقات الدين والدولة في الدولة الفلسطينية العتيدة.

ويأتي رد فعل حماس على استئناف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية مثيرًا للاهتمام في هذا السياق. فحماس ليست شريكًا في المحادثات، لكنّ بإمكانها إحباطَها. فحماس تعاني اليوم من إسقاطات الربيع العربي، وتحاول الظفر بشرعية سياسية عربية، تشكّل طريقًا إلى الاعتراف الدولي. والبحثُ عن شرعيةٍ حاسمٌ لفهم تصرف حماس، التي تسعى بكامل قوتها لدخول منظمة التحرير الفلسطينية. فالدخول المستقبلي لمنظمة التحرير سيمنح حماس المكانة السياسية والقدرة على المشاركة في عملية اتخاذ القرارات الوطنية، التي يجري إقصاؤها عنها الآن. فمنظمة التحرير الفلسطينية، التي يترأسها أبو مازن، معترَف بها من قِبل الجامعة العربية وكذلك المجتمع الدولي، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

ورغم المفارقة، فإنّ عملية "عمود السحاب" كانت تلك التي زادت الشرعية السياسية التي تحظى بها حماس. فقد ساعدت العمليةُ حركة حماس على كسر الحصار الدبلوماسي المفروض على قطاع غزة بشكل نهائي. وبدا أنّ قطاع غزة تحول خلال العملية إلى قبلة للحج، بعد أن زاره جميع وزراء خارجية الجامعة العربية، إلى جانب رئيس حكومة مصر ووزير الخارجية التركي.

احتجاجات في رام الله تطالب بإنهاء الإنقسام (Flash90/Ruben Salvadori)

احتجاجات في رام الله تطالب بإنهاء الإنقسام (Flash90/Ruben Salvadori)

وأغلقت نتائج عملية "عمود السحاب"، بالنسبة لحماس، دائرةً افتُتحت مع بداية الربيع العربي. فلو واجه الربيع العربي حماس ضعيفة من الناحية السياسية، لكانت الريح الإسلامية التي أتت بها الأنظمة في الدول العربية، إلى جانب نتائج عملية "عمود السحاب" قد قلبت ترتيب الأحداث. فقد نجحت حماس في إحراز اتفاق وقف إطلاق نار مع إسرائيل بضمانات دولية، وتحولت إلى لاعب سياسي شرعي (من وجهة النظر العربية) وهام في المنظومة الإقليمية. وضَعُف هذا الدعم الخلفي مع سقوط نظام مرسي في مصر.

وتُعتبَر عملية المصالحة بين الحركات الفلسطينية طويلة، مُرهقة، وتقنية بشكل أساسي. وللمفارقة، يمكن القول إنها تُذكّر بالاتّصالات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ويمكن أن يشكّل الضعف النسبي لكلا الطرفَين - فتح وحماس- فرصةً ذهبيةً لإسرائيل لمفاوضات مسرَّعة مع السلطة الفلسطينية، بطريقة تؤدي إلى دولتَين لشعبَين، مع ضمان المصالح الأمنية الإسرائيلية والحفاظ على كتل الاستيطان الكبرى تحت السيادة الإسرائيلية. فأبو مازن لا حول له ولا قوة. فبالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية في السلطة، عليها إحراز إنجاز سياسي فوري، لا افتراضي فقط مثل رفع المكانة في الأمم المتحدة وانضمام فلسطين كعضو كامل العضوية في اليونسكو. وإذا نجح أبو مازن في إحراز اتفاق سياسي جدي كنتيجة للمفاوضات مع إسرائيل، فسيكون للأمر تأثير على ما يجري في قطاع غزة.

الانقسام الفلسطيني هو معطى اليوم. يمكن التطرق إليه كمتغير بحد ذاته، يعني بالنسبة لإسرائيل تعزيز الاتصالات والطموح لاتفاق شامل مع الضفة الغربية. وسيختار قطاع غزة تصرفه بناءً على إنجازات السلطة في الضفة. لكن على دولة إسرائيل أن تتعامل مع عملية المصالحة الداخلية الفلسطينية كفرصة، لا كتهديد. ففي حال وُقّع اتفاق مصالحة فلسطيني، فإنّ كل عملية سياسية يقودها أبو مازن ستُلزم حماس أيضًا. ولذلك، فليس صحيحًا تخيير منظمة التحرير بين المفاوضات مع إسرائيل والمصالحة الداخلية الفلسطينية. بل من الصائب أكثر استخدام نتائج عملية المصالحة الداخلية لدفع المصالح والالتزامات الإسرائيلية في المجتمع الدبلوماسي الدولي، حيث لا يبشّر وضع إسرائيل بالخير.