بعد خمس محاولات فاشلة تمت بغطاء عربي، نجحت حركتا حماس وفتح، الاسبوع الماضي بالتوصل الى اتفاق مبادئ يقضي الى اقامة حكومة وحدة فلسطينية، تحديد موعد لتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية وكذلك اعادة هيكلة مؤسسات منظمة التحرير.

المحاولة السادسة كانت محض جهد فلسطيني فلسطيني وبلا وساطة عربية وذلك بعد اتفاق مكة عام 2007، واتفاق صنعاء عام 2008، واتفاقي القاهرة في الاعوام 2009 و 2011، واتفاق الدوحة عام 2012 واخرها تفاهمات القاهرة عام 2013.

جميع المحاولات السابقة باءت بالفشل وتحطمت على صخرة التفاصيل الصغيرة التي من شأنها ان تنسف التفاقية الحالية. ومن بين هذه التفاصيل: تركيب الحكومة ومن سيقف على رأسها، والنظام الانتخابي وكذلك الية تنظيم دخول حماس الى منظمة التحرير حيث طلبت في الماضي الحركة ان يكون التحاقها بالمنظمة مبني على قوتها التي افرزتها الانتخابات التشريعية للعام 2006 والتي فازت بها الحركة.

اتفاق مكة عام 2006 مهد الطريق للمصالحة الفلسطينية، هنية مشعل وعباس في الحرم المكي (PPO / AFP)

اتفاق مكة عام 2006 مهد الطريق للمصالحة الفلسطينية، هنية مشعل وعباس في الحرم المكي (PPO / AFP)

القضية الأبرز في المصالحة هي تداعياتها على الوضع الفلسطيني الداخلي. في هذه المرحلة يخدم الاعلان كافة الاطراف الفلسطينية: بالنسبة للرئيس الفلسطيني فقد اظهره الاعلان كزعيم لا يتردد مواجهة اسرائيل والولايات المتحدة اذا ما تعلق الامر بمصلحة فلسطينية عليا.

اما بالنسبة لحماس فمن شأن الاتفاق ان يخفَف من عزلتها ولكن السؤال الاكبر يبقى ماذا سيحصل في حال نجحت المصالحة بالنسبة لمراكز القوة في كل من فتح وحماس؟ حكومة وحدة او حكومة تكنوقراط تعني فقدان مراكز قوة في فتح وحماس لقوتهم ورأينا كيف تعاملت بسلبية كبيرة قيادات من فتح مع حكومة سلام فياض التي اعتبرها تلك القيادات انها تهدد مكانة فتح في الشارع الفلسطيني.

ماذا سيكون مصير الاجهزة الامنية التابعة لحماس في قطاع غزة وهل ستنصهر في الاجهزة الامنية للسلطة وهل ستقبل اسرائيل بذلك وهل سيستمر التنسيق الامني مع وجود ضباط من حماس في قيادة الامن الفلسطيني؟ وفي حال دخلت حماس ومعها الجهاد الاسلامي الى منظمة التحرير، هل يمكن ان نتصور انها ستبقي على الموقف الفلسطيني الرسمي والقاضي بان لا حل للصراع الاسرائيلي الفلسطيني الا عبر المفواضات؟

التاريخ والماضي القريب اثبتا ان حماس اكثر تنظيما وانضباطا وانها تمتلك رؤية اكثر تكاملا من تلك التي تمتلكها حركة فتح في ظل وجود قيادات فتحوية لها ميول وموالات متعددة ان كان لشخصيات او لانظمة.

هذا الوضع من شأنه ان يُحدث في مؤسسات السلطة والمنظمة ما حدث بعد انتخابات عام 2006 اي ان تسيطر حماس على مجريات الامور الفلسطينية خاصة مع فقدان الحركة لعمقها العربي (سوريا والاخوان في مصر وبعض التراجع المحتمل في دعم قطر لها وتقارب ممكن بين اسرائيل وتركيا) وتوجهها وتركيز عملها على المستوى الفلسطينس الداخلي وهذا فان حصل يعني ان مرة اخرى، وبالسياسة وبالوسائل السياسية، فرضت نفسها حماس على المعادلة السياسية من جديد بعد شعور خاطئ انه كان يمكن تجاهل الحركة في اي حل للصراع.

ولكن والى جانب الغموض الذي لا زال يكتنف فرص نجاح اتفاق المصالحة الحالي الا انه يجب التوقف عند عدة نقاط هامة:

الاولى:  دخول القيادي في حماس موسى ابو مرزوق الى قطاع غزة عبر الاراضي المصرية يحتوي على بعض الدلالات الهامة ومن ابرزها رغبة مصر ورغم ازمتها الداخلية الاسمترار بلعب دور محواري فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتحديدا في ملف المصالحة.

عزام الأحمد وموسى أبو مرزوق (Rahim Khatib/Flash90)

عزام الأحمد وموسى أبو مرزوق (Rahim Khatib/Flash90)

السماح لابو مرزوق دخول الاراضي المصرية رغم الأزمة الحادة في علاقات مصر مع حركة حماس هي اشارة واضحة من النظام المصري للحركة انه اذا ما التزمت حماس حدودها فيما يتعلق بالشأن المصري واذا ما وافقت على المساهمة في استقرار الوضع الفلسطيني عبر الوحدة وتحديدا عبر الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل الشعب الفلسطيني والحد من كونها ورقة في موازين قوة اقليمية والتشديد على طابعها الوطني الفلسطيني، فان مصر ما بعد الاخوان على استعداد لاعادة تقييم موقفها من حركة حماس بما يخدم القضية الفلسطينية وخاصة بما يخدم رغبة مصر بالعودة الى موقعها العربي الرائد الذي قد يساهم في استعادة مصر لوزنها الاقليمي الذي اختفى بسبب الازمات الداخلية التي عصفت بالقاهرة منذ ثورة يناير 2011.

الثانية: اتفاق المصالحة الفلسطيني الاخير تم بلا وساطة وبلا رعاية عربية، وهذا يعكس الازمة التي يعاني منها العالم العربي والى اولويات انظمة الحكم في العالم العربي التي توجَه جل اهتمامها الى القضايا الداخلية قبل الخارجية حتى وان كان الحديث يدور عن قضيتين مهمتين كالقضية الفلسطينية وملف المصالحة الفلسطينية.

السعودية التى رعت اتفاق مكة عام 2007 اعلنت حربا سياسية على حركة الاخوان المسلمين في العالم والتي تعتبرها احدى ازرع السياسة الخارجية لغريمتها الخالجية قطر، لذلك لم تعد المملكة تكترث لمحاولة اخراج حماس من عزلتها التي تفاقمت بعد الاطاحة بالاخوان المسلمين في مصر وبعد الهجمة على الاخوان في كافة الدول العربية.

اليمن التي منحت الرعاية لاتفاق المصالحة في صنعاء عام 2008 يواجه حربا داخلية تهدد الوحدة اليمنية اي ان اليمن منشغل بالحفاظ على وحدته هو قبا الإنشغال بالوحدة الفلسطينية.

مصر التي قادت اتفاقي مصالحة عام 2009 وعام 2011 وقادت تفاهمات العام 2013 بين الحركتين الفلسطينيتيين تسعى الى لملمة جراحها واستعادة وحدة الشعب المصري الذي طالته حالت الاستقطاب بعد فوز الإخوان المسلمين في انتخابات العام 2012 وخاصة بعد الاطاحة بالرئيس محمد مرسي عام 2013.

مؤيدو الرئيس المخلوع محمد مرسي خلال إعتصام إخواني (AFP)

مؤيدو الرئيس المخلوع محمد مرسي خلال إعتصام إخواني (AFP)

قطر التي تعتبر الراعي والحامي الاول لحماس ولحركات الاخوان المسلمين في العالم منشغلة في الاسابيع الاخيرة باعادة حساباتها وخاصة تلك المتعلقة بدعم الاخوان المسلمين وذلك بعد رسالة التحذير التي وجهتها لقطر دول التعاون الخالجي والتي طالبت الامارة بالكف عن محاولاتها دعم الحركات السياسية التي تتناقض سياساتها مع سياسة السعودية وحلفائها الداعمة لانظمة عربية معتدلة تقف الى صف السعودية وحلفائها في مواجهة حركة الاخوان المسلمين من ناحية وفي مواجهة ايران من الناحية الاخرى.

الثالثة :  حتى وان كانت المصالحة الحقيقية لا زالت بعيدة، الا ان سعي ابو مازن وحركة فتح لاتمامها يعبَر عن حلقة جديدة في مسلسل ضعف واضعاف الادارة الأمريكية بسبب سياستها الخارجية الغير واضحة والمترددة والتي تجسدت بكامل ضعفها في ملفي سوريا وايران وتحديدا مع تراجع ادارة الرئيس اوباما عن استخدام الورقة العسكرية للضغط على سوريا من اجل وقف الحرب الاهلية ومن اجل ثني ايران عن الاستمرار في برنامجها النووي.

البيت الابيض اعلن على لسان المتحدثة باسمه انه يأسف لما قام به الرئيس عباس من مصالحة حماس، لكن تقديرات الجانب الفلسطيني ان الادارة الأمريكية لن تتخذ اي عقوبات ضد السلطة الفلسطينية لادراك هذا الادارة بان العقوبات ستزيد من حالة ومعاداة الولايات المتحدة في صفوف الفلسطينيين وان لمثل هذه العقوبات قد تكون تداعيات سلبية على مكانة الولايات المتحدة عند الرأي العام الفلسطيني والعربي والذي سيرى في الولايات المتحدة طرف معادي لوحدة الفلسطينيين ولوحدة العرب، طرف تملي عليه اسرائيل موقفه وفقا لمصالحها.

هذا بالنسبة للمستوى العربي والإقليمي، اما بالنسبة لاسرائيل فقد تريح، على الأقل لبضعة اسابيع او اشهر، المصالحة الفلسطينية رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو من ضرورة مواجهة العناصر المتشددة داخل حزبه الليكود وداخل ائتلافه الحاكم.

فقد يعفي اتفاق المصالحة الفلسطينية نتنياهو من الخوض في مواجهة زعيم التشددين في حزبه داني دانون وزعيم البيت اليهودي بنيت على خلفية اطلاق سراح اسرى فلسطينيين وعلى خلفية مطالبة المجتمع الدولي اسرائيل بتجميد البناء في المستوطنات.

مع اعلان المصالحة الفلسطينية الحالية اعلن نتناهو ان كافة الاتصالات مع الجانب الفلسطيني متوقفة ولكن لا يمكن تجاهل نقطة ان تصريحات نتنياهو تأتي بالدرجة الاولى في محاولة لكسب بعض النقاط لدى الرأي العام اليميني في اسرائيل، فرئيس الوزراء الاسرائيلي يدرك ان عدم تحويل اموال الضرائب للفلسطينيين من شأنه إضعاف السلطة ومن شأنه اضعاف رغبتها واستعدادها على مواجهة العنف الذي قد تلجأ اليه مجددا وبشكل واسع بعض التنظيمات والفصائل الفلسطينية.

بنيامين نتنياهو ( Amos Ben gershom/GPO/FLASH90)

بنيامين نتنياهو ( Amos Ben gershom/GPO/FLASH90)

ثانية، اموال الضرائب هي التي تتيح للفلسطينيين في الضفة والقطاع استيراد البضائع الاسرائيلية اذ تُعتبر اسرائيل اليوم الموَرد الاكبر لقطاع غزة وللضفة الغربية ايضا وهذا سيعني خسارة الإقتصاد الإسرائيلي لعشرات ومئات ملايين الشواقل اذا ما لم يتم دفع المستحقات الفلسطينية التي تحوَل بغالبيتها لدفع رواتب الموظفين في السلطة والاجهزة الإمنية الفلسطينية والى دفع ثمن البضائع الاسرائيلية التي تدخل الى الاراضي الفلسطينية.

من شأن هذه العقوبات ايضا ان تحمَل اسرائيل دوليا، المسؤولية عن اي تدهور انساني قي يحصل في الاراضي الفلسطينية وقد يعيد الطرفين الى طاولة المفوضات مجددا في ظل تعاطف دولي متنامي مع الفلسطينيين.

كما وان اضعاف السلطة قد يعيد، وبقوة اكبر هذه المرة، الى الطاولة مسألة حل السلطة التي قد يلجأ اليها الفلسطينيون، وهذه الورقة رغم انها مستبعدة في هذه المرحلة، الا  انها من شأنها قلب الطاولة اذا ما طُرحت بقوة من جانب الفلسطينيين. وهنا قد تجد نفسها اسرائيل امام وضع يتنافى كليا مع وجهة نظر ومع السياسة الاسرائيلية التي تتفق عليها غالبية القوى السياسية في اسرائيل – وهي ضرورة الإنفصال عن الفلسطينيين.