فورًا، وبعد وقوع حادثة الإرهاب التي جرت في سيناء في 24 تشرين الأول، والتي قُتل فيها 31 جنديّا مصريا، أمر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بسلسلة من الخطوات التي تهدف إلى زيادة كثافة وفعالية المواجهة المتواصلة التي تشنّها القوى الأمنية المصرية ضدّ العناصر الإرهابية في شبه الجزيرة وفي أنحاء البلاد. تشمل تلك الخطوات إعلان حالة الطوارئ لثلاثة أشهر في منطقة شمال سيناء، توسيع سلطات الجيش في الحرب على الإرهاب وإنشاء منطقة عازلة من 500 متر بين رفح المصرية وحدود قطاع غزة. منذ فترة طويلة، ترى مصر في حماس والمجموعات المسلّحة في غزة مسؤولين عن موجة الإرهاب التي حلّت في شبه الجزيرة. ويدل إنشاء المنطقة العازلة، التي هي مشروطة بهدم مئات المنازل لسكان رفح، على رغبة مصر في قطع العلاقة بين شبه جزيرة سيناء والعناصر الإرهابية ومراكز تهريب السلاح في غزة، وفي الاستمرار بعزل حركة حماس.

ومع ذلك، فعلى الرغم من عزم مصر على العمل في حدود غزة، فإنّ المشكلة في سيناء أعمق بكثير وتتطلّب استجابة واسعة وتشمل أكثر بكثير من الخطوات التكتيكية التي تم اتخاذها حتى اليوم. في الواقع فإنّ مشكلة سيناء، التي تفجرت مع سقوط نظام مبارك عام 2011، نضجت في شبه الجزيرة خلال عشرات السنين. بشكل تقليدي، تطرقت الحكومة في القاهرة إلى سيناء باعتباره "فناءً خلفيّا" وعانى سكانها من الإهمال والتمييز في جميع المجالات. لا يرى النظام المركزي في مصر، بالإضافة إلى أجزاء واسعة من الشعب، في بدو سيناء جزءًا أساسيّا من الشعب المصري. إنهم يعانون من وصمات باعتبارهم ممّن تعاونوا مع إسرائيل في فترة السيطرة الإسرائيلية على شبه الجزيرة، ومن اعتبارهم سكانًا بدائيين ومجرمين ومخالفين للقانون.

إنّ انعدام الثقة من جانب السلطات زاد فقط من صعوبة كسب السكان الفقراء والمهمَلين في شبه الجزيرة لرزقهم باحترام. إنّهم لا يتجنّدون للجيش ولقوى الأمن، بل وإنّ الصناعات المحلية في شبه الجزيرة، مثل صناعة النفط، اعتادت على استيراد عمال مصريين من وسط البلاد. حتى المنتجعات الكبيرة والمربحة في جنوب سيناء ليست ملكًا لجهات محلية، وقد أُجبر سكان المنطقة على الاعتماد في رزقهم على وظائف ثانوية بمرتّبات منخفضة، مثل قيادة سيارات الأجرة، أو تشغيل مواقع السياحة الصغيرة والبدائية. أيضا فإنّ البنى التحتيّة والخدمات العامة في سيناء مهمَلة وتنخفض في مستواها عن تلك التي في وسط البلاد.

لا يرى النظام المركزي في مصر، بالإضافة إلى أجزاء واسعة من الشعب، في بدو سيناء جزءًا أساسيّا من الشعب المصري. إنهم يعانون من وصمات باعتبارهم ممّن تعاونوا مع إسرائيل في فترة السيطرة الإسرائيلية على شبه الجزيرة، ومن اعتبارهم سكانًا بدائيين ومجرمين ومخالفين للقانون

فضلا عن ذلك، تميل السلطات المصرية إلى النظر لسيناء بشكل أساسيّ من زاوية نظر أمنية. وبشكل خاص منذ العمليات الإرهابية التي ضربت شبه الجزيرة في منتصف العقد الماضي، اعتادت القوى الأمنية المصرية على ضرب السكان المحليين بيد من حديد بهدف إخافتهم وثنيهم عن التعاون مع العناصر التخريبية. يقول البدو إنّهم يتعرضون للمضايقات والاعتداءات التعسّفية من قبل الشرطة والقوى الأمنية. إنّ صناعة الجريمة والتهريب التي ازدهرت في شبه الجزيرة على ضوء الفقر القاسي المنتشر فيها زادت فقط من التوتر بين البدو والنظام.

وقد أدى هذا الواقع من التمييز والقمع بالسكان المحليين في سيناء إلى تطوير عداء متجذّر تجاه الدولة والسلطات. وقد اشتدّ الوضع أكثر في أعقاب الإطاحة بمبارك في بداية عام 2011، والذي جرّ معه فترة طويلة من عدم الاستقرار السياسي والأمني وترك سيطرة السلطات المصرية على سيناء. تفاقمت جميع عوامل التوتر هذه، فضلا عن فقر السكان المحليين. تضرّرت مصر بسبب أزمة اقتصادية شديدة في أعقاب الاضطرابات السياسية، والذين عانوا بشكل خاصّ كانوا سكان سيناء الفقراء. لقد حرم الإضرار بالسياحة الكثير من سكان جنوب سيناء من دخلهم المتواضع وصعّب ارتفاع أسعار السلع الأساسية من حياة هذه الشريحة السكانية الهشّة أصلا. وقد أثر أيضا ارتفاع أسعار الوقود والطاقة بشكل سيّء على سكان سيناء، الذين يعيشون في منطقة صحراوية كبيرة، أكثر من تأثيره على سكان المدن في مصر.

أدى هذا الواقع من التمييز والقمع بالسكان المحليين في سيناء إلى تطوير عداء متجذّر تجاه الدولة والسلطات. وقد اشتدّ الوضع أكثر في أعقاب الإطاحة بمبارك في بداية عام 2011، والذي جرّ معه فترة طويلة من عدم الاستقرار السياسي والأمني وترك سيطرة السلطات المصرية على سيناء

وبالمقابل، تزايدت الحوافز أمام سكان شبه الجزيرة للانخراط في أنشطة غير مشروعة، وبشكل أساسي تجارة السلاح، حيث إنّ تفكّك الجيش في ليبيا أغرق مصر بأنواع مختلفة من الأسلحة. بالإضافة إلى ذلك، استغلّت العناصر الجهادية السلفية التي تم الإفراج عن كثير منها من السجن أو عادوا إلى مصر بعد الإطاحة بمبارك، الحالة الصعبة للسكان وعدائهم تجاه الدولة لأهدافهم، وبشكل أساسي لضرب القوى الأمنية المصرية وإطلاق الصواريخ تجاه إسرائيل.

منذ الإطاحة بالرئيس الذي ينتمي للإخوان المسلمين، محمد مرسي، ازدادت عمليات العناصر الجهادية في سيناء، والتي ترى في النظام الذي يقوده الجنرال السابق السيسي نظامًا كافرًا وغير شرعيّ. وتشير التقديرات إلى أنّ الكثير من أنصار الإخوان المسلمين أيضا توجّهوا للتطرّف في أعقاب قمع النظام للحركة ويئسوا من العملية السياسية، ممّا أدى بهم إلى الانضمام إلى حركات الجهاد السلفية. إنّ صعوبة إدارة مواجهة فعالة لدى الجيش المصري ضدّ العناصر الإرهابية في سيناء مرتبطة بشكل مباشر بعداء السكان. إنّ المعلومات الاستخباراتية والتعاون من قبل عناصر محلية هي أمور حاسمة في كلّ مواجهة ضدّ مجموعات العصابات، وغياب هؤلاء بسبب فقدان الثقة الكبير لدى البدو يصعّب الأمر على الجيش المصري. في ظلّ غياب المعلومات الاستخباراتية الموثوقة، يستخدم الجيش والقوى الأمنية في مرات كثيرة طرقًا من العقاب الجماعي، وهي طرق تزيد فقط من عداء السكان المحليين وتدفعهم إلى أذرع التنظيمات الإرهابية.

"ابن الجيش المصري". الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

"ابن الجيش المصري". الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

وتدرك القاهرة أنّه باعتبارهم جزءًا من المشكلة، يجب على البدو في سيناء أن يكونوا أيضًا جزءًا من الحلّ، ولكن حتّى الآن فشلت جميع الأنظمة في مصر بمعالجة المشاكل التي لا تزال تتنامى فحسب. هناك خطط شاملة لتنمية شبه جزيرة سيناء قائمة منذ العام 1995، ولكن معظمها بقي في الغالب حبرًا على ورق. في الوقت الذي استطاعت الشرطة فيه في الماضي إدارة السكان من خلال علاقاتها مع رؤساء القبائل في سيناء و"شراء" تعاونهم، ففي السنوات الأخيرة ترد التقارير عن أنّ تأثير هؤلاء (رؤساء القبائل) على السكان من الشباب آخذ في التناقص، حيث يُنظر إليهم باعتبارهم دمى بيد الحكومة ويفقدون تدريجيّا احترامهم ومكانتهم.

في ظلّ غياب المعلومات الاستخباراتية الموثوقة، يستخدم الجيش والقوى الأمنية في مرات كثيرة طرقًا من العقاب الجماعي، وهي طرق تزيد فقط من عداء السكان المحليين وتدفعهم إلى أذرع التنظيمات الإرهابية

وهناك مشكلة أخرى تواجهها القوى الأمنية المصرية وهي التأثير المتزايد على السكان المحليين من قبل التنظيمات الإرهابية، وخصوصا جماعة أنصار بيت المقدس، التي تعرّف باعتبارها فرعًا مصريّا للقاعدة وتَنسب إليها أخبار كثيرة نُشرت مؤخرا عن علاقات مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). لقد تحوّل جزء كبير من سكان سيناء إلى التطرّف الديني في السنوات الماضية، ويرجع ذلك جزئيّا إلى وجود العناصر الجهادية في شبه الجزيرة. ولكن أبعد من ذلك، فقد بدأ أنصار بيت المقدس في الأشهر الأخيرة بحملة مغطاة بشكل جيّد إعلاميّا لردع السكان المحليين عن التعاون مع القوى الأمنية ومع إسرائيل. على سبيل المثال، تُظهر أفلام تم رفعها مؤخرا على الشبكة من قبل عناصر التنظيم اعترافات مواطنين محليين بأنّهم تعاونوا مع الجيش أو مع إسرائيل وتُظهر رؤوسهم وهي تُقطع بأيدي ملثّمين.

إنّ حملات الترهيب من هذا النوع تترك انطباعها على السكان المحليّين وقد تردع أيضًا العناصر المحلية التي ليس لديها عداء للدولة عن التعاون مع القوى الأمنية. ومع ذلك، فمن الواضح أيضًا أنّها أثارت ردود فعل من قبل بدو سيناء غير المنتمين للتنظيمات الإرهابية. نُشر في الأسبوع الماضي فيلم من قبل ميليشيا جديدة مكونة من بدو من سيناء يسمّون أنفسهم "أبناء سيناء"، ويظهر فيه أعضاء الميليشيا الملثّمين وهم يقسمون على قتال العناصر الجهادية التي تهددهم وعلى دعم جهود مكافحة الإرهاب التي تقوم بها القوى الأمنية.

وبينما يتهم السيسي "أياد أجنبية" بالتورّط في الهجمات الأخيرة، فإنّ الإجابة لمشكلة سيناء مرتبطة بالجهود المحلية أكثر ممّا يحدث في غزة. إنّ معالجة مشكلة الإرهاب في سيناء تتطلّب من قبل النظام الاهتمام بالمشكلات الجذرية للسكان البدو. ولكن من المتوقع أن تأخذ معالجة هذه المشكلات وقتًا طويلا وتحتاج إلى أن يكون هناك قتال مواز ضدّ التنظيمات الإرهابية التي تضرب الاستقرار الأمني، السياسي والاقتصادي لمصر. إنّ الموازنة بين التنمية الاقتصادية في سيناء وبناء علاقات الثقة مع السكان البدو، وبين محاربة التنظيمات الإرهابية المراوغة والوحشية هو تحدّ معقّد يميّز العديد من التحدّيات التي تواجه الرئيس المصري الجديد.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع‏ Near- East‏