إسرائيل والشرق الأوسط. من الصعب وصف مثل هذه العلاقات المعقّدة: الإسرائيليون هم جزء من الحيّز المادّي للمنطقة، ولكن يبدو أنها لن تستوعبهم في داخلها ذات مرة بشكل كامل أبدا، وسيظلّون في الخارج دائما، يُشاهدون من الجانب. احتاجت إسرائيل، خلال السنين ومنذ إقامتها، إلى خبراء في شؤون الشرق الأوسط.  في المقام الأول لأغراض استخباراتية، ولكن لتلبية حاجة الجمهور الواسع في التعرّف على الواقع في البلدان المجاورة لهم أيضًا. في السنوات الأخيرة، يسعى جيل جديد من "المستشرقين" إلى تحدّي الجيل السابق، المحافظ، والذي يعتقدون أنه  عزّز خطابا يستند إلى الترهيب وإبراز العناصر المتطرّفة.

انتظمت في السنة الأخيرة مجموعة من الخبراء الشباب في الشرق الأوسط تحت إطار "منتدى التفكير الإقليمي"، والذي يعمل تحت إطار منظّمة "مولد" التي تنتمي إلى اليسار.

يقود هذه المجموعة أساف دافيد، رجل شاب نسبيا، والذي تكشف عيناه وشعره الأسود حقيقة أصول عائلته اليمنية. يتحدث العربية بطلاقة، بفضل سنوات تطرق فيها إلى موضوعات الشرق الأوسط ولكن أيضًا بفضل حقيقة أنّه تم التحدث  في منزله باللغة العربية. قبل عدّة سنوات أخذ على عاتقه المهمّة: تعليم الإسرائيليين أكثر عن المنطقة التي يعيشون فيها. "الخطاب الإسرائيلي حول الشرق الأوسط منحاز نحو الإثارة، أو التهديد، ومن أجل الحصول على تغطية إعلامية، فإنّ كل ظاهرة يجب أن تكون مرتبطة بإسرائيل بشكل أو بآخر"، يقول دافيد.

مثل الجميع، يتطرّق دافيد أيضًا بشكل أساسيّ إلى داعش. غزت أفلام قطع الرؤوس الشاشات، في إسرائيل أيضًا، ولم تترك مجالا كبيرا من التغطية الإعلامية للعمليات الأكثر عمقا مما يحدث في المنطقة.

يتهم دافيد الإعلام الإسرائيلي بالسطحية في كل ما يتعلق بالتطرق إلى داعش: "عندما تتناول داعش انطلاقا من القلق والشعور بالتهديد، دون أن تفهم جذور التنظيم، من أين ظهر، ودون أن تفهم عمق صراعه مع الإخوان المسلمين على سبيل المثال. فإنّ الجذور هي في الإطاحة بصدام حسين، وضعف حزب البعث، وإقصاء السنة من جميع مراكز السلطة في العراق، مما أدى إلى شعور بتفكك العالم السني، واعتبار إسرائيل وإيران الرابحين الأكبر في المنطقة، وقد احتدّ هذا الشعور بعد الربيع العربيّ أكثر".

ويقول دوتان هليفي، وهو باحث مشارك في المنظمة، ومتخصص بما يحدث في غزة، أمورا أكثر شدّة: "الإسرائيليون لا يرون العرب. من الناحية الإعلامية الإسرائيلية فجميع العرب هم داعش: عنيفون وبدائيون. لا يتم ذكر العوامل التي أدت إلى صعود داعش. على سبيل المثال، ليس هناك الكثير من الإسرائيليين الذين يعرفون ما هي "مدينة الموتى" (في القاهرة)، ولا يفهمون عمق الضائقة الاجتماعية والاقتصادية.

"من الناحية الإعلامية الإسرائيلية فجميع العرب هم داعش"

"من الناحية الإعلامية الإسرائيلية فجميع العرب هم داعش"

ويضيف أساف دافيد قائلا: "إذا فعلت داعش شيئا لمكانة إسرائيل، فإنّ ذلك سيقوّيها فحسب. الجيوش حولها تتآكل، وعلى الرغم من وجود تهديد حرب عصابات، لكنها في وضع لم تكن فيه خلال سنوات".

"يمكن مكافحة القلق بواسطة المعرفة"

رغم حقيقة أنّ المشروع ذو ميول يسارية واضحة، فلا ينكر الباحثون الشباب حقيقة أن معظم الإسرائيليين يتحرّكون انطلاقا من القلق ومن الشعور بالتهديد في كل ما يتعلق بالعالم العربي الذي حولهم، ومع ذلك، كما يقول هليفي: علاج القلق هو المعرفة والتماهي. "خذي على سبيل المثال رمضان"، كما يقول، "للوهلة الأولى، هو أمر يمكن للإسرائيلي الذي يملك القليل من المعرفة حول التقاليد أن يتماهى معه بسهولة: الصيام، شعور العيد، الأسرية، ومع ذلك، فإنّ معظم الإسرائيليين لا يعرفون شيئا عن هذا الشهر ومعناه. يمكنك في كل عام أن تسمعي في الراديو أسئلة مثل: "لماذا يصومون شهرا كاملا؟"، "هل تصوم النساء؟". في رأيي، كان من المفترض على الإسرائيليين أن يدركوا ذلك في هذه المرحلة...

"إسرائيل ليست جسمًا غريبًا في الشرق الأوسط"

يعرض أساف دافيد نظرية منقطعة النظير بخصوص مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط. "إسرائيل" كما يقول "هي جزء من الشرق الأوسط، وليست جسمًا غريبًا". "إسرائيل أيضًا هي مجتمع تجري فيه صراعات على خلفية الهوية، مثل غالبية البلدان في المنطقة، عندنا أيضا هناك تفوق الاعتبارات الأمنية على الاعتبارات المدنية، ونحن أيضًا نتصرّف انطلاقا من شعور مستمرّ بالتهديد، كما لو كان "العدوّ على الأسوار"، وبطبيعة الحال، عندنا أيضًا العلاقة بين الدين والدولة عميقة ومعقّدة أكثر بكثير من الدول الأوروبية ومن الصعب جدّا الفصل بينهما".

ولكن، كما يقول عيدان برير، في إسرائيل لا يعرفون جيرانهم: "لا يُقدم الجهاز التربوي الإسرائيلي للإسرائيليين ما يكفي من الأدوات للتعامل مع المكان، لا بالعربية، ولا بالتعرف على ثقافة المنطقة. الإسرائيلي الذي ينهي الثانوية لا يعرف شيئا عن المكان الذي يعيش فيه. يتم استغلال هذا الجهل من قبل المستشرقين كي يفعلوا ما يحلو لهم بالخطاب السياسي.

يضيف أساف قائلا: من الضروري أن يكون اليهود الذين نشأوا في جو كانت تسوده الثقافات العربية مشاركين في إنشاء الخطاب. في اللحظة التي يفهم فيها الطرف الآخر أنني من أصول عربية وأنني أتحدث العربية، فردّ الفعل الفوري هو "خلص، أنت جيّد".

اقتنصت حقيقة أنّ في غرفتي تجتمع مجموعة من المستشرقين، من أجل الحصول على صورة للوضع الحالي كما يرونه، فيما يتعلق ببلدان المنطقة".

"الأردن غيّر وجهه تماما"

"الأردن"، يقول أساف دافيد، والذي يدرس ما يحدث في تلك الدولة منذ سنوات طويلة، "مهمل في الخطاب الإسرائيلي. في اللحظة التي وقّعنا فيها على اتفاق السلام معهم، نسينا ببساطة هذه الدولة، رغم أن هناك بنودا مدنية في الاتفاق، انطلاقا من التفكير في بناء علاقات طبيعية، وكدرس من اتفاق السلام مع مصر، الذي كان عسكريا في المقام الأول".

إيتسحاق رابين، العاهل الأردني الملك حسين والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في حفل توقيع اتفاقيات السلام (Nati ShohatFlash90)

إيتسحاق رابين، العاهل الأردني الملك حسين والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في حفل توقيع اتفاقيات السلام (Nati ShohatFlash90)

غيّر الأردن وجهه تماما. هناك انهيار كلّي للموارد والبنى التحتية، إنه لا يستطيع الوفاء بالتزاماته للبدو، ولا حتى بالحدّ الأدنى، وذلك بسبب تدفّق اللاجئين السوريين. نحن نرى أن الأقلية الشرق أردنية تصارع من أجل الحفاظ على استقلالها وثقافتها، ويشكّل تحديدا تحدّيا بشكل أكبر على الأسرة المالكة أكثر من الفلسطينيين، على سبيل المثال.

"ليس هناك مستقبل للأقليات في الشرق الأوسط على المدى البعيد"

يتوقع عيدان برير، الذي ترتكز مجالات بحثه في العراق والأقليات الدينية والعرقية في تلك الدولة، بالإضافة إلى الدولة الإسلامية، مستقبلا غير مشرق للأقليّات في المنطقة. "في رأيي ليس هناك مستقبل للأقليات في الشرق الأوسط، على المدى البعيد"، كما يقول. "ليس لديهم أدوات لضمان وجودهم في المنطقة التي لا يمكنها استيعابهم". ويشرح برير قائلا: يمر العلويّون في سوريا بعملية انسحاب، دفاع عن النفس، وحساب نهايتهم، وليس هناك للأكراد في سوريا مستقبل داخل الدولة القومية، وتقف أمام الدروز ثلاثة خيارات: الاستسلام، محاولة التوصل إلى نوع من "التسوية المؤقتة" مع الإسلاميين أو القتال حتى آخر قطرة دم. ناهيك عن اليزيديين في العراق.

"إنها فترة ممتازة لحماس"

ويوجّه دوتان هليفي، الذي يُدرّس تاريخ الشرق الأوسط، مع التركيز على القضايا الاجتماعية والثقافية، والمتخصص فيما يحدث في مصر وقطاع غزة، انتقادات حادّة على عمليات إسرائيل في غزة، خلال العملية العسكرية قبل عام: "غزة ليست قائمة في الرأي العام الإسرائيلي"، كما يقول. "هناك لا مبالاة لا يمكن تفسيرها حول ما يحدث هناك". "عندما وصلت الصور من كوباني، على سبيل المثال، صُدم الإسرائيليون. بماذا يختلف ذلك عمّا يحدث في غزة؟ هل تريد إسرائيل أن يقارنوها بنفس المعايير التي يقيسون فيها داعش في سوريا؟".

مسيرة لحماس في غزة (AFP)

مسيرة لحماس في غزة (AFP)

بخلاف تقديرات المؤسسة الإسرائيلية والتي بحسبها تلقت حماس ضربة قاسية خلال العملية العسكرية وضعفت مكانتها، يدعي هليفي أنّ "هذه فترة ممتازة لحماس. لم تحدث انتفاضة شعبية ضدّها. على العكس. تستغلّ حماس الوضع الإشكالي في قطاع غزة، من أجل التدرّب على المهام المدنية: إزالة النفايات، الصرف الصحّي، توفير الكهرباء. وعموما، فإنّ سلطتها قوية وستتعزّز أكثر إذا حدثت تسوية ما مع إسرائيل.