يُعتبر عالم الحاريديين أشبه بفقاعة مغلقة داخل المجتمع الإسرائيلي.  ويعيش "الحاريديون"، اليهود المتزمتون،  في جماعات صغيرة ومغلقة منفصلة عن عالم العلمانيين وعن الإنترنت وعن التلفزيون، ويربون أولادهم وفقًا للشريعة ولما هو مذكور في التوراة والكتب المقدسة على أمل أن يتابع أولادهم العيش في الحلقة المغلقة المتمثلة بذلك الوسط.

يحظى وسط العلمانيين، بين الحين والآخر، بفرصة إلقاء نظرة إلى داخل عالم الحاريديين وذلك من خلال واحد أو واحدة من أفراد ذلك الوسط الذي "ترك الدين"، توقف عن الالتزام بقوانين وقيم ذلك الوسط وبدأ حياة جديدة، "عادية" كحياة بقية المجتمع الإسرائيلي.

انكشف، مؤخرًا، الجمهور الإسرائيلي على ذلك العالم من خلال شابة اسمها راحيلي كرويزر. ترعرعت راحيلي في القدس داخل جماعة منغلقة تابعة لحركة "ناتوري كارتا"، يهود متزمتون جدًا، والذين لا يعترفون حتى بدولة إسرائيل (إذ يقولون إنها دولة يهودية بناها بشر بينما يُفترض أن يبنيها المسيح المنتظر فقط). تركت راحيلي في الـ 23 من العمر عالم المتديّنين، من خلال عملية تسمى بالعبرية "ترك الدين" (بينما يسمى التديّن يسمى "التوبة إلى الدين"، حيث يتلقى المرء عندما يتوب إلى الدين الإجابة على حقيقة الوجود اليهودي).

كشفت راحيلي نفسها للجمهور الإسرائيلي من خلال جملة قصيرة . قامت بعرض الصورة التالية على صفحتها الفيس بوك وهذا ما كتبته:

"قبل وبعد...
من اليمين – صورتي وأنا متديّنة متزمتة. من اليسار – صورة لي اليوم، بعد أن تركت الدين.
إلى كل أولئك الذين يعتقدون بأن سعادتي موجودة هناك أتمنى أن ينظروا إلى عيني ويحكموا بأنفسهم: أي عينين تبدوان سعيدتين وأيهما تبدوان باهتتين؟ من الموجودة في سجن اجتماعي وفكري ومن التي أخذت على عاتقها عبء التحرر؟"

تمت مشاركة هذه "الحالة" (الستاتوس) بشكل كبير وحصلت على 10،000 "إعجاب"  تقريبًا.

تجابه وتشارك

ما زالت كرويزر تشارك متتبعيها الكثيرين الجدد على الفيس بوك بالمسار الذي مرت به، وما زالت تمر به، وعن التغيير الذي حصل في حياتها منذ الانتقال ومنذ نشرت قصتها.

راحيلي كرويزر (صورة من صفحة فيس بوك الخاصة بكرويزر)

راحيلي كرويزر (صورة من صفحة فيس بوك الخاصة بكرويزر)

"في الأسابيع الأخيرة – منذ أن خرجت للعلن، وأتحت الفرصة للعائلة والآخرين بالتواصل معي، أمر بتجربة لا تصدق!" كتبت على صفحتها الفيس بوك. تلقت تهديدات على حياتها، على حياة زوجها، الذي يُتهم أحيانًا أنه هو السبب في تركها للدين.

تتلقى، بعد أن نشرت صورة "قبل وبعد"، عددًا كبيرًا من الشتائم والافتراءات والتهديدات من قبل جهات من الحاريديين، وبالمقابل تحظى بالدعم الكبير والحب من قبل المتصفحين العلمانيين أو المتدينين المعتدلين. وهناك منهم أيضًا من مروا بمسار شبيه ويتضامنون معها وآخرون يشعرون بالغيرة لأنهم في صميم قلبهم يريدون أن يفعلوا ما فعلت ولكنهم لا يجرؤون على ترك كل شيء خلفهم، كل عالمهم عائلتهم، الرب.

لكنها لا تجعل ردود الفعل المهددة تلك تؤثر عليها. كتبت تقول، "أولئك فقط يجعلونني أتمسك أكثر بطريقي الجديدة ويؤكدون لي أي مكان مريع هو ذلك المكان الذي تركته". يمكن أن نرى تحت كل "حالة" تكتبها مئات التعليقات، التي تتحوّل في بعض الأحيان إلى مشادات كلامية بين المعلقين العلمانيين والمتديّنين، بعضهم يقوم بكتابة تعليقات موضوعية مثل (كان ذلك الماضي هو مريع جدًا برأيك فلماذا أنت منشغلة به طوال الوقت هكذا؟ تابعي حياتك وحسب...") وأحيانًا هناك تعليقات تأتي لتشجعها، لتدعمها، لتمتدح شجاعتها بأنها قررت أن تشارك قصتها.

الحياة في ظل الخوف

أعطت كرويزر مؤخرًا مقابلة لإذاعة "كول هشلوم" حيث تحدثت عن قصتها وأجابت على أسئلة المحاورين. قالت، "نشأت في بيت متزمت من بيوت "ناتوري كارتا"، وبطلب من المحاورين شرحت للمستمعين العلمانيين بأن "هذا التيار الديني هو  تيار معارض لدولة إسرائيل ويعارض كل ما يتعلق بالتعليم والعلمانية ويحاولون في هذا التيار فصل أفراد الجماعة عن كل ما هو موجود خارجها".

طفلات حاريديات (Lara Savage/Flash 90)

طفلات حاريديات (Lara Savage/Flash 90)

وعندما سُئلت عن مشاعرها حين كانت طفلة قالت إن الخوف تحديدًا كان حاضرًا في حياتها. الخوف من الرب، من المجتمع، حيث أنه يجب الحذر طوال الوقت، والالتزام أكثر فأكثر من ناحية الاحتشام وكل ما إلى هنالك".

من الأمثلة التي ذكرتها هي التشديد على مسألة الاحتشام: "على الطفلة من سن 3 سنوات أن تحتشم وكأنها امرأة بالغة". يتمثل هذا الأمر بارتدائها جوارب طويلة ومحكمة الإغلاق، في الصيف أيضًا، إخفاء أي بقعة من جلدها، ما عدا كفي اليدين والوجه ومنع أي تماس مع الذكور. حتى وإن كان بأطراف الأصابع.

"عندما كنت طفلة صغيرة، في السادسة أو السابعة من عمري، كنا نزور جدي في يوم عيد، في القدس، وأراد أعمامي اللعب معي وأذكر أن والدي لم يسمح لهم لأن عمري حينها كان قد تجاوز الثلاث سنوات".

مقابلة لإذاعة "كول هشلوم" (باللغة العبرية):

"لم أعرف قبل بلوغي الـ 17 من العمر كيف يأتي الأطفال إلى الحياة"

استطاعت راحيلي، رغم تلك التربية الصارمة التي فرضت الانفصال كل شيء في العالم الخارجي، بأن تتحرر وأن تجد لها حياة جديدة. تقول، "دائمًا ما كنت أتضايق من هذه الأجواء"، "كنت أشعر دائمًا أنه يتم التعامل معي وكأنني مجرد شيء وليس أنني إنسانة. مثلاً، التربية التي تعلمتها في البيت هي أن على الإناث خدمة الذكور، الذين وُلدوا لكي يتعلموا التوراة".

استمرت حياتها على ما هي، لم تفكر بأن "تتمرد" على كل تلك التعاليم التي نشأت عليها. إلى أن تزوجت. تزوجت في سن الـ 17 والنصف من حياتها من رجل لم يسبق لها أن كانت تعرفه. التقى والداها ووالداه واتفقا بينهما على كل التفاصيل وبعد الاتفاق على مسألة الزفاف اجتمع الاثنان لبضعة دقائق، بوجود أفراد العائلة بالطبع.

تزوجت وهي لا تعرف أي شيء. لم أكن أعرف، حتى بلوغي الـ 17، كيف يأتي الأطفال إلى العالم. لم أعرف أبدًا ما هو الجنس وبأن ذلك جزء من الحياة الزوجية. اعتقدت أنه بعد أن نتزوج سيكمل هو تعلم التوراة وأنا سأربي الأولاد ولكنني لم أعرف ماذا ينتظرني". قالت. "كنت أعرف أن هناك شيء اسمه حمل وولادة لأنني كنت الابنة البكر بين 13 أخًا، لذا، رأيت أمي تحبل 13 مرة. إنما لم أكن أعرف كيف يحدث ذلك". من الجدير بالذكر أنه حتى تلك اللحظة لم تكن قد اختلطت مع أي رجل آخر ما عدا والدها وشقيقها.

مراسم عقد القران في المجتمع اليهودي المتزمت (Flash90/Yaakov Naumi)

مراسم عقد القران في المجتمع اليهودي المتزمت (Flash90/Yaakov Naumi)

وفجأة وجدت نفسها تعيش مع رجلٍ لا تعرفه. مضى على زواجهما ست سنوات وخلال تلك السنوات كانت تعصف بها مشاعر قوية وتساؤلات وصراعات. عندما توجهت لأخذ استشارة، في أول سنة من زواجها، قالوا لها: "عليك أن تشكري الرب لأنك بفضل التربية الصارمة في البيت بقيت متديّنة". حُفرت هذه الجملة في ذاكرتها ولم تتركها. ورويدًا رويدًا صارت تُدرك أن العالم الذي تعيش فيه هو ليس عالمًا سعيدًا.

"أدرك تمامًا ألم والدي"

سافر الزوجان في مرحلة معيّنة من حياتهما خارج البلاد لثلاثة أشهر. وعندما حان وقت العودة قالت في نفسها "لا أريد أن أعود إلى ذلك السجن في القدس". تجرأت على قول هذا لزوجها وانتقلا معًا إلى صفد؛ في الشمال. ولكن ذلك الصراع في داخلها احتدم أكثر إلى أن شعرت أنه لم يعد بإمكانها أن تعمل كمعلمة لكي لا تؤثر سلبًا على الفتيات اللواتي كانت تعلمهن.

بدأت في هذه المرحلة تستكمل تعليمها وتقدم امتحانات البجروت، وهكذا بدأت تنفتح على الرجال في الوسط العلماني. عندما رأت بأن "ذلك الغول ليس مريعًا إلى هذا الحد"، أعطاها ذلك الشيء الشجاعة وصارت أفكارها تتعمق أكثر.  في مرحلة معيّنة "فهمت أخيرًا"، بعد ست سنوات من التفكير والحيرة. وأدركت بأنها لم تعد قادرة على التهرب من تلك الأفكار. أدركت أنه لا طائل من الإيمان ونمط الحياة الذي تعيشه. هناك من ابتكر الدين وتملك فكرة الرب.

لم يحدث ذلك الأمر تدريجيًّا بل مرة واحدة. تركت زوجها وذلك المجتمع. قامت عائلتها بمقاطعتها ولا تتواصل معها وتعتبرها ميتة. تقول إنها تتفهم معاناة والديها تمامًا وإنها تتمنى أن يغفرا لها في يوم ما وأن يعودا للتواصل معها.

تتعلم  الحياة في العالم العلماني رويدًا رويدًا وتشق طريقها فيه وتقوم بتحديد قيمها وبتبديل خزانة ملابسها. تستعين في مشوارها هذا بأشخاص كانوا ارتدوا عن الدين والذين يساعدون كل من يقوم بهذه الخطوة وينتقل إلى عالم يعتبرونه عالمًا مختلفًا وغير معروف. تتابع الآن طريقها، بينما هي محاطة بدعم الأصدقاء، والآن المتابعين على الفيس بوك، وتتيح لنا أن ننظر من خلال عينيها وأن نرى كما كانت عيناها ذابلتين في الحياة السابقة وكم هما الآن نابضتان بالحيوية والنور.