اعتاد سكان القدس على هذه المظاهر: شخص طويل الشعر وذو لحية يتجوّل في شوارع المدينة ويحمل على ظهره صليبًا ضخمًا ويزعم أنّه جاء من أجل خلاصة البشرية. يخطب شخص آخر في ميدان المدينة قائلا إن المسيح في طريقه إلى المدينة، وتجتمع حوله مجموعة من الفضوليّين. وهناك أيضًا هؤلاء الذين يركضون في شوارع المدينة وهم يرتدون عباءة ويحذّرون من حرب عالمية ثالثة، وهناك من يعتقد بأنّ الشيطان دخل إلى دمائهم في محاولة منه للسيّطرة على أرواحهم.

كانت الحادثة الأكثر شهرة في العقود الأخيرة عام 1969، حين آمن سائح أسترالي أنّ روح القدس قد حلّ به وأشعل النيران بالمسجد الأقصى، وتسبّب في أضرار كبيرة. غضب العالم الإسلامي، وادّعى كثيرون أنّها خطّة إسرائيلية للسيّطرة على المسجد.

ولكن الحقيقة هي أنّ السائح، مايكل روهان، كان يعاني من حالة نفسية نادرة تُدعى "متلازمة القدس"؛ وهي ظاهرة تميّز الحجّاج الذين يزورون القدس، ويعانون من "جرعة زائدة" من الرهبة الروحية. اعتقد روهان، الذي لم يكن مستقرًّا نفسيًّا قبل تنفيذ العملية، بأنّه عمل وفقًا لتعليمات الدين النصراني وأنّه يعمل بموجب أمر إلهيّ يساعد اليهود على بناء الهيكل من جديد، وعلى مجيء المسيح المخلص ثانية إلى العالم وسيّطرته على العالم لمدّة ألف عام.

الظاهرة معروفة جيّدًا في مستشفيات الأمراض العقلية في القدس؛ فنحو 1000 سائح تمّ علاجهم في السنوات الثلاثين الأخيرة بسبب المتلازمة. كلّ عام، يتم في إسرائيل علاج نحو 100 سائح يعانون من مشاكل نفسيّة مرتبطة بطريقة أو بأخرى بابتهاج من نفس "روح القدس" التي تحط على المدينة.  الغالبية العظمة من الذين يعانون من هذه المتلازمة هم رجال بروتستانتيين، وغالبًا، في سنّ الثلاثين. وأحيانًا يعاني منها رجال يهود، ولكن لم يعرف عن مسلمين أصيبوا بهذه الظاهرة.

الذين يعانون من "متلازمة القدس" هم أكثر تديّنًا من المعدّل، والقضايا اللاهوتية مهمّة بالنسبة لهم وتشغلهم. يسمعون أصواتًا ويرون رؤى ويعتقد الكثير منهم بأنّهم المسيح. بعضهم يؤمن بأنّه الشيطان، أو حتّى الله سبحانه وتعالى. يرى آخرون أنفسهم كشخصيات من الكتاب المقدّس، كالملك داود أو النبي إيليا، وهناك من يرى نفسه كشخصية من العهد الجديد مثل مريم أو يوحنا المعمداني. كل محاولة للجدال معهم أو إنكار هويّتهم "الجديدة" تثير غضبهم، قلقهم وعنفهم.

الذين يعانون من "متلازمة القدس" هم أكثر تديّنًا من المعدّل (Miriam Alster/FLASH90)

الذين يعانون من "متلازمة القدس" هم أكثر تديّنًا من المعدّل (Miriam Alster/FLASH90)

هناك من لا ينتحل أيّة شخصية، ولكن يثير الكثير من الفوضى. على سبيل المثال، قبل بضع سنوات دخل أحدهم إلى قاعة أحد الفنادق في المدينة، وبدأ بإزالة النظارات من أوجه النزلاء المقيمين هناك. حين سُئل ماذا يفعل، أوضح الرجل بأنّ النظارات تمنع الناس من رؤية "النور الحقيقي"، نور الفداء. شخص آخر ألقي القبض عليه في كنيسة القيامة، حين كان يفسد الرموز التي على الجدران، زاعمًا بأنّه يؤسس دينًا جديدًا يقوم على جميع الأديان السماويّة.

ويصف كتاب جديد صدر باللغة العبرية هذه الظاهرة وعنوانه "قدس القداسة والجنون: حجّاج، مسحاء، وحالمون". وقد ألّف الكتاب خبيران في الصحّة النفسية: البروفيسور إيلي فيتسوم والدكتور موشيه كليان. ويناقش الكتاب الجوانب النفسية لهذه الظاهرة، وأيضًا الخلفية الدينية، الثقافية والتاريخية. اتّضح أنّ هذه الظاهرة موثّقة منذ القرون الوسطى.

يقوم الاثنان بإجراء تمييز أساسي بين أولئك الذين يعانون من المتلازمة كتجربة نفسية، أي أن المتلازمة تسيّطر عليهم، طوال الوقت عادةً، وبين أولئك الذين يعانون من متلازمة صوفية بالأساس، أي إنّهم يسيّطرون عليها وغالبًا يكون الحديث عن تجربة قصيرة ومركّزة. لدى الصوفيّ، يكون السلوك بين نوبة معيّنة وأخرى سلوكًا عاديّا لإنسان عاقل، بينما لدى المريض النفسي يكون التدهور عامًا ويظهر في الإهمال الذاتي، وفي بعض الأحيان في السلوك العنيف إلى حدّ بعيد.

جزء كبير من "المجانين" في القدس تم تشخيصهم كمرضى نفسيّين قبل وصولهم للمدينة. ومرّ الكثير منهم بتجربة شخصية أثرت عليهم مثل حادثة سيارة أو وفاة أحد الأقارب. يبدأ الشخص بسماع أصوات أو مشاهدة رؤى ويذكر الكثيرون بأنّ هو الله سبحانه وتعالى طلب منهم الذهاب للقدس لأداء مهمّة دينيّة ما أو أخرى. وكما في حالة حريق الأقصى، يمكن للمهمّة أن تكون مدمّرة وخطيرة.

 "متلازمة القدس"، صورة توضيحية (Flash90 / Kobi-Gideon)

"متلازمة القدس"، صورة توضيحية (Flash90 / Kobi-Gideon)

إحدى القصص الأكثر غرابة التي تم توثيقها هي عن امرأة أمريكية جلبت رزقها من الدعارة، وبعد أن ترمّلت من زوجها قرّرت أن تذهب إلى القدس كي تنشر هناك رسالة الله من أجل التكفير عن خطاياها. حين وصلت إلى المدينة، قرّرت أن تصوم حتّى تُغفر جميع ذنوب العالم. بعد عدّة أيام متتالية من الصوم، عُثر على المرأة وهي في حالة إغماء وعلى حافّة الموت، في أحد شوارع القدس. أعادها أقاربها للولايات المتّحدة واعتنوا بها.

ولكنّ بحثًا صغيرًا في شبكة الإنترنت يُظهر أن المقدسيّين ليسوا وحدهم؛ بل هناك عدّة أماكن حول العالم لديها ظواهر مرضيّة غريبة خاصّة بها. هل سمعتم عن متلازمة فلورنسا، والتي تحلّ بهؤلاء القادمين للمدينة الإيطالية ويصابون بالدهشة من الأعمال الفنّية المتنوّعة حتى ينشأ لديهم قلق حقيقي؟ وهل سمعتم عن متلازمة الجنّة، والتي تصيب هؤلاء الذين يصلون إلى الجزر الاستوائية حيث يقتنعون بأنّهم صعدوا للسماء؟ وربّما تكون متلازمة باريس هي المتلازمة الأكثر غرابة؛ وهي ظاهرة جديدة نسبيًّا من الاكتئاب والقلق اللذين يصيبان السيّاح الذين يزورون العاصمة الفرنسية. ولكن لا تقلقوا، فمتلازمة باريس هي ظاهرة فريدة للسيّاح اليابانيّين الحالمين بباريس طوال حياتهم والذين يشعرون بخيبة الأمل بعد أن يكتشفوا بأنّ المدينة لا تلبّي توقّعاتهم.

ومع ذلك، إنْ لم تكونوا مسيحيّين، عازبين، في سنّ الثلاثين من عمركم وليس لديكم خلفية من الأمراض النفسية؛ فمبارك لكم، فمن المرجّح أنّكم لستم في مجموعة خطر المعاناة من المتلازمة. يُرحّب بأبناء جميع الأديان في زيارة القدس، وعبادة الله بالطريقة التي يختارونها، بشرط واحد؛ وهو أن يحافظوا على عقولهم وألا يضرّوا أحدًا.