من المسلَّم به اليوم في مصر أنّ مرسي ما كان بإمكانه إتمام ما تبقى من السنوات الأربع لولايته. يعيد أحد سكان القاهرة سرد ما جرى في فترة مظلمة بداية عام 2013، حين كانت هناك اضطرابات في بورسعيد، قتل دون محاكمة في الدلتا، معارك دائمة في الشارع على طول كورنيش القاهرة؛ وحتى هجوم على" سميراميس"، أحد أفخر فنادق العاصمة. كان النظام العام يهترئ، والاقتصاد يتهاوى، وبدا مرسي مهتمًّا بتعزيز قوة الإخوان أكثر من الاستجابة لحاجات شعبه. الوضع ملائم لكي يُضطر الجيش إلى التدخل. لكنّ هذا يطرح سؤالًا حول ما إذا كان الجيش يستطيع أو يريد إدارة انتقال إلى الديمقراطية.

يبدو أنّ العلمانيين يظنّون هكذا؛ ويتملّكهم هوَس الإشارة إلى فوارق بين الحكومة العسكرية الانتقالية السابقة والحكومة الجديدة بقيادة السيسي. "السيسي أذكى"، يقول العليمي. ويتابع: "الفريق أول السيسي لم يتدخل في أيّ من قرارات مرسي. فقد ترك الأمور تنحدر من سيء إلى أسوأ خلال سنة حكم مرسي، حتى طلب الشعب أن ينقذه الجيش من الإخوان". لكنّ العليمي يدرك أنّ حسّ البراغماتية لدى السيسي قد يؤول إلى نتائج عكسيّة. "إنّ نظرتهم إلى الديمقراطية متشابهة"، يقول العليمي عن السيسي والمجلس العسكري الانتقالي السابق. "فهم يرتدون البذلة نفسها. العسكر هم العسكر، ولا يمكن الوثوق بهم".

قد يأتي أفضل مثال على العلاقة الإشكالية نوعًا ما للعسكر بالديمقراطية من فضح قضية حقوق إنسان غامضة، ولكنها بالغة الأهمية. فوفقُا لمحمود سلماني، الناشط في مجموعة "لا للمحاكمات العسكرية"، ثمة حاليًّا 12 ألف مدني مصري يواجهون محاكمات في محاكم عسكرية بتهم ارتكاب إساءات مختلفة ضدّ القوات المسلحة. وبعض هذه الإساءات يبدو بوضوح سلميًّا. فالقبض عليك بعد حظر تجول يمكن أن يقودك إلى محكمة عسكرية. لذلك، يمكن أن يكون الأمر ببساطة أن تكون في المكان غير الملائم في الوقت غير الملائم. ويروي سلماني قصة فتى يبلغ من العمر 15 عامًا جرى تعذيبه والحكم عليه بالسجن 15 عامًا بعد القبض عليه في حملة اعتقالات، خلال عهد مرسي. "يُمكن أن يُعتقَل الذين ليسوا على وفاق مع الجيش ويخضعوا لمحاكمات عسكرية"، يوضح سلماني. ويتابع: "سبب ذلك هو حضور الجيش في الشوارع عوضًا عن الشرطة ... فالجيش حاضر في حياتنا اليومية". وللجيش شعبية واسعة في مصر، إذ يُعتبر دائمًا الأكثر حيازةُ على الدعم الشعبي إلى حدّ كبير بين المؤسسات المصرية.

ميدان التحرير (AFP)

ميدان التحرير (AFP)

حتى خلال تجربة مصر مع الحكم المدني لمدة عام في عهد الإخوان المسلمين، لم يتناقص عدد المحاكمات العسكريّة. وسيضمن الدستور المعدَّل بقاءهم مظهرًا ثابتًا من مظاهر الحياة في مصر. فحسب المسودة الحالية، سيُحال المدنيون الذين يهاجمون مجمّعات أو بنايات عسكرية على محاكم عسكرية، وهو تدبير مطّاطي أكثر مما يبدو، إذا أخذنا بالاعتبار وجود الجيش وممتلكاته في كلّ مكان. لا يشكّ سلماني تقريبًا في أنّ التعامل مع جيش يملك قوة شرعية اعتباطية كهذه سيكون تحديًّا للديمقراطيين في الدولة. "العسكر هم أشبه بدولة داخل دولة"، يعلّق، "وهدفهم هو حماية أنفسهم، حماية اقتصادهم، مصانعهم، وميزانيتهم العامة، أيًّا كان من يمسك بالسلطة". وتريد مجموعته تدبيرًا دستوريًّا يحظر المحاكمات العسكرية للمدنيين، لكنه يعترف أنّ من الصعب إثارة اهتمام الناس بهذه القضية. فهو يقول: "لا يمكنك أن تجعل شخصًا يدعمك في قضايا حقوق إنسان، ما لم يكن هو أو أحد أقربائه قد عانى جرّاء ذلك".

في أواخر آب في القاهرة، يجري إسكات أي كلام عن سجل حقوق الإنسان للجيش. الجيش حاضر في كل مكان، بدءًا من حظر التجول في القاهرة، الذي حُدّدت بدايته عند السابعة مساءً قبل تخفيفها إلى التاسعة مساءً (التي لا تزال خانقة) بعد أسبوعَين من العُنف في رابعة. في ليلة صيفية تقليدية، تعجّ القاهرة بالحياة فيما تنخفض درجة حرارة المدينة إلى حدّ يمكن التعايش معه. خلال النهار، تسخّن الشمس الصحراويةُ هواء المدينة الملوّث حتى يصبح التنفس صعبًا تقريبًا. في الليل، تنخفض درجة الحرارة، وتتحول القاهرة من فخّ حراري يسير في نومه إلى مدينة نابضة بالحياة. فخلال الصيف، القاهرة هي في الواقع مدينة ليلية.

في وسط القاهرة في آب من هذا العام، كان المشهد قبل ساعة من حظر التجوّل انقلابًا غريبًا للإيقاع المُعتاد. عادةً، يحجز الباعةُ الارصفة، وتأتي العائلات إلى متاجر الحلوى وقوارب المتعة على طول النيل. ولكن بسب حظر التجوّل، يختفي الباعة تحت "جسر 6 أكتوبر" بحلول الثامنة مساءً، في الوقت الذي يُتوقّع فيه عادةً تدفق كمية كبيرة من المُشترين. على الجسر نفسه، كان هناك بائع شاي واحد فقط يُعدّ الطاولات والكراسي على مسلك المشاة ليلًا، أحد المشاهد الثابتة في ليل القاهرة. كان مقهاه الذي "يظهر فجأةً" خاليًا كليًّا، فيما كانت زوارق المتعة، المزخرفة بأضواء الميلاد الرمزية والمبهرجة، موثقة كل الوقت على الشاطئ.

مدرعة للجيش المصري خارج المحكمة الدستورية العليا (AFP)

مدرعة للجيش المصري خارج المحكمة الدستورية العليا (AFP)

على عكس محاولات مبارك لإسكات المدينة عام 2011، يلتزم أهل القاهرة بحظر التجول الأخير. مع ذلك، فإنّ هذه القيود هي مؤشر جلي على أنه رغم كون الرئيس مدنيًّا، فإنّ الجيش لا يزال قادرًا على جعل الحياة راكدة وعلى تغيير المجتمع المصري باسم الاستقرار والنظام.

لكنّ عددًا كبيرًا من المصريين قد يعجبه ذلك الآن. ثمة نوع من الصحة في الفكرة أنّ معظم الدولة خامل سياسيًّا. أخبرني ناشط من جبهة الإنقاذ الوطني: "إذا نظرتَ إلى الجغرافية، فإنّ المصريين متجمعون حول الأنهار. الناس يغرسون وينتظرون. يتطلب هذا الصبر والاستقرار ... يرغب معظم المصريين في حيازة شيء يمكنهم التنبؤ به، ويريدون أن يكونوا قادرين على التخطيط لأشهر قادمة. نحن متشددون فيما يتعلق بالقانون، النظام، والتنظيم.

ثم هناك الإعجاب المصري الطويل الأمد بالجيش. وكما يشرح محمود أباظة، قد يكون احترام الجيش الأمر الأقرب إلى حيازة إجماع بين الشعب المصري. "تأسس الجيش عام 1880، وهو المؤسسة الأولى في الفترة الحديثة للأمة المصريّة"، يقول. "لمدة 14 قرنًا، كانت مصر جزءًا من إمبراطوريات شعوب أخرى: أمّا إمبراطورية الإسكندر أو الإمبراطورية الرومانيّة أو الإمبراطوريات العربية أو العثمانية. لكنّ الجيش المصري لم يكن تركيًّا أو مملوكيًّا – لقد كان مصريًّا".

يتمسك الجيش بدوره التاريخي كرائد للحداثة والوطنية المصرية؛ والمصريون يتوقون إلى الأمان الذي يمكن للجيش وحده أن يقدّمه. لكن كما تظهر مقاهي وسط القاهرة المقفلة، فإنّ القوى الاجتماعية والتاريخية التي جعلت الجيش إحدى أكثر المؤسسات المحبوبة والموثوق بها في مصر منحته أيضًا قوة هائلة.

ربما أدرك العلمانيون في البلاد أخيرًا كيف يستغلون هذا لصالحهم. "ربما يطلُب الفريق أول السيسي وضعًا خاصًّا للجيش في النظام السياسي القادم، مثل تركيا سابقًا"، يقول زهران. يوافق أباظة قائلًا: "ربما يكون جيشُنا ... مثل الجيش التركي نوعًا ما"، يعتقد، "إذ سيتدخّل كل مرة لا تكون فيها حركات سياسيّة مختلفة قادرةً على الدفاع عن الدولة أو وجود الدولة". بعد انتخاب مُرسي، تأمل المحللون الغربيون في نمط مختلف من "النموذج التركي" لمصر، متفائلين أنّ الأحزاب الإسلاميّة ستلطفّها وقائع السياسات الديمقراطية. لكنّ التجربة التركية الأحدث تُظهر أنّ الديمقراطية يمكن أن تعاني في ظل نظام كهذا، وليس واضحًا أيّ من هذين النموذجَين التركيَّين سيسود في تركيا.

أردوغان يستقبل مرسي في أنقرا، أيلول 2012 (AFP)

أردوغان يستقبل مرسي في أنقرا، أيلول 2012 (AFP)

ليس العلمانيون سعداء حقًّا بدور الجيش الدائم في الحياة السياسية المصرية؛ لكن كما أظهر الشهران الأخيران، فهم يرغبون في العمل ضمن نظام يكون فيه للعسكر حق النقض الأخير على مَن يمتلك السُّلطة.

منذ 25 كانون الثاني، أصبح اسم القاهرة مرادفًا للتظاهر والاضطراب. لم تتحول مصر إلى إيران ما بعد الثورة، حيث يمتلك الإسلاميون الكفاءة والشعبية اللازمتَين للإمساك بالسلطة. في الواقع، حدث العكس تمامًا: بدّد المتدينون فرصتهم في السلطة، والسياسيون المصريّون يبقون أكثر انفتاحًا وتشويشًا ممّا كانوا في عهد مبارك. قد يكون هذا الإرث الأبرز للثورة المصرية. "قبل سقوط نِظام مبارك، كانت السياسة مقتصرة على بعض الأشخاص الأذكياء والمثقفين"، يقول مُغيث من مكان جلوسه في مقهى إستوريل. "لكن بعد 25 كانون الثاني، أصبحت السياسة أشبه بطعام للناس. لقد باتت مركز اهتمامهم".

مهما كانت العواقب – انهيار الاقتصاد، الاستقطاب السياسي، خسارة أجزاء من سيناء لصالح المجموعات الإرهابية، والإحساس الدائم ظاهريًّا بالأزمة الوطنيّة – فقد فتحت الثورة الفضاء السياسي المصري، الذي كان ميدان الرجال الأقوياء والحكام المطلقين منذ فجر التاريخ المصري الممتدّ آلاف السنين.

مع ذلك، فقد بدا هذا الصيفَ في القاهرة أنّ إنجاز الثورة الأهم في خطر. فقد أُوقفت ناقلات الجنود المدرّعة في كل ميدان مركزي، بما فيه ميدان التحرير الرمزي، حيث وُضعت 30 مركبة عسكرية على الأقل خارج المتحف المصري. حين زرتُ القاهرة في حزيران 2011، كان ميدان التحرير ممتلئًا بمتظاهرين مناهضين للجيش على مدى الـ 24 ساعة، علمانيين كانوا يشلّون منطقة وسط البلد في محاولة لنيل تنازلات من النظام العسكري الصارم. هذا العام، عاد التحرير إلى طبيعته كدائرة موجودة في اختناق مروري دائم، مع خيام قليلة منعزلة ومهجورة كما يبدو، تعرض شعارات ورايات مثل: "آن باترسون، اخرجي من مصر واذهبي إلى الجحيم" و"أوباما، لا يمكنك أن تخدع شعبك والعالم: أنت تموّل وتدعم الإرهاب". (يرى داعمو الجيش أوباما والسفيرة الأمريكية باترسون كليهما داعمَين للإخوان المسلمين). في حي الزمالك الثري في القاهرة، ترتفع على البنايات، الواحدة تلو الأخرى، صورٌ للسيسي. يسود المدينة ككل هدوءٌ يشوبه القلق، كما لو كانت تقوم بجهد واعٍ لمحو الفوضى الحديثة من الذاكرة.

مؤيدو الرئيس المخلوع محمد مرسي خلال إعتصام إخواني (AFP)

مؤيدو الرئيس المخلوع محمد مرسي خلال إعتصام إخواني (AFP)

لكنني شاهدتُ تظاهرة واحدة ضدّ الجيش. فبعد لقائي بمُغيث، لاحظتُ مجموعة صغيرة من الليبراليين المناهضين للانقلاب متجمّعين في وسط منطقة طلعت حرب المزدحمة بالمرور. لقد كانوا أعضاء في "حركة 6 أبريل" العمالية. فرغم أنهم ليسوا أنصارًا للإخوان، فإنّ عددًا من جماهيرهم يعارض بوضوح عزل مرسي. كان المتظاهرون شبانًا بمعظمهم، حاملين لافتات كُتب عليها "ليسقط كل من يحكم مثل مبارك"، تعرض يدَين مكبلتَين مجهولتَين. حدّق السائقون إليهم فيما كانوا يمرّون عبر الدائرة المروريّة. على الجانب الآخر من الشارع، كان بائع يبيع صورًا للسيسي، بما فيها واحدة تظهره لامعًا إلى جانب جمال عبد الناصر المحبوب.

"الناس أعمى عيونَهم فشلُ الإخوان"، قالت واحدة من المتظاهرين، شابّةٌ ترتدي حجابًا مع ملابس غربيّة. "هم يشعرون أنّ الجيش هو مُنقذهم الوحيد". في صخب القاهرة عند الظهيرة، بالكاد كان التجمّع الصغير ملحوظًا. في الجانب الآخر من الميدان، لم يكن واضحًا أنّ ثمة تظاهرة تجري. حتى المتظاهرون أنفسهم بدوا مدركين أنّ جهودهم رمزية حصرًا. "حظر التجوّل هو جزء من تثبيت الجيش سلطته مجدّدًا"، أخبرتني المرأة. "ستكون الحكومة القادمة تحت سلطة الجيش".

يؤمن الليبراليون المصريون أنّ ذلك قد يكون شرًّا لا بُدّ منه. ويمكن النظر إلى وجهة نظرهم كإشارة إلى حركة ناضجة. كان الليبراليون المصريون سابقًا مجموعة ثورية غير منظّمة لم تستطع الاتفاق على مرشح رئاسي واحد عام 2012، وأضاعت الكثير من نضال 2011 في سلسلة من الاعتصامات غير الشعبية ضدّ الحكومة العسكرية الانتقالية؛ كل ذلك فيما الإخوان المسلمون يقوّون علاقتهم بالجيش ويحضّرون حملة انتخابية هائلة.

اليوم، يدرك الليبراليون أنّ الأحداث الجارية، والرأي العام إلى حدّ ما، إلى جانبهم. وهم يبدؤون بالتفكير بخطوات مربحة، طويلة المدى، وليس مطلقًا بصراع مباشر قد يطول سنوات، وربما "موجات" كثيرة أخرى من الثورة ليؤتي نتيجة. "العلمانيون يصبحون أكثر براغماتية"، أخبرني الناشط في جبهة الإنقاذ الوطني. "الناس يتعلمون".

(KHALED DESOUKI / AFP)

(KHALED DESOUKI / AFP)

لكنّ السؤال هو كم سيستغرق ذلك، وهل يمكن أن ينجح في النهاية. حاليًّا، ثمة نظام شبيه بنظام مبارك العسكري في السلطة مجددًا، ويبدو أنّ ثمة القليل جدًّا من الدعم الشعبي للإطاحة به. بدأت تسري شائعات حول ترشّح السيسي للرئاسة في الانتخابات القادمة، والمراقبون ذوو الاطّلاع يظّنون أنّ لديه فرصة جيدة للفوز. في الوقت الحالي، لا أحد في المعسكر الليبرالي يسعه أن يكتّل معارضة مقنعة ضدّ السيسي. والسبب قد يكون أنّ الليبراليين في مصر قاموا بتضحية مؤلمة، قد تكون ضرورية، لمنع حكم ثيوقراطي (ديني).

فيما مصر تستقر على إيقاعاتها القديمة – الجديدة، يحاول الليبراليون في البلاد أن يفهموا ماذا يريدون أن يبنوا في مكان النظام القائم. حاليًّا، فيما يبدو أنهم في ذروة تأثيرهم بعد الثورة، لا يزالون يصارعون لإيجاد إجابة.