في تقرير جديد لمنظمة حقوق الإنسان HRW والذي نُشر أمس (الإثنين) تم توثيق قصص ناشطين وصحفيين اعتقلتهم السلطات الفلسطينية في الضفة الغربية وفي قطاع غزة بسبب توجيههم انتقادات ومعارضة غير عنيفة. وفقًا للتقرير، فقد ضربتهم القوى الأمنية، ومنعتهم من النوم والطعام، رشّت عليهم الماء البارد والحارّ بالتناوب، وفرضت عليهم البقاء بوضعيات صعبة على مدى ساعات طويلة. وقد نُشر التقرير على خلفية الإضراب عن الطعام الذي بدأه ستّة شبان، كانت تحتجزوهم الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة منذ خمسة أشهر.

تتعلق إحدى الحالات في التقرير بأعضاء فرقة الراب "من الألف إلى الياء". معتز أبو لحية (21 عاما) طالب في جامعة القدس في الضفة الغربية وعضو سابق في الفرقة، قال إن قوات الأمن الفلسطينية أخذته من منزله إلى مقر جهاز الاستخبارات. اعتُقل أبو لحية ثلاث مرات، وقد ضُرب عُذّب في كل واحدة من هذه المرات. وقال إنّه عندما اعتُقل في المرة الثالثة، على مدى 24 ساعة، أجبره ضباط على خلع ملابسه، ثم فتحوا النوافذ أمام هواء الشتاء، وانهالوا عليه بالضرب بأيديهم وأنبوبة إخماد الحريق. كسروا أسنانه، وصبوا عليه الماء البارد ثم الماء الساخن، وضربوه بين الفخذين‎. في نفس اليوم كان حاضرا معه عز الدين أبو رحمة، صديقه في الفرقة والذي كان معتقلا هو أيضا من قبل القوى الأمنية الفلسطينية، وقد وصف في مقابلة منفصلة نفس الأحداث وأكّد رواية أبو لحية.

في قطاع غزة، اعتُقل أيمن العالول في كانون الثاني 2016، وهو صحفي لمحطات تلفزيون عراقية وخليجية، وكذلك في الخدمة المدنية حيث يستلم راتبه من السلطة الفلسطينية التابعة لفتح. قال العالول قد اعتقله أشخاص من منزله في مدينة غزة عرّفوا بأنفسهم كمسؤولين أمنيين، صادروا هاتفه الخلوي وحاسوبَين محمولَين، واقتادوه إلى سجن أنصار في غزة. وبالإشارة إلى منشوراته، فاتهموه بتشويه صورة حماس. وقال العالول إن المحققين عصبوا عينيه، وأجلسوه لساعات على كرسي أطفال في غرفة باردة دون ملابس مناسبة أو طعام، ثم صفعوه مرارا على رقبته واتهموه بأنه عميل أجنبي فاحتجزوه 8 أيام. وحتى بعد إطلاق سراحه استمرت القوى الأمنية بإرسال تحذيرات إليه بحسبها يجب عليه الكفّ عن عمله كصحفي.

مثل هذه الأعمال ليست جديدة. فهناك تقرير منذ العام 2011، يوثّق كيف نفّذت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحماس في قطاع غزة اعتقالات تعسّفية لصحفيّين، منعتهما من الوصول إلى محاميهم وأبناء أسرهم في الوقت الذي كانوا معتقلين فيه، صادرتا معدّاتهم أو أتلفتاها، وفي بعض الحالات تم تعذيبهم. لم يتم توثيق تعليمات واضحة من قبل قيادة السلطة للتصرّف بهذا الشكل، ولكن وفقا للتقرير، يظهر من خلال امتناع قيادة السلطة التامّ من علاج مثل هذه الانتهاكات، أنّ تلك الأعمال تعكس سياسة حكومية.

وقال المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية (مدى): "ما يزال الانقسام الفلسطيني الداخلي واحدا من الأسباب الرئيسية وراء الانتهاكات الفلسطينية ضد الحريات الإعلامية... وخصوصا عندما يتعلق الأمر بحرية وسائل الإعلام التابعة لطرف معين".

وفي تقرير يعود إلى عام 2011 ذُكرت حادثة واحدة فقط حوكمت فيها عناصر من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة بسبب ارتكاب انتهاكات ضد معتقلين، وأصبح اليوم ذلك التقرير أكثر صلة من أيّ وقت مضى. كان ذلك تعذيبا لمواطن فلسطيني حتى الموت بتاريخ حزيران 2009، من قبل عناصر الأجهزة الأمنية، بشكل مماثل للموت العنيف لأحمد حلاوة، "أبو العز". انتهت حادثة 2009 بالتبرئة التامّة للمتّهمين من قبل المحكمة العسكرية التابعة للسلطة الفلسطينية.

ومع ذلك، فمنذ ذلك الحين توقفت السلطة الفلسطينية عن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، وفي عام 2014 وقّعت على عهد دولي خاص بالحقوق المدنية والسياسية وعلى اتفاقية مناهضة للتعذيب. في المقابل، فإنّ حرية الصحافة والتعبير لم تتحسن، حيث إن السلطة الفلسطينية قد انتقلت لمحاكمة الصحفيين في المحاكم المدنية، استنادا إلى مخالفات مثل "إهانة مسؤول"، والمنصوص عليها في القانون القديم منذ عام 1967.

وفقا للتقرير الأخير لمركز مدى من العام الماضي، فقد ارتفع عدد الانتهاكات التي نفّذتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية ضدّ صحفيين عام 2015 بنحو 30% مقارنة بالسنوات الماضية، وبلغ 116. في قطاع غزة، قفزت الأرقام بنسبة 217% في عام 2015 مقارنة بعام 2014.