ألقى نصر الله، يوم الجمعة الماضي، خطاب "نصر"، بعد نحو أسبوعين من عملية اغتيال قافلة حزب الله في سوريا والتي نُسبت لإسرائيل وقُتل فيها جهاد مُغنية والجنرال الإيراني محمد علي الله دادي، وبعد يومين من مقتل جنديين في الجيش الإسرائيلي بنيران حزب الله على الحدود اللبنانية. كما كان متوقّعا، اشتمل الخطاب على تطرق لردّ حزب الله ونجاحه في قتل الجنود، بالإضافة إلى تهديدات عديدة لاحقة.

ولكن في جزء استثنائي نسبيًّا، تطرّق نصر الله إلى ما يجري على الحدود بين إسرائيل وسوريا في الجولان، وإلى العلاقة بين إسرائيل والثوار السوريين. كما وأشار إلى أنّ الشريط الذي بين الجولان الإسرائيلي وبين الأراضي التي تُسيطر عليها قوات الجيش السوري النظامية، تُسيطر عليه جبهة النصرة، وأكد أنّها الفرع السوري لتنظيم القاعدة، وأنّ القاعدة مصنّفة كتنظيم إرهابي دوليّا وأمريكيّا وغربيّا وعربيّا.

بعد ذلك، قال نصر الله إنّ نتنياهو (رئيس الحكومة الإسرائيلي) ويعلون (وزير الدفاع الإسرائيلي) لا يشعران بأي قلق بوجود هذا التنظيم بالقرب من الحدود الإسرائيلية والمسلّح بالدبابات، والصواريخ، وأنواع الأسلحة والذخيرة العديدة، والمواقع والتحصينات العسكرية. وسبب ذلك، كما يقول نصر الله هو أنّ نتنياهو ويعلون: "يقومان برعاية هذا الوجود، وتغطيته جويًّا، وفتح أبواب الحدود لجرحاه للاستشفاء في المستشفيات الإسرائيلية ويتفقدان الجرحى أيضًا...".

يمكن القول إنّه لم يعد سرّا أنّ إسرائيل قد أقامت مستشفى ميداني على الحدود السورية في الجولان، من أجل مساعدة الجرحى الذين يصابون في الحرب الأهلية، وبالفعل، قبل نحو عام، ذهب رئيس الحكومة نتنياهو لزيارة الجرحى السوريين في ذلك المستشفى، بمرافقة وزير الدفاع يعلون ورئيس الأركان بيني غانتس.

ومع ذلك، تقول إسرائيل إنّ هؤلاء الجرحى الذين يُعالجون هم من المدنيّين الذين يأتون إلى السياج الحدودي من تلقاء أنفسهم ودون تنسيق مسبق، لأنّهم لا يستطيعون تلقّي علاجا طبيّا ملائما في الجانب السوري. وبعد ذلك، بعد أن انتقل المزيد والمزيد من الجرحى السوريين للعلاج في إسرائيل، قال الجيش الإسرائيلي إنّ عملية نقلهم واستيعابهم تتمّ بالتنسيق مع مواطنين سوريين وليس مع تنظيمات المعارضة المختلفة.

تظاهرة مؤيدة لجبهة النصرة في سوريا (AFP)

تظاهرة مؤيدة لجبهة النصرة في سوريا (AFP)

وخلال تلك الزيارة التي تمّت تغطيتها إعلاميا تم تصوير نتنياهو مع الجرحى وقال: "من المهمّ أن يرى العالم الصور من هذا المكان. مكان يَفصل بين الجيّد والسيّء في العالم. الجزء الجيّد هو إسرائيل التي تنقذ حياة المصابين في المجزرة اليومية التي تتمّ في سوريا. هذا هو وجه إسرائيل الحقيقي. ومقابل ذلك فالجزء السيّء هو إيران التي تسلّح مرتكبي المجزرة".

لا يمكن الاستنتاج من كلام نتنياهو بأنّ هؤلاء الجرحى هم مدنيّون أو مقاتلون، ولكن بعد الزيارة قال مسؤولون في المعارضة السورية إنّ ظهور نتنياهو العلني إلى جانب الجرحى السوريين هو رسالة مهمّة للشعب السوري. قال محمد بديع، وهو أحد رجال المعارضة السورية، إنّه وأصدقاءه يشكرون كلّ من عمل لمساعدة أبناء شعبهم السوري ونضاله ضدّ النظام.‎ ‎

وقد نُشرت في تلك الفترة عدة تحليلات وتفسيرات، ادعى معظمها بأنّ "نطاق المساعدة الطبية يدلّ على وجود علاقات واسعة لإسرائيل مع جهات خلف الحدود"، وقالوا إنّ المستشفى هو فقط جزء من الجهود الإسرائيلية الواسعة، والتي تهدف إلى منع انزلاق القوات المرتبطة بالقاعدة إلى المنطقة الحدودية جنوب سوريا.

يظهر من خلال بعض تقارير الأمم المتحدة بأنّ مراقبي الأمم المتحدة قد حدّدوا "في مرّات متكرّرة" اتصالات بين مسلّحين من المعارضة السورية وجنود الجيش الإسرائيلي على طول الحدود

ومع ذلك، فهناك العديد من العناصر المهمّة والتي تستحقّ الاهتمام في هذا السياق. بدايةً، فإنّ المنطقة المجاورة للحدود الإسرائيلية - السورية في الجولان هي منطقة معارك منذ أكثر من عامين، وقد تركها معظم سكانها، لذلك فمن المرجح أن غالبية الجرحى الذين نُقلوا لإسرائيل هم من المقاتلين بالفعل.

ثانيًا، يظهر من خلال بعض تقارير الأمم المتحدة التي نُشرت في العام ونصف الأخير، بأنّ مراقبي الأمم المتحدة (عناصر قوة فك الاشتباك) قد حدّدوا "في مرّات متكرّرة" اتصالات بين مسلّحين من المعارضة السورية وجنود في الجيش الإسرائيلي على طول الحدود، "بالقرب من نقطة المراقبة 85" التي تقع جنوب هضبة الجولان في المنطقة العازلة بين الحدود. ووفقا لأحد تلك التقارير، فمنذ بداية شهر آذار عام 2014 وحتى نهاية شهر أيار جرى في تلك المنطقة 59 لقاءً بين ثوّار مسلّحين وجنود الجيش الإسرائيلي، نُقل خلالها 89 جريحًا سوريّا إلى الجانب الإسرائيلي وتم نقل 19 شخصا وجثّتين مرّة أخرى إلى الجانب السوري.

وفي حالات أخرى عديدة، وخصوصا في فترة المعارك الصعبة بين الجيش السوري والمسلّحين من المعارضة، حدّدت قوة فضّ الاشتباك مسلّحين من المعارضة وهم ينقلون الجرحى من الجانب السوري إلى ما وراء خطّ وقف إطلاق النار بواسطة قوات الجيش الإسرائيلي.

مقاتلو جبهة النصرة في سوريا (AFP)

مقاتلو جبهة النصرة في سوريا (AFP)

ومع ذلك، حتى مع افتراض وجود اتصال مباشر بين الجيش الإسرائيلي وقوات الثوار، فإنّ السؤال الأهم الذي يُطرح هو: هل هي قوات "الجيش السوري الحر"، العلماني، أم قد أجرى الجيش الإسرائيلي اتصالا مباشرا مع عناصر من جبهة النصرة، التي هي بالفعل، كما يقول نصر الله، مصنّفة كتنظيم إرهابي وكفرع للقاعدة في سوريا. ومن الجدير ذكره أنّ المنطقة التي شوهد فيها ذلك الاتصال، تسيطر عليها منذ مدّة جبهة النصرة، ولكن يعمل فيها أيضًا متمرّدون آخرون.

ويقدّر محلّلون في إسرائيل أنه يمكن بالتأكيد وجود مساعدة إسرائيلية مقدّمة للثوار، وذلك لهدف مزدوج: سواء لإضعاف الأسد، أو لإيجاد مصلحة مع الجهات المسيطرة على المناطق المجاورة للحدود والحفاظ على الهدوء النسبي ومنع انزلاق القتال إلى أراضي الجولان الإسرائيلي. ومع ذلك، فقد حذّر المحلّلون بأنّ تلك المصالح قد تكون مؤقّتة. إنّ كل واحدة من تلك الجهات في تلك المنطقة، سواء كانوا متمرّدين علمانيين، أو جبهة النصرة، أو داعش أو عصابات مستقلّة، ليست من "مؤيّدي إسرائيل" على أقلّ تقدير ، وفي اللحظة التي تزول فيها المصالح المشتركة، فقد يتحوّلون ضدّ إسرائيل ويثيرون مشاكل جديدة على الحدود.