"تجري حرب ضدّ مصر"، كما صرّح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وذلك قبل عودته من زيارته لأديس أبابا. "سيُحدّد الجيش القواعد والأسس التي ستحيا عليها البلاد، وهو مستعد لدفع الثمن"، كما قال. والثمن في الواقع باهظ: لقد قُتل في الأسبوع الماضي ما لا يقلّ عن 30 رجل أمن ومواطنا في إحدى الهجمات الأقسى التي عرفها الجيش في سيناء، وبعد يومين من ذلك انفجرت عبوّة ناسفة أخرى في إحدى القطارات.

إنّ الإرهاب الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية في مصر ليس محصورا في سيناء فحسب، وإنّما تمدّد إلى داخل شوارع القاهرة والإسكندريّة، وكذلك إلى الحدود الغربية المجاورة لليبيا.

إنّها حرب استنزاف لن تكون للجيش فيها نجاحات معيّنة، ولكن توزيعها يجعل حسمها أمرًا صعبًا. إخلاء المنطقة الواسعة، أكثر من كيلومتر، على حدود مصر مع غزة - وهو إخلاء اشتمل على تدمير ما يزيد عن ألف ومائتي منزل - تدمير الأنفاق التي وصلت بين غزة وسيناء، الهجمات المتواصلة على بؤر التنظيمات الإرهابية في سيناء، حواجز الطرق الكثيرة التي أقامها الجيش بين سيناء وقناة السويس والاعتقالات الكثيرة، لم ينجح كلّ ذلك في كبح الخلايا الإرهابية. ويعتمد هؤلاء، من بين أمور أخرى، على تهريب السلاح من الحدود الليبية، وعلى الداعمين والمساهمين الذين لا يعيشون في سيناء تحديدًا.

جندي مصري في سيناء (AFP)

جندي مصري في سيناء (AFP)

إنّ العدوّ معروف ومعرّف ظاهريًّا. أصبحت حركة الإخوان المسلمين وفروعها، مثل حركة حماس، "مشتبهين معتادين"، حتى عندما أعلن تنظيم أكناف بيت المقدس - الذي بدّل ولاءه للقاعدة بداعش - عن مسؤوليته عن الهجمات.

يُعرّف الإخوان المسلمون كحركة إرهابية يُحظر نشاطها، وقرّرت محكمة القضايا المستعجلة أمس تعريف الجناح العسكري لحركة حماس أيضًا كحركة إرهابية

يُعرّف الإخوان المسلمون كحركة إرهابية يُحظر نشاطها، وقرّرت محكمة القضايا المستعجلة أمس تعريف الجناح العسكري لحركة حماس أيضًا كحركة إرهابية. ولن يُنشئ هذا القرار، الذي جاء بعد نحو عام من إعلان المحكمة عن حماس كحركة داعمة للإرهاب وحظر أنشطتها في مصر، تحوّلا في طبيعة مكافحة الإرهاب. لم تكن لدى مصر أية صعوبة حتى في الماضي في اعتقال نشطاء حماس أو تقديمهم للمحاكمة، بل إنّ الدعوى القضائية المقدّمة ضدّ الرئيس المعزول محمد مرسي تعتمد، من بين أمور أخرى، على المساعدة التي تلقّاها من حماس لدى هروبه من السجن في كانون الثاني عام 2011. حتى دون قرار قضائي، فقد رسمت مصر من قَبْل الأهداف التي تريدها حول غزة وحكومة حماس. إنّ إغلاق معبر رفح هو جزءٌ لا يتجزّأ من هذا الصراع، ومثله أيضًا التأجيل المستمرّ لانعقاد مؤتمر إعادة إعمار غزة.‎ ‎

للمرة الأولى، يتناقض زعيم عربي مع الاعتقاد السائد بأنّ تنظيمات "المقاومة" التي تحارب إسرائيل تخدم بالضرورة القضية العربية

ولكن الجوانب السياسية والدبلوماسية لهذا القرار لا تقلّ أهمية عن الجوانب العسكرية. للمرة الأولى، يتناقض زعيم عربي مع الاعتقاد السائد بأنّ تنظيمات "المقاومة" التي تحارب إسرائيل تخدم بالضرورة القضية العربية. لم تعد "قدسية" الكفاح ضدّ إسرائيل مبرّرا لوجود تنظيم يوجّه سلاحه ضدّ مصر. ويوضح السيسي هنا بشكل قاطع بأنّ القضية الفلسطينية مهمة بالنسبة لديه فقط بالدرجة التي لا تشكّل فيها تهديدًا على مصر.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (AFP)

ومن المهمّ أيضًا توقيت القرار، الذي لا يخلو من الاعتبارات السياسية. في الشهر القادم، ستبدأ الانتخابات البرلمانية المصرية، ومعها الجهود للحدّ من مشاركة الإخوان المسلمين كمرشّحين مستقلّين. قد يكون بإمكان الحرب الإعلامية ضدّ الإخوان ووصفهم بأنّهم "التنظيم الإرهابي الأكبر" إلى جانب الإعلان عن حماس كتنظيم إرهابي، إضفاء الشرعية الشعبية على إجراءات الحكومة ضدّهم في المعركة الانتخابية. وفي الوقت نفسه، قد تكون لهذه الخطوة آثار عملية، مثل إعلان كتائب عزّ الدين القسّام بأنّ مصر لم تعد قادرة على أن تكون وسيطة بين إسرائيل وحماس في كلّ ما يتعلّق بوقف إطلاق النار. ومن ناحية أخرى، فستجد حماس صعوبة في الوساطة بينها وبين فتح وإعادة المصالحة الفلسطينية الداخلية إلى مسارها.

قد يضع هذا القرار، الذي يعتمد، من بين أمور أخرى، على اتفاق سعودي - مصري تمّ التوصل إليه قبل وفاة الملك عبد الله، كل دولة عربية أو مسلمة ترغب بمساعدة غزة أو حماس في معضلة صعبة، حيث ستُعتبر هذه المساعدة بالنسبة لمصر دعما لتنظيم إرهابي. حتى الحكومة الفلسطينية المتفق عليها قد تقف أمام معضلة مماثلة، حيث إنّ جزءًا من ميزانيّتها مخصّص لدفع الرواتب التي من بينها رواتب نشطاء في كتائب عزّ الدين القسّام.

يمكن لإسرائيل في الواقع أن تكون راضية بأن تكون مصر هي الدولة العربية الوحيدة التي عرّفت حماس كحركة إرهابية (يُعرّف الإخوان المسلمون كحركة إرهابية في السعودية والإمارات أيضًا إلى جانب مصر)، ولكن التعريف المصري لن يحلّ لإسرائيل مشكلاتها مع حماس. ومن الواضح في إسرائيل، كما يبدو أكثر من مصر، بأنّ الضغوط الاقتصادية على غزة، واستمرار الحصار وتأجيل إعمار القطاع، قد تؤدي إلى إشعال القطاع من جديد بل والتسبّب بجولة أخرى من العنف. يحذّر من ذلك ليس فقط الناطقون باسم حماس، بل أيضًا المسؤولون الأمنيّون في إسرائيل.

نشر هذا المقال للمرة الأولى في صحيفة "‎هآرتس‏‏"‎