يثير اختراق عناصر مرتبطة بالقاعدة إلى جنوب سوريا وسيناء التساؤلات حول قدرات هذه الحركة اليوم. ما هي نقاط قوّتها وضعفها؟ الإجابة بإيجاز، وهي أنّ الآلية المركزية للقاعدة ضعُفتْ ولكن فروع الحركة المنتشرة في مناطق مختلفة في آسيا وأفريقيا تزداد قوّة. ظهر الضعف في الآلية المركزية بسبب الجهود التي لا هوادة فيها من السلطات الأمنية في العالم كلّه، والتي تتعاون مع بعضها البعض في مطاردة الحركة واغتيال زعمائها. الحادث الأكثر شهرة، بطبيعة الحال، هو اغتيال أسامة بن لادن نفسه. لا تدعُ القوات الأمنية الغربية زعماء التنظيم وشأنهم، وتقوم بالإضرار بهم قدر الإمكان.

بل قد اضطرّت القيادة المركزية للقاعدة إلى مواجهة الصعوبات المتعلّقة بنقل التعليمات للقادة الميدانيين وعدم امتثال هؤلاء القادة. ويمكننا أن نرى نموذجًا لذلك في محاولة الزعيم الحالي للقاعدة، أيمن الظواهري، لجَسْر الهوّة بين تنظيمي القاعدة المقاتلين في سوريا، "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) و "النصرة". فشلت المحاولة، وفي الواقع أثبتت أنّ قادة المقاتلين في الميدان هم من يقرّر سياسات التنظيمات المختلفة.

بل فشل الظواهري في محاولته بأن يملي على التنظيمات المحليّة نوعية الهجمات التي ينبغي عليهم تنفيذها. منذ زمن طويل يحاول زعيم تنظيم القاعدة منع العمليات التي تشمل مهاجمة الأبرياء؛ فقد فهم أنّ هذه العمليات المبتذلة تهدم في نهاية المطاف اسم التنظيم وتبعد عنه المؤيّدين المحتملين. ولكن هنا أيضًا لم يتعاون القادة الميدانيين معه وتصرّفوا بخلاف تعليماته.

عناصر من القاعدة في اليمن (AFP)

عناصر من القاعدة في اليمن (AFP)

إنّ فشل القيادة المركزية للقاعدة يُبرز النجاح النسبي للعناصر المحليّة المرتبطة بالتنظيم والتي تحاول اختراق مناطق تعاني من غياب الإدارة. فعلى سبيل المثال، في جنوب سوريا وسيناء استغلت التنظيمات الإسلامية المتطرّفة الفراغ في السلطة ونجحت في السيطرة على مساحات بأكملها، وفي اليمن والصحراء الكبرى تنفّذ تنظيمات مرتبطة بالقاعدة بعض العمليات الإرهابية كلّ أسبوع. يقوم قادة هذه التنظيمات المحليّة بفعل ما يريدون، حتى وإن كان معنى ذلك عصيان أوامر الزعيم، الظواهري.

لا تخشى التنظيمات المحلّية من تحدّي أوامر القيادة المركزية بسبب استقلاليّتها الاقتصاديّة. وقد طوّرت فروع القاعدة في شمال أفريقيا واليمن سلسلة من الوسائل يمكنهم من خلالها تجنيد الأموال: عمليّات الخطف مقابل الفدية، الجريمة، سرقة بطاقات الائتمان. في سوريا، تحظى عناصر القاعدة التي تقاتل ضدّ الأسد والعلويّين من جهة وضدّ حزب الله والشيعة من جهة أخرى بتبرّعات خاصّة من الإمارات في الخليج، وفي سيناء، فإنّ مصدر الدخل الرئيسي هو التهريب. على ضوء قدرتهم على تجنيد مصادر تمويل خاصة بهم، فإنّ قادة التنظيمات التابعة للقاعدة ليسوا مستعدّين لتلقّي التعليمات من المؤسَّسات المركزية للحركة.

الأخبار السيّئة، هي أنّ التنظيمات التابعة للقاعدة والتي تنتمي إلى أيديولوجيّتها القتالية تستطيع بسهولة نسبيّا أن تخترق مناطق مسلمة تعاني من ضعف الإدارة والتأسس بها. إنّ ظهور هذه القوات على الحدود الشمالية والجنوبية لدولة إسرائيل يشكّل خطرًا محتملا، والذي قد يصبح تهديدًا فعليًّا خلال مدّة قصيرة.

نشطاء القاعدة  في الصومال (AFP)

نشطاء القاعدة في الصومال (AFP)

بالإضافة إلى ذلك فمن المهمّ أن ننتبه إلى أن التنظيمات المحلّية تجد صعوبة في تأسيس هرمية قيادية وأن تتعاون فيما بينها. يضع الانقسام إلى منظّمات متعدّدة وعدم القدرة على التنسيق فيما بينها، كما يمكن أن نرى في سوريا، أمام زعماء القاعدة تحدّيًا قياديّا صعبًا. ويبدو أنّ القاعدة تجد صعوبة في بناء تنظيم مركزي وقوي يستطيع بقوى مشتركة أن يحقّق إنجازات استراتيجية. فضلًا عن ذلك، وجدت القاعدة صعوبة حتى الآن في تنفيذ هجمات تضع الأنظمة في تلك الدول في خطر، ويبدو أيضًا أنّها لا تستطيع أبدًا أن تصل إلى الغرب للإضرار به.

ستبقى القاعدة في السنوات القادمة في الشرق الأوسط وأفريقيا، رغم أنّه يتّضح مرّة بعد مرّة أنّها غير قادرة على إقامة وحدات سياسية في هذه المناطق. وللخلاصة، فإنّ القاعدة تتمتّع بإنجازات تكتيكية محلّية، لكنّها لا تستطيع أن تترجمها إلى عمليّات استراتيجية على المدى البعيد.

نُشر المقال للمرة الأولى في موقع ‏Can Think‏