لقد قال لي صحفي فلسطيني سنحت لي الفرصة التحدث معه مؤخرا في زاوية مخصصة للتدخين: "لماذا تظنّون أننا سنترككم تخرجون من الأراضي؟ من سيحمينا؟" أعتقد، أنّ جزءا من أقواله هذه  كان، على الأقل، أشبه بنكتة. ولكن ربما  من المفضل أن نحاول أن نتخيل للحظة العودة إلى الجزء الآخر من أقواله؟

يمكن أن نطرح السؤال التالي: ماذا سيستفيد محمود عباس من التوقيع معنا على اتفاقية سلام مقابل إقامة دولة على حدود عام 1967؟ الإجابة هي، بطبيعة الحال، ليستطيع تحرير شعبه من الحكم العسكري الإسرائيلي والتفرّغ لإقامة حياة وطنية.

إلا أنّ ذلك ليس سهلا جدّا. بداية، يتطلب ذلك التخلّي عن حقّ العودة، وسيكلّف ذلك كل سياسي فلسطيني ثمنا باهظا. فبعد أن أقسم السياسيون مرات كثيرة جدا من أجل حق العودة، بعد أن خلّدوا من أجل ذلك مشكلة اللاجئين على مدى ثلاثة أجيال بمساعدة وكالة الأونروا، سيُعتبر التخلّي عن حقّ العودة الآن من دون شكّ بالنسبة للكثيرين استسلاما وإفلاسًا قيميّا.

وماذا بشأن التخفيف عن حياة الفلسطينيين، بما يتماشى مع حقوق الإنسان؟. تشكل هذه الحقوق حجر الأساس في دعاوى اليسار الإسرائيلي ضدّ الاحتلال، ولكن ليس هناك ما يؤكّد أنّها تحظى بأولوية قصوى في سلم أولويات السلطة. رغم أنّ الاحتلال يمسّ كثيرا بحقوق الفلسطينيين، إلا أنّ جهاز الأمن الوقائي هو ليس منظّمة عفو دولية تماما، وليس هناك ما يؤكد بأنّه سيكون أقلّ مسّا بتلك الحقوق.

بالإضافة إلى ذلك، إذا خشي عباس ورجاله من سيطرة حماس، فإنّه من الصعب اتهامهم بعد الوضع الذي نشهده في غزة. ففي هذا الشأن يمكن أن يعتمد محمود عباس على القوة الإسرائيلية المفضلة، طالما أنّنا باقون هناك. وهذا بالتأكيد أكثر راحة من أن يدير الحرب لوحده. ولا سيما أن الحديث يجري عن أبناء شعبه، بالدرجة الأولى.

يمكن للسلطة الفلسطينية التستّر عن هذا الاعتماد على إسرائيل بتصريحاتها أنّها لن تكفّ أبدا عن نضالها من أجل التحرّر من الاستعمار الصهيوني. ولكن إذا تحرّرت من الاستعمار الصهيوني بموجب اتفاق تقسيم، فستضطرّ إلى أن تعكس طرفَي المعادَلة: فقدان دعم المحاربين الإسرائيليين وأيضًا النظر إليها باعتبارها خاضعة.

ولكن أكثر من كل ذلك، لقد نظر عباس بالتأكيد إلى ما يحدث في المنطقة كلها ولاحظ كيف تنهار الدول القومية العربية المجاورة. ففي مثل هذه الظروف، فإنّ الافتراض بأنّ دولة قومية فلسطينية ستكون جزيرة من الاستقرار في قلب الفوضى هو على الأقل ليس افتراض مفهوم ضمنًا. إن إقامة دولة شابّة، صغيرة، ولديها مؤسسات لا تهدف إلى بناء أمة واقتصاد ضعيف يعتمد على الآخرين، هي بالتأكيد ليست رهانًا آمنًا بشكل خاص. وتحديدا، إذا كان كل ما سيفصلها عن خلافة داعش هو المملكة الهاشمية، التي استقبلت للتوّ لاجئين سوريين بنسبة تعادل نحو ربع سكانها.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ اتفاق السلام سيكون بمثابة هدية لإسرائيل، من المشكوك إذا كانت السلطة مستعدة للتنازل عنها: إذ سينقذها من أكبر ورطاتها، الاحتلال، سيوقف عزلتها الدولية ويضع حدا للجدل الداخلي الذي يهز أسس إجماع الرأي العام فيها.

في مثل هذه الظروف، لماذا سيتخلّى عباس عن موقف الضحية مقابل مستقبل غير واضح، والذي قد تكون تضحياته أكبر بأضعاف؟

هل يمكن أن يكون قد فكّر في كل ذلك؟ وإذا كان الأمر كذلك - فربّما من المفضّل لنا أن نفكّر كيف نسعى إلى إنهاء الاحتلال حتى من دون أن نحظى بمساعدته. وهل كانت أقوال الصحفي الفلسطيني في زاوية مخصصة للتدخين مجرّد نكتة. لقد أطفأنا سجارتينا وعدنا إلى داخل القاعة للاستماع إلى الجدل القديم ذاته: مَن الصادق، مَن المذنب، من انتهك، من بنى ومن كذب.

نشر هذا المقال لأول مرة في ‏‏صحيفة هآرتس