لا شكّ أنّه بالنسبة للكثيرين في إسرائيل وغزة على حدٍّ سواء، فإنّ صيف عام 2014 كان صيفًا أسود. ورغم أنّ المعاناة في غزة واضحة بشكل أكبر، بشكل أساسيّ في تقارير وسائل الإعلام العربية، ولكن في إسرائيل أيضًا، رغم نجاح نظام "القبة الحديدية" في اعتراض معظم الصواريخ، فقد كان هذا صيف لتجنيد جنود الاحتياط، الجنازات، حالات الطوارئ وشعور عام بالكآبة.

مع انتهاء عملية "الجرف الصامد" يمكننا أن نقدّر بحذر من هم الفائزون ومن هم الخاسرون الأكبر في الصيف الأخير:

الفائزون:

مصر

كان لدى عبد الفتّاح السيسي صبر، وقد فاز. منذ بداية العمليّة وضع الرئيس المصري على الطاولة اقتراحه لوقف إطلاق النار، والذي استند على مبدأ بسيط: قبل كل شيء نوقف إطلاق النار ثم نجلس حول طاولة محادثات ونطرح للنقاش جميع المواضيع المشتعلة والمؤلمة لكلا الجانبين، وعلى رأسها رفع الحصار عن غزة واستمرار التهديد الصاروخي على إسرائيل من قبل حماس.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (EBRAHIM HAMID / AFP)

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (EBRAHIM HAMID / AFP)

قبلت إسرائيل اقتراح الرئيس المصري، ليس لأنّها أحبّت الاقتراح بقدر ما كان ذلك رغبة في حفظ ماء الوجه. رغم ذلك، رفضت حماس هذا الاقتراح، تحت ضغط الأتراك، القطريين والقيادة الخارجية للحركة، التي لم ترغب بمنح إنجاز سياسي للعدوّ رقم 1 للإخوان المسلمين. في نهاية الأمر، وبعد نحو ألف قتيل فلسطيني، دُكّت حماس واضطرت إلى الموافقة على الصيغة التي وضعتها مصر منذ البداية. إذا كان الأمر كذلك، فقد قرّر الصيف الأخير في غزة مكانة مصر في عهد السيسي باعتبارها العنوان الوحيد في المنطقة القادر على الوساطة بين الجانبين، رغم محاولات الأمريكيين لوضع حلفائهم في قطر وتركيا في الصورة.

نظام "القبة الحديدية"

كُتب كثيرًا عن نظام اعتراض الصواريخ، والذي دعاه البعض في المراحل الأولى من تطويره "الخيال". يعود جزء كبير من الفضل في تطويره إلى أكثر وزير دفاع افتري عليه في تاريخ إسرائيل: عمير بيرتس، الذي فشل كثيرًا خلال الحرب ضدّ حزب الله في صيف عام 2006 ولكن كان لديه رؤية تتطلّب تخصيص المليارات من أجل دعم تطوير القبة الحديدية. حوّلت "القبة الحديدية" في الواقع استثمار حماس الأكبر في تطوير وتهريب الصواريخ والقذائف إلى أمر مثير للسخرية؛ فقد تم تقريبًا اعتراض جميع الصواريخ وقد أصاب المواطنين عدم راحة متعلق بالدخول إلى الملجأ أو مكان آمن، وليس أكثر من ذلك.

نتنياهو ويعلون

أدار الزوج اليميني الحرب بحذر مفاجئ ودون خضوع للدعوات التي صدرت عن اليمين الإسرائيلي، وفي أحيان كثيرة أيضًا من الحاجة إلى تعميق العملية في غزة أكثر فأكثر، بل واحتلال غزة. منذ بداية العملية، سعى نتنياهو إلى وقف إطلاق النار، ولكنه لم يتردد في الهجوم حين تنتهك حماس وقف إطلاق النار المتفق عليه بوساطة جون كيري ودلّ سلوكه العام على تجربة وتقدير يختلفان جدًا عن تجربة وتقدير إيهود أولمرت خلال حرب لبنان الثانية، على سبيل المثال.

أيضًا كانت العلاقات الجيدة بين نتنياهو، وزير الدفاع يعلون ورئيس الأركان بيني غنتس، مختلفة جدّا عن أجواء التشكيك التي ميّزت القيادة الإسرائيلية في عمليات سابقة وساهمت في ثقة الجمهور في القيادة.

كان هناك تنافر بارز في العلاقات الإشكالية مع الإدارة الأمريكية، وخصوصًا أمام وزير الخارجية كيري، بل أيضًا أمام الرئيس الأمريكي نفسه، ولكن يبدو أنّ الأمر لا مفرّ منه، نظرًا للفوارق العميقة بين واشنطن والقدس في كلّ ما يتعلق بـ "الطيّبين" و"الأشرار" في الشرق الأوسط.

الخاسرون:

جون كيري

وزير الخارجية الأمريكي، الذي سارع ليطير إلى المنطقة، فورًا بعد بداية الحرب في غزة بتفكير نموذجي بأنّه قادر على "إنقاذ الأوضاع"، ولكنه بدلا من مساعدة الإسرائيليين والفلسطينيين نجح في تآكل ما تبقّى من الثقة بالأمريكيين في المنطقة وفاقم الخلاف بين واشنطن والقاهرة وإسرائيل. هناك من سيقول إنّ تصرف كيري نابع من انعدام الكفاءة الدبلوماسية، وآخرون سيقولون إنّه يعكس بشكل دقيق السياسة الخارجية لزعيمه - الرئيس أوباما: التعاون مع الإخوان المسلمين في المنطقة، الذين يعتبرون حسب الإدارة الأمريكية قوة معتدلة في المنطقة نسبيًّا ويجب العمل معها.

وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري (US Department of State)

وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري (US Department of State)

خالد مشعل

خفف زعيم حماس من ظهوره الإعلامي بعد الانتقادات التي تلقاها خطابه الذي ألقاه في الدوحة خلال القتال في غزة. تم تقديم مشعل من قبل الإسرائيليين، مع وجود مسوّغات كثيرة، باعتباره متمتّعًا يعيش حياة مريحة في غزة بينما يستمر في دعوة سكان القطاع بالاستمرار في الوقوف بحزم في وجه الدمار والمعاناة الكبيرة. إنّ حقيقة أنّ مشعل ملياردير، لا تضيف له نقاطا في الشارع الفلسطيني، بالإضافة إلى ذلك، كان من الواضح أنّ الجناح العسكري لحركة حماس يعمل كما يحلو له، وأحيانًا بخلاف الاتفاقات التي توصل إليها مشعل مع الجهات الدولية. سيُضطرّ مشعل في نهاية الحملة، إذا كان الأمر كذلك، لعرض إنجاز حقيقي أمام أبناء شعبه في غزة بصورة رفع الحصار وإنعاش اقتصادي هائل. إنْ لم يقم بذلك، فعلى ما يبدو أنّ قيادة الحركة في غزة ستطالب بالباكورة السياسي.

خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس (AFP)

خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس (AFP)

اليمين الإسرائيلي

يمكننا أن نقول إنّه خلال العملية في غزة كان يبدو وكأنّه قد حانت ساعة اليمين الإسرائيلي المتطرّف الكبيرة، السياسيين وأعضاء الكنيست وأي أشخاص يقتصر نشاطهم على الفيس بوك على حدٍّ سواء. ولكن رغم التصريحات العنصرية، كالدعوة إلى مقاطعة المصالح العربية، مطالبة نتنياهو باحتلال غزة من جديد، فإنّ الحكومة الإسرائيلية تجاهلت الأصوات اليمينية وبقيت، غالبًا، في الفيس بوك فحسب. رغم أنّ الكشف عن العنصرية أمر مقلق جدّا في إسرائيل، ولكن يمكننا أن نكون مرتاحين في كونها كانت وظلّت خارج الإجماع.