نطع القيام يهودية إسرائيلية تغنّي بلغة أجدادها، العربية المغربية. يبدو غناء نطع طبيعيًّا جدًّا ومُنسابًا، ويمكن أن يظنّ من يستمع إليها أنها عملت طيلة حياتها في الموسيقى المغربية. لكنّ الأمر ليس صحيحًا. ففي مقابلة مع "المصدر"، تروي:

"اهتممتُ بالموسيقى منذ سنّ باكرة جدًّا، وكنتُ أغنّي للعائلة. لكن رغم أنني أغني منذ نعومة أظفاري، لم أجد مطلقًا أسلوبًا أرتاح بالغناء فيه حتى اليوم. حين كنتُ صغيرة، أثارت اهتمامي "الموسيقى الإسرائيلية الشائعة"، أغاني أرض إسرائيل التي درسناها في المدرسة والجوقة، إلى جانب الموسيقى الإسرائيلية من الإذاعة. نشأتُ على "الروك أند رول" وفندر إلى جانب الأغاني المغربية التي سمعتُها في المناسبات، حفلات الزفاف، "الميمونات"، والأغاني الدينية في السبوت والأعياد. درستُ دراستي الثانوية في مدرسة دينيّة فيها قسم موسيقى جيد مع أستاذ رائع، عازف غيتار كلاسيكي من أصل هندي. كان خبيرًا في نظرية الموسيقى، وتعرفتُ عبره لأول مرة بشكل واعٍ إلى الموسيقى الكلاسيكية، الجاز، والموسيقى السوداء.

رغم أنها استمعت إلى الموسيقى الغربية طيلة حياتها، ففي الفترة الأخيرة فقط بدأت بالغناء بلغة آبائها وأجدادها، حيث وجدت نفسها من الناحية الموسيقيّة. "نشأتُ في نتيفوت. عائلتي من جهة الأب يهود بربر من المغرب، وعائلة أمي من الدار البيضاء. أعرّف عن نفسي بأنني "يهوديّة مغربية". أشعر بالارتياح مع هذا التعريف أكثر بكثير من التعريف: "إسرائيلية". بالطريقة نفسها، أشعر أنّ الغناء بالمغربية أكثر صحة بالنسبة لي، من حيث الهوية، ولكن أيضًا لأنّ للّغة نغماتٍ أحبّها، ولأسلوب الغناء الكثير من التنوّع. أظنّ أنني حين فتحتُ فمي وتجرأتُ على الغناء بالمغربية للمرة الأولى، كان واضحًا بالنسبة لي أنّ ثمة ارتباطًا طبيعيًّا لا يمكن تجاوزه، لا سيّما على ضوء انتقال القليل جدًّا من المعرفة إلى جيلي. كان هناك الكثير لتعلّمه، وهذا بالنسبة لي أكثر بكثير من الأسلوب الإسرائيلي - الأمريكي أو الشرقي في الإذاعة. إنّها حضارة وموسيقى أُسرتي".

كما ذُكر آنفًا، تعرّفت نطع إلى الموسيقى المغربية منذ طفولتها، في البيت والأفراح العائلية. فقد عاش في نتيفوت، مسقط رأسها، موسيقيان هامان وشهيران في حياة الجالية اليهودية - المغربية، كان أحدهما حاخامًا، عازف كمان، ومنشدًا دينيًّا كان خبيرًا في الأسلوب "الأندلسي" التقليدي (الذي يُعتبَر موسيقى مقدّسة يتأسس عليها معظم ألحان الصلوات والأناشيد الدينية التي تُنشَد في مجامع يهود المغرب). أمّا الثاني، فعازف عود خبير في الأسلوب "الشعبي"، الموسيقى الشعبية المغربية التي عُنيت أساسًا بقضايا دنيوية، على رأسها الجمال، الحنين، الحب، والحياة اليومية. وكانا يلتقيان ويعزفان في أمسيات "الميمونة" في نتيفوت، والتي امتدت أحيانًا إلى الفجر. وكان مئات الزوّار يتوافدون للاستماع من شتّى أنحاء البلاد. كطفلة، كانت نطع تشاهد من الخارج (مع أبناء جيلها، ومنهم زوجها الحالي الذي يعزف هو الآخر في الحفلات). وكان هذان النوعان، "الأندلسي" و"الشعبي"، الديني والدنيوي، "يُعزفان معًا ويخترقان النفس".

وفي حفلتهما الجديدة، يحاولان الحفاظ على هذا الدمج بين التقليدي والعصري. وفي الصفحة التي تعلن عن هذه الحفلة، يجري وصف مجرى الحفل: "عبر مواصلة دراسة الموسيقى والاعتراف، فإنّ التوجّه هو إعادة ربط الموسيقى المغربية بالحياة من المكان الذي توقّفت فيه، لكن مع ذلك البقاء أمناء لهويتنا: جيل جديد من يهود المغرب يرغب في الاستمرار بدفع الموسيقى قُدمًا، إلى الحاضر، وكتابة موادّ بتوزيع جديد مع نصوص تجاري العصر. الحفلة مؤسسة على توزيعات جديدة للأغاني المغربية، مع تشديد على يهود المغرب، غير المعترَف بهم كثيرًا في إسرائيل. إضافةً إلى ذلك، فهما يقدّمان موادّ جديدة تكتبها نطع بالمغربية، ويلحّنها زوجها".

هل تتحدثين المغربية في البيت؟ هل الكتابة بهذه اللغة طبيعية بالنسبة لك، رغم أنها ليست لغتك اليومية؟

"أتحدث اللغة من بيت جدتي، لا من بيت أمي. والداي يتكلمان العبرية فقط الآن، لكن في بعض الأحيان، حين يغضبان أو يضحكان أو يباركان، يكون ذلك دائمًا بالعربيّة المغربيّة. إذا احتجتُ إلى عون في الكتابة، أتوجه إلى صديق مغربي يساعدني في الكلمات".

هل أقمتِ حفلًا أمام جمهور عربي/ غير إسرائيلي؟

"قمتُ بزيارة افتتاح معرض لفنانين أصدقاء في القدس الشرقية، حيث عزفت فرقة موسيقى عربية. فجأة، سمعتُهم يدعونني للغناء عبر الميكروفون ... شعرتُ بالتوتر الشديد في البداية. غنّيتُ أغنية لراينات الوهرانية، موسيقية جزائرية يهودية، باللهجة الجزائرية. كانت ردود الفعل دافئة ومشجّعة جدًّا. كان ذلك مثيرًا للاهتمام ومختلفًا عن الموسيقى المحلية بالنسبة لهم أيضًا. فهذه ليست العربية نفسها، وليس الأسلوب نفسه الموجود في الشرق الأوسط.

 وماذا عن ردود فعل الإسرائيليين؟ ليس الناس في البلاد معتادين على هذا النوع من الموسيقى

ردود الفعل مشجّعة جدًّا. يشجّعني المغاربة الإسرائيليون على الاستمرار، فهم يتأثرون جدًّا بأنّ الجيل الجديد يتذكر، ولم ينسَ كليًّا ما أتوا به إلى هنا. وكذلك الآخرون، رغم أنهم لا يفهمون اللغة، يشجّعون ويساندون. أحيانًا، يسألون: ماذا عن الغناء بالعبريّة؟ أجيبهم بأنّ العبرية حظيت بالكثير من الاهتمام، ومحت الكثير جدًّا من اللغات الأخرى التي أتى بها اليهود في السنوات الستين الأخيرة. لذلك، لا مشكلة إن خلت هذه الحفلة من العبريّة. إضافةً إلى ذلك، نُسي المطربون اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى البلاد وغنوا بالعربية، وماتوا مُعدمين، لأنهم غنّوا بالعربية فقط وبأسلوبهم الخاصّ. أقل ما نقدمه لهم هو مواصلة طريقهم كما أصرّوا، دون التنازل عن اللغة.