شعور "ديجافو" (أمر شوهد من قبل) – هذا هو رد الفعل الأكثر شيوعا في هذه الأيام على ضوء توالي العمليات الإرهابية الأخيرة. رغم أنهم على المستوى السياسي يوضحون أن الحديث قائم عن حوادث محدودة، بمبادرات فردية وغضب وقتي، ولكن لا يمكن تجاهل الحقيقة القائلة بأنه تقريبا في كل يوم هناك عملية إرهابية ضد الإسرائيليين، سواء كانت في شوارع الضفة الغربية، في المستوطنات، والآن أيضا داخل إسرائيل.

يذكر الإسرائيليون جيدا شعور الرعب الرهيب الذي عصف بالناس خلال الفترات التي اعتبرت فيها الهجمات الإرهابية أحداثا روتينية، ووقعت بشكل يومي. بداية، في منتصف التسعينات، في موجة الهجمات الإرهابية التي جاءت كردّة فعل على اتفاقية أوسلو، ثم بعد ذلك في الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) التي بدأت عام ألفين، وغدت العمليات الانتحارية حينذاك هي واجهة المقاومة الفلسطينية.

وتبدو الوقائع معلومة مسبقا: فبعد الشعور بالمقت يصل الطرفان إلى تعهّد بضرورة التوصل لحل. وتبدأ المفاوضات غير المباشرة والسرية بوساطة أمريكية، ثم تتحول مع الوقت إلى مباشرة ومعلنة، وكل طرف منهما مقيّد بين محاولة الحفاظ على مصالح شعبه ونقل رسالة توحي بالصمود، وبين الحاجة إلى التصريحات المشتركة والتقدم في المفاوضات.

وحين تطول المحادثات، يبدأ الشعب في كلا الطرفين باليأس والتشاؤم، وتبدأ الانتقادات الداخلية من قبل الجهات المتطرفة بالتزايد، ومعها الكراهية والتحريض ضد الجانب الآخر.

كانت التنظيمات الفلسطينية الإسلامية في سنوات التسعينيات: حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، والتي بدأت بموجة من الهجمات الإرهابية كاحتجاج على المفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، برئاسة ياسر عرفات، ثم بعد ذلك اتفاقية أوسلو في سبتمبر عام 1993. في تلك الفترة تم تسجيل أول تفجير انتحاري قام به الفلسطينيون، وهو ما أصبح بعد فترة أمرا روتينيا، ولكنه في تلك الفترة كان حكرا على التنظيمات الإسلامية فقط.

بعد قرابة الأربع سنوات، تحولت العمليات الإرهابية إلى روتين، وفي كل طرف من الطرفين تم تسجيل مئات القتلى وآلاف الجرحى. أثارت كل مناسبة حساسة ردات فعل عنيفة فورية، كعمليات إطلاق النار، وضع العبوات الناسفة أو الهجمات الانتحارية، وكذلك اشتباكات بين الإرهابيين وبين جيش الدفاع الإسرائيلي، والتي تتلوها موجة من الاعتقالات. في عام 1997، خلال عهد حكومة بنيامين نتنياهو الأولى، تم تجميد المفاوضات السياسية بين الطرفين، وتم التخلي عن أوسلو، فحلّ الهدوء على المنطقة لفترة ما، وتم نسيان موجة الإرهاب.

ولكن ذلك لم يكن لفترة طويلة. ففي عام 2000، بعد اختيار إيهود باراك لرئاسة الوزراء في إسرائيل، كانت هناك محاولة أخرى لتجديد محادثات السلام. وعمل الأمريكيون لأيام وليالٍ من أجل إيجاد صيغة تكون مقبولة من كلا الطرفين. وربما أعطت صور باراك وعرفات وهما يدخلان يدا بيد إلى قاعة المؤتمر في كامب ديفيد شيئا من الأمل، ولكنّ هذا المؤتمر فشل في تحقيق تسوية دائمة تنهي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

أدت موجة من الإحباط مرة أخرى إلى الاضطرابات، ومرة أخرى تم تسجيل عدد من "الحوادث المحدودة"، حتى بلغ الأمر أن أحد هذه الحوادث المحدودة أشعل انتفاضة الأقصى، وأدى إلى موجة من الإرهاب والهجمات الإرهابية الأكثر قسوة مما عرفته دولة إسرائيل منذ أن قامت. وأصبحت التفجيرات الانتحارية هي الأداة المركزية بيد المقاومة الفلسطينية، وأصبحت مُستخدَمة من قِبل جميع التنظيمات الفلسطينية، بما فيها فتح. ففي عام 2002، سنة ذروة الانتفاضة الفلسطينية، كانت هناك 47 هجمة انتحارية في إسرائيل، أسفرت عن مقتل 225 شخصا.

انتشر شعور من الرعب لدى الجمهور الإسرائيلي، وخاف الناس من السفر بواسطة الحافلات، والجلوس في المطاعم، أو مجرد الخروج للشارع. وقد أدت موجة الإرهاب والعمليات التفجيرية إلى ارتفاع حاد في نشاط جيش الدفاع الإسرائيلي والشاباك في الضفة الغربية وقطاع غزة، وجرت مجددًا اشتباكات بين الجنود والإرهابيين، ومجددًا كانت هناك قتلى من كلا الطرفين واعتقالات، وبشكل أساسي، تزايد الإحباط مجددا.

في نهاية المطاف، عام 2005 أُعلن بشكل مشترك عن "تهدئة"، وانسحب جيش الدفاع الإسرائيلي – كتصرف من جانب واحد – من قطاع غزة، الذي سيطرت عليه حماس، وكانت هناك عدة محاولات لاستئناف المفاوضات، ولكنها لم تكلل بالنجاح.

منذ ذلك الحين مرّ وقت طويل من المحاولات الفاشلة لاستئناف المفاوضات، ومن الجمود السياسي الطويل. وقد نجح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، بعد جهود كثيرة، في تجديد محادثات السلام بين الطرفين في شهر تمّوز الأخير.

ولكن يبدو أن شرارة الأمل تتلاشى، وكلا الجانبين لا يؤمن بحدوث انفراجة كبيرة. وكحد أقصى، سيكون هناك اتفاق جديد مؤقت غير ملزم. ويتزايد الإحباط على إثر عدم التقدم وحجم الفجوات بين الطرفين. ويتفشى اليأس من قدرة القيادة الفلسطينية على إقامة دولة بين المزيد من الأشخاص وسط الشعب الفلسطيني.

ويبدو أن التسلسل الأخير للأحداث لا يبشّر بخير. فقد أصبحت زجاجات المولوتوف الملقاة على شوارع الضفة المؤدية للمستوطنات أمرا روتينيا، وكذلك الأمر رمي الحجارة على الجنود وأحيانا على المدنيين أيضا في القدس الشرقية. قبل يومين، تم تسجيل حادث غير اعتيادي وذلك حين انفجرت قنبلة في حافلة داخل إسرائيل، في مدينة بات يام المجاورة لتل أبيب. وانتهت محاولتان للاعتقال من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة في الأسبوع الماضي بالمقاومة العنيفة وبموت فلسطينيّين. كما تمّ أمس طعن شرطي في ظهره بإحدى المستوطنات من قبل فلسطينيّ هرب عائدا إلى أراضي الضفة.

وكما ذكرنا، فهناك مطالب في إسرائيل بالتعامل مع الأحداث على أنها محدودة، على الأقل في وسائل الإعلام، ولكن الاتجاه واضح لا مثيل له، ويتلاءم بشكل مباشر مع التقارير حول الصعوبات المتزايدة في المفاوضات. ويبدو أن الطريق إلى تصعيد آخر وإلى موجة إرهابية أخرى قد بات معبّدا. ويبدو أن الصعوبات التي يمر بها الإخوان المسلمون في مصر، والحرب الأهلية المستعرة في سوريا وقلاقل إيران، كل ذلك يعطينا بضع لحظات من الهدوء.

يقدّر رجال الشاباك أن هناك موجة من الهجمات الإرهابية سوف تأتي إلينا في شهر نيسان القادم. وسواء كانت موجة مقصودة وموجّهة من قبل حماس، أو كانت انتفاضة شعبية مستقلة، فيبدو أننا نسير في طريق واضح إلى ما لا مفرّ منه. وإذا لم يكن هناك تحقيق لإنجازات بارزة نحو إقامة دولة فلسطينية، فربما تكون الأوضاع سيئة مرة أخرى، سيئة للغاية.