من الصعب جدًّا افتتاح هذا المقال دون التطرّق إلى الصعوبات القائمة، في الكثير من المجتمعات حول العالم منذ سنوات طويلة، بخصوص قبول مثليّي الجنس ناهيك عن العلاقة الزوجية لمثليّي الجنس. في العديد من دول العالم لا زال الموضوع يعتبر من المحرّمات الاجتماعية التي يمكن أن تؤدّي في الكثير من الحالات إلى اضطهاد الأقلية من مثليّي الجنس. إنّ أوامر القتل والموت شنقا في ساحات المدن الكبرى كطهران والرياض هي مشاهد شائعة جدّا في العديد من بلدان الشرق الأوسط، فأولئك الذين يتمّ القبض عليهم أثناء إقامة علاقات مثلية الجنس، يُحكمون بالسجن، أو الغرامة أو الجلد.

ولكن للحظة، سنترك هذه القضية المهمّة المتعلّقة بحقوق المثليّبن ونطرح السؤال: هل يمكن فعلا إقامة علاقة زوجية مثلية الجنس؟ وهل الزواج الأحادي هو شرط ضروري لإقامتها؟ وبماذا تختلف هذه العلاقة الزوجية عن أي علاقة زوجية عادية نعرفها.

الزوجية هي علاقة بين شخصين. تجعلك سعيدًا، تملأ العجز الذي تراكم في طفولتك. إنها تقوم بتنويمك، بتغيّر نظامك اليومي. الزوجية هي سفينة النجاة الصغيرة التي تجمع روحك من العاصفة المستعرة في قلبك وخارجه. الزوجية هي حمرة طبيعية في الخدّين، هي الأرنب الذي يخرج من القبّعة في كلّ لحظة نشعر فيها بالحزن. وهذه ليست عبارات مبتذلة على الإطلاق.

في مشهد التعارف المباشر نسمع كثيرًا عن الصعوبات في إيجاد الشريك. العازبون والعازبات الذين يركضون في الدوائر يميلون إلى وصف حياتهم بأنها بحث مستمر دون مخرج. وقد يكون عالم التعارف لدى المثليّين مع ذلك أكثر صعوبة.

أضيفوا لكافة الصعوبات "العادية" في طريق العثور على شريك، الصعوبات التي يضيفها المجتمع والمشاكل الأخرى، وكما يظهر لكم من ليس سهلا العثور على طريق لزوجية مستقرة وسعيدة.

هنا في إسرائيل على سبيل المثال، حين تنتمي إلى مجتمع يشكّل عشرة بالمائة من السكان فقط، في دولة فيها ثمانية ملايين مواطن فقط، في دولة فيها نسبة كبيرة من المتديّنين أو التقليديّين، فإنّ فرص إيجاد شريك مثليّ الجنس آخذة في التناقص. أضف إلى ذلك الغربلة المجتمعية، الطبيعة والاقتصادية الأخرى: اليهود، العرب، اليهود الشرقيّين، اليهود الشكناز، البيض، السود، أولئك الذين لم يخرجوا من الخزانة، ميول ذكرية، ميول أنثوية، كبار السنّ، الشباب وعدد لا يحصى من معايير الانجذاب الجنسي.

الزوجية المثليّة هي جزء من نسيج العائلات الجديد الذي يميّز الثقافة الغربية (Flash90/Nati Shohat)

الزوجية المثليّة هي جزء من نسيج العائلات الجديد الذي يميّز الثقافة الغربية (Flash90/Nati Shohat)

على عكس ما هو شائع وبصفة عامة، فإنّ مثليّي الجنس لن يبدأوا مع أحدهم في الشارع بشكل اعتباطي، لتجنّب الإحراج، إنْ كان محبّا للجنس الآخر أو ينفي ذلك. من ناحية أخرى، فإنّ العديد من مثليّي الجنس يشعرون بأنّ مواقع التعارف، الفيس بوك وحفلات المثليّين ليست عنوانهم، لأنّه ليس هناك فرصة لتعارف حقيقي.

وإنْ كان هذا لا يكفي، فإليكم المزيد من التعقيدات والعقبات في الطريق إلى الزوجية المثليّة المستقرّة وإقامة أسرة جديدة. من المهمّ أن نلاحظ في هذا السياق بعض الحقائق البسيطة حول حياة الحبّ والزوجية غير متباينة الجنس.

بدايةً، فإنّ الحاجة الجنسية هي دافع بيولوجي بحت، في حين أنّ معيار الاتفاق الجنسي هو أمر ثقافي. ثانيًا، تشير نتائج الأبحاث إلى أنّ الرجال يبحثون عن الانفعال (sensation-seeking behavior) أكثر بكثير من النساء، وممّا يمثّل ذلك هو تنوع التجارب الجنسية. بالمقابل، تطمح النساء إلى الاستقرار ويملنَ إلى رؤية نوع من التعبير الشعوري في الجنس، أكثر من كونه حاجة بحد ذاتها. تكفي نظرة خاطفة على مواقع تعارف المثليّين من أجل رؤية الاختلاف بين المحادثات المشبعة بالشهوانية للمثليّين والمحادثات المفعمة بالحبّ أكثر لدى المثليّات. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ تعريف المثليين كفاقدين للقدرة على إيجاد علاقة أحادية الجنس، نشأ من الصعوبات التي تميّز الدراسات حول مجموعات الأقليات المختبئة.

ونعود مجدّدَا لأسئلتنا الأساسية: هل يمكن إقامة علاقة زوجية مثليّة الجنس؟ وهل الزواج الأحادي هو شرط ضروري لإقامتها؟ لا تستند الدراسات التي أجريت حول هذا الموضوع إلى عيّنات تمثيلية. لم تجد مراجعة محوسبة من أجل كتابة هذا المقال شيئًّا ما حول الموضوع. لم نجد دراسة واحدة حاولت فحص معدّل مثليّي الجنس الذين كانت أو أنها توجد لديهم الآن علاقة زوجية مستمرّة مع مثليّين بشكل عام (في إسرائيل). ينبع جزء من الصعوبة بأنّه وبخلاف متبايني الجنس، فإنّ المثليّين هم مجموعات أقلية مختبئة، بمعنى أنّه لا يمكن أن نستخلص منهم عيّنة تمثيلية.

استخدمت الدراسات حول الزوجية المثليّة التي أجريت حول العالم، عيّنات انتقائية وقليلة من الرجال والنساء، الذين يديرون منزلا مشتركًا لسنوات عديدة. وتشير إلى أنّ الانجذاب الجنسي لدى الرجال الذين يعيشون كأزواج تنخفض مع السنوات إلى درجة الفصل بين حياة الزوجية والحياة الجنسية، والتي يجدها كل واحد من الزوجين خارج العلاقة الزوجية، باتفاق متبادل (وهي ظاهرة نادرة أكثر لدى الأزواج من المثليّات، والتي يمكن عزوُها إلى الاختلاف في المزاج بين الرجال والنساء بشكل عام).

ومع ذلك هناك تغيير في الأجواء في السنوات الأخيرة، ويبحث الكثير من الرجال والنساء عن بناء علاقات زوجية من أجل إقامة ما يسمّى "نواة العائلة الجديدة" (والدان وطفلان أو والدتان وطفلان).

الحبّ المثلي والزوجية المثلية لا يختلفان كثيرًا عن الزوجية متباينة الجنس (Yonatan Sindel)

الحبّ المثلي والزوجية المثلية لا يختلفان كثيرًا عن الزوجية متباينة الجنس (Yonatan Sindel)

الزوجية المثليّة هي جزء من نسيج العائلات الجديد الذي يميّز الثقافة الغربية والثقافة الإسرائيلية. على سبيل المثال، فإنّ تنظيم "العائلة الجديدة"، الذي يعمل لتحقيق المساواة الكاملة للأزواج من نفس الجنس، يقدّم سلّة من الخدمات الاجتماعية للأزواج المثليّين الذين يقرّرون الاستقرار وبناء عائلة ابتداءً من الاستشارة القانونية لاحتياجات تأجير الأرحام، الزواج، تلقّي المزايا الضريبية الممنوحة للأزواج متبايني الجنس وتقديم الحلول حول أسئلة تتناول موضوع المواليد، الوصاية والميراث.

ليست الزوجية المثلية اختراعًا إسرائيليًّا، وقد تمّ تحقيق انطلاقة مهمّة من الناحية القانونية في التشريعات في بعض البلاد كالولايات المتحدة، كندا، السويد، هولاندا والكثير من الدول الليبرالية. والآن ينبغي أن تنضمّ إسرائيل إليها أيضًا، من خلال إصلاح أحد التمييزات الأساسية المتبقية ضدّ المجتمع المثلي في البلاد.

وقد اعترفت المحاكم الإسرائيلية بالعلاقات الزوجية المثلية، لا سيّما في موضوع الحصول على الحقوق في العمل، وفي سياقات معيّنة مرتبطة بأبوّة الزوجين (مثلا: تعيين وصيّ لأبناء الشريك). ولكن على سبيل المثال، في جميع مواضيع الاعتراف بالشريك كشخص معروف في المجتمع من أجل قانون الميراث، لم يتمّ حتّى الآن أيّ اعتراف بالزوجية المثلية. إلا إذا ترك الشريك المتوفي وصيّة صريحة.

إنّ مواقع التعارف للمثليّين واللقاءات المنظّمة لأغراض التزاوج المثلي موجودة في إسرائيل وغالبًا في مدن المركز. إنّ الحبّ المثلي والزوجية المثلية لا يختلفان كثيرًا عن الزوجية متباينة الجنس: العاطفة، التوتّر الجنسي، الغيرة، الحزن، الاكتئاب، الخيانة وما لا يحصى من الأمور المشتركة. ولكن الزوجية المثلية تصمد بصعوبة كبيرة، سواء بسبب البنى الاجتماعية، المحظورات، المحرّمات الدينية، التشريعات غير المتوازنة، سؤال الزواج الأحادي وخيارات الارتباط القليلة.