يقع العالم العربي في بقعة يتفق العالم على تسميتها بمنطقة "الشرق الأوسط"، ولكن الشرق الأوسط ليس عربيًا صرفًا. هنالك ثلاث دول غير عربية وأساسية في الشرق الأوسط، إضافة للأقليات غير العربية الكثيرة الموجودة في المنطقة، وهي إيران، تركيا وإسرائيل. ولا تسود علاقات ودية بين الدول الثلاث في هذه المرحلة ولكن الحال لم تكن هكذا دائمًا.

تختلف تلك الدول عن بعضها البعض من عدة نواحي أبرزها هو الحجم. تمتد إيران على مساحة مليون ونصف كيلومتر مربع بينما تمتد تُركيا على نصف هذه المساحة وإسرائيل تبلغ مساحتها نحو 22،000 كيلومتر مربع فقط (أقل بـ 70 مرة من إيران). عدد السكان في كلٍ من إيران وتركيا نحو 80 مليون نسمة بينما نسبة السكان في إسرائيل هي 10% من ذلك التعداد. إلا أنه من ناحية التأثير الجيوسياسي نجد تلك الدول متساوية من ناحية التأثير.

أعلام إيران وتركيا وإسرائيل

أعلام إيران وتركيا وإسرائيل

يُذكر المدون نبيل تيلر، الخبير بشؤون الشرق الأوسط، بأن هنالك فارق آخر هو الفارق الديني. فبينما إسرائيل هي دولة يهودية - الوطن القومي للشعب اليهودي - تُمثل إيران وتُركيا طرفين مُختلفين من الإسلام. إيران هي الدولة الشيعية الأكبر بينما تُركيا هي الدولة السُنية الأبرز. بالتالي فإن إيران وتُركيا متورطتان بشكل فعّال، وإن كان من وجهتي نظر مُختلفتين، في الفوضى التي تعصف بالعالم العربي.

تدعم إيران، في الحرب الأهلية السورية، نظام الرئيس بشار الأسد الشيعي. بينما تركيا ترى بالأسد عدوًا لأسباب عديدة منها دعمه لاستقلال الأكراد. يعتقد كثيرون حتى أن إيران توفر الدعم لتنظيم الدولة الإسلامية المُتطرف (داعش)، الذي يهدف إلى السيطرة على كل سوريا قبل التقدم إلى تحقيق أهداف أُخرى في العالم الإسلامي.

تُغذي تلك الخصومة التركية - الإيرانية الطموح الإيراني بالسيطرة على الشرق الأوسط، دون الحديث عن سعي طهران للحصول على قدرة نووية عسكرية. على الرغم من أن تركيا تُفضل التشديد على النووي الإسرائيلي أكثر من تشديدها على النووي الإيراني إلا أن ذلك الطموح الإيراني بالسيطرة يتناقض مع طموح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالسيطرة على المنطقة. تتنافى طموحات هاتان الدولتان لطموحات أكبر دولة عربية - مصر. الرئيس عبد الفتاح السيسي لديه خصمان أساسيان هما: حركة الإخوان المُسلمين وفرعها في قطاع غزة - حماس. يتلقى الخصم الأول الدعم الكبير من قبل تركيا، بينما حماس، على الرغم من شريعتها السنية إلا أنها تتلقى الدعم من إيران كجزء من سياسة العداء لإسرائيل.

إذًا، كان هناك من شيء يوحد وجهة النظر السياسية للدولتين، غير العربيتين، فهو عداؤهما لإسرائيل. تحاول إيران وتُركيا تعزيز شعبيتهما في العالم العربي من خلال إظهار العداء الشديد لإسرائيل. ليس أن إيران تساهم بشكل ما بالعمليات الإرهابية التي تطال أهداف إسرائيلية حول العالم وحسب بل إنها تموّل وتدعم تنظيمات إرهابية في المنطقة المحيطة بإسرائيل، وخاصة لبنان (حزب الله) وفي غزة (حماس). تحاول تُركيا، تحت حكم أردوغان، من جهتها تعزيز موقفها في العالم الإسلامي من خلال تبني سياسة معادية لإسرائيل.

لكن الوضع لم يكن هكذا دائمًا. سبق أن وقفت هذه الدول، غير العربية، إلى جانب بعضها البعض. كانت تركيا، في آذار من العام 1949، هي أول دولة ذات أكثرية مُسلمة تعترف بدولة إسرائيل. اتخذت إيران، بعد عام من ذلك، خطوة مشابهة. حتى أن إيران أقامت مُمثلية لها لفترة قصيرة في إسرائيل.

ازدهر التعاون بين تُركيا وإسرائيل بعد اعتراف تُركيا بإسرائيل وخاصة بما يتعلق بالقضايا العسكرية، الاستراتيجية والدبلوماسية. ازدهر مجالا السياحة والتجارة أيضًا، قام سلاح الجو الإسرائيلي بمناورات في سماء تُركيا وكانت هناك مخططات لتعاون في مجال الهايتك. حافظ أردوغان، بعد انتخابه رئيسًا للحكومة التركية عام 2003، على "الأمور كما هي" وحتى أنه زار إسرائيل عام 2005. إلا أن ميله للإخوان المُسلمين قاد السياسة التركية إلى موقف إسلامي داعم للعرب. تراجعت العلاقات مع إسرائيل بسرعة كبيرة وكانت الذروة على إثر حادثة أسطول مرمرة عام 2010.

أما فيما يتعلق بإيران، فقد بقيت العلاقات بين الدولتين جيدة منذ إقامة دولة إسرائيل وحتى الثورة الإسلامية عام 1979 وإسقاط سلالة فهلوي. اعتبرت إسرائيل إيران حليفة طبيعية لها وعززت تلك العلاقات بينهما. زودت إيران إسرائيل، في حرب عام 1967، بكمية كبيرة من احتياجات إسرائيل من النفط وتم نقل النفط الإيراني للأسواق الأوروبية من خلال أنبوب إسرائيلي - إيراني مُشترك (أشكلون - إيلات). كان مهندسون إسرائيليون ومسؤولو شركات بناء ناشطين في إيران، وحتى أن هناك من يدعون بأنه كانت هناك مشاريع عسكرية مُشتركة. أصبح آية الله خامنئي الإيراني في عام 1979 هو القائد الأعلى للجمهورية الإيرانية. قطعت إيران علاقاتها مع إسرائيل، قبل نهاية العام، وألغت اعترافها بها.

نشرت محللة سياسية تُركية، قبل بضعة أشهر، مقالة في موقع العربية تحت عنوان "الأصدقاء القدامى لا يمكنهم أن يكونوا أعداءً". ادعت في مقالتها هذه بأن هناك حميمية جديدة مُستشعرة في العلاقات بين تركيا وإسرائيل. وعبّرت عن أملها بأن مثل هذه المصالحة من شأنها أن تقود إلى تطورات إيجابية أُخرى في الشرق الأوسط، على المستوى الأمني، الاقتصادي والسياسي. "اليوم"، كتبت تقول، "في الوضع الحالي في الشرق الأوسط والواقع الموجود في سوريا، تحتاج هاتانا الدولتان لهذا التعاون أكثر من أي وقت مضى". وأشارت في مقالتها أيضًا إلى أن الدولة الوحيدة التي يمكن للإسرائيليين والإيرانيين زيارتها دون تأشيرة دخول هي تركيا. حسب أقوالها، تتجه تُركيا أيضًا لتحسين علاقتها الدبلوماسية مع إيران.

كان نبيه تيلر لسنوات مُراسلاً لشبكة BBC و اليوم يُدير مدونة تُعنى بشؤون الشرق الأوسط.

المقالة ظهرت للمرة الأولى على موقع ميدل نيوز